تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ "

ج 20
ص 57

الآية المفسَّرة

كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 20 · ص 57

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ( 57 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ( 58 ) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 59 )
يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِ نَبِيِّهِ : هَاجِرُوا مِنْ أَرْضِ الشِّرْكِ ، مِنْ مَكَّةَ (مكان)إِلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ الْمَدِينَةِ ، (مكان)فَإِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ ، فَاصْبِرُوا عَلَى عِبَادَتِي ، وَأَخْلِصُوا طَاعَتِي ، فَإِنَّكُمْ مَيِّتُونَ وَصَائِرُونَ إِلَيَّ ؛ لِأَنَّ كُلَّ نَفْسٍ حَيَّةٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ، ثُمَّ إِلَيْنَا بَعْدَ الْمَوْتِ تُرَدُّونَ ، ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّا أَعَدَّ لِلصَّابِرِينَ مِنْهُمْ عَلَى طَاعَتِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ عِنْدَهُ ، فَقَالَ : وَالَّذِينَ آمَنُوا ، يَعْنِي : صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَقُولُ : وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ فَأَطَاعُوهُ فِيهِ ، وَانْتَهَوْا عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا يَقُولُ : لَنُنَزِّلَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ عَلَالِيَ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ (مكان)وَالْبَصْرَةِ ، (مكان)وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ : ( لَنُبَوِّئَنَّهُمْ ) بِالْبَاءِ ، وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ (مكان)بِالثَّاءِ ( لَنُثْوِيَنَّهُمْ ) .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ ، قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءٌ مِنَ الْقُرَّاءِ ، مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ : ( لَنُبَوِّئَنَّهُمْ ) مِنْ بَوَّأْتُهُ مَنْزِلًا أَيْ أَنْزَلْتُهُ ، وَكَذَلِكَ لَنُثْوِيَنَّهُمْ ، إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَثْوَيْتُهُ مَسْكَنًا ، إِذَا أَنْزَلْتُهُ مَنْزِلًا مِنَ الثَّوَاءِ ، وَهُوَ الْمُقَامُ .
وَقَوْلُهُ : تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَقُولُ : تَجْرِي مِنْ تَحْتِ أَشْجَارِهَا الْأَنْهَارُ ( خَالِدِينَ فِيهَا ) يَقُولُ : مَاكِثِينَ فِيهَا إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ ، نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ يَقُولُ : نِعْمَ جَزَاءُ الْعَامِلِينَ بِطَاعَةِ اللَّهِ هَذِهِ الْغُرَفُ الَّتِي يُثْوِيهُمُوهَا اللَّهُ فِي جَنَّاتِهِ ، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ، الَّذِينَ صَبَرُوا عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ فِي الدُّنْيَا ، وَمَا كَانُوا يَلْقَوْنَ مِنْهُمْ ، وَعَلَى الْعَمَلِ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَمَا يُرْضِيهِ ، وَجِهَادِ أَعْدَائِهِ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ فِي أَرْزَاقِهِمْ وَجِهَادِ أَعْدَائِهِمْ ، فَلَا يَنْكُلُونَ عَنْهُمْ ، ثِقَةً مِنْهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ مُعْلِي كَلِمَتِهِ ، وَمُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ ، وَأَنَّ مَا قُسِمَ لَهُمْ [20/58]مِنَ الرِّزْقِ فَلَنْ يَفُوتَهُمْ .