تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ السَّجْدَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ . . . "

ج 20
ص 173

الآية المفسَّرة

وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 20 · ص 173

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ ( 10 )
يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ ، الْمُكَذِّبُونَ بِالْبَعْثِ : أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَيْ : صَارَتْ لُحُومُنَا وَعِظَامُنَا تُرَابًا فِي الْأَرْضِ وَفِيهَا لُغَتَانِ : ضَلَلْنَا ، وَضَلِلْنَا . بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا ، وَالْقِرَاءَةُ عَلَى فَتْحِهَا وَهِيَ الْجُودَاءُ ، وَبِهَا نَقْرَأُ . وَذُكِرَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : ( أَئِذَا صَلَلْنَا ) بِالصَّادِّ ، بِمَعْنَى : أَنْتَنَّا ، مِنْ قَوْلِنَا : صَلَّ اللَّحْمُ وَأَصَلَّ إِذَا أَنْتَنَ . وَإِنَّمَا عَنَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِقَوْلِهِمْ : أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَيْ : إِذَا هَلَكَتْ أَجْسَادُنَا [20/174]فِي الْأَرْضِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ حَتَّى خَفِيَ فِيمَا غَلَبَ ، فَإِنَّهُ قَدْ ضَلَّ فِيهِ ، تَقُولُ الْعَرَبُ : قَدْ ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ : إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يُتَبَيَّنَ فِيهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَخْطَلِ لِجَرِيرٍ :
كُنْتَ الْقَذَى فِي مَوْجِ أَكْدَرَ مُزْبِدٍ قَذَفَ الْأَتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلَالَا
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ يَقُولُ : أَئِذَا هَلَكْنَا .
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ هَلَكْنَا .
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ : قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ يَقُولُ : أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَنُبْعَثُ خَلْقًا جَدِيدًا ؟ يَكْفُرُونَ بِالْبَعْثِ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ قَالَ : قَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا .
وَقَوْلُهُ : بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : مَا بِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ جُحُودُ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَى مَا يَشَاءُ ، بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ ؛ حَذَرًا لِعِقَابِهِ ، وَخَوْفَ مُجَازَاتِهِ [20/175]إِيَّاهُمْ عَلَى مَعْصِيَتِهِمْ إِيَّاهُ ، فَهُمْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ يَجْحَدُونَ لِقَاءَ رَبِّهِمْ فِي الْمَعَادِ .