تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ "

ج 20
ص 21

الآية المفسَّرة

يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 20 · ص 21

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ( 21 ) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 22 ) [20/22]
يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ خَلْقَهُ مِنْ بَعْدِ فَنَائِهِمْ ، فَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ عَلَى مَا أَسْلَفَ مِنْ جُرْمِهِ فِي أَيَّامِ حَيَاتِهِ ، وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ مِمَّنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ يَقُولُ : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَتُرَدُّونَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ فَإِنَّ ابْنَ زَيْدٍ قَالَ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ قَالَ : لَا يُعْجِزُهُ أَهْلُ الْأَرَضِينَ فِي الْأَرَضِينَ ، وَلَا أَهْلُ السَّمَوَاتِ فِي السَّمَوَاتِ إِنْ عَصَوْهُ ، وَقَرَأَ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ .
وَقَالَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ (مكان): وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا مَنْ ( فِي السَّمَاءِ ) مُعْجِزِينَ قَالَ : وَهُوَ مِنْ غَامِضِ الْعَرَبِيَّةِ لِلضَّمِيرِ الَّذِي لَمْ يَظْهَرْ فِي الثَّانِي . قَالَ : وَمِثْلُهُ قَوْلُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ :
أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ ؟
أَرَادَ : وَمَنْ يَنْصُرُهُ وَيَمْدَحُهُ ، فَأَضْمَرَ " مَنْ " . قَالَ : وَقَدْ يَقَعُ فِي وَهْمِ السَّامِعِ أَنَّ النَّصْرَ وَالْمَدْحَ لِمَنْ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ ، وَمِثْلُهُ فِي الْكَلَامِ : أَكْرِمْ مَنْ أَتَاكَ وَأَتَى أَبَاكَ ، وَأَكْرِمْ مَنْ أَتَاكَ وَلَمْ يَأْتِ زَيْدًا . تُرِيدُ : وَمَنْ لَمْ يَأْتِ زَيْدًا ، فَيَكْتَفِي بِاخْتِلَافِ الْأَفْعَالِ مِنْ إِعَادَةِ ( مَنْ ) كَأَنَّهُ قَالَ : أَمَنْ يَهْجُو ، وَمَنْ يَمْدَحُهُ ، وَمَنْ يَنْصُرُهُ . وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : [20/23] وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ عِنْدِي فِي الْمَعْنَى مِنَ الْقَوْلِ الْآخَرِ . وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ مَعْنَاهُ : وَلَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ، وَلَا أَنْتُمْ لَوْ كُنْتُمْ فِي السَّمَاءِ بِمُعْجِزِينَ - كَانَ مَذْهَبًا .
وَقَوْلُهُ : وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ يَقُولُ : وَمَا كَانَ لَكُمْ - أَيُّهَا النَّاسُ - مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ يَلِي أُمُورَكُمْ ، وَلَا نُصَيْرٍ يَنْصُرُكُمْ مِنَ اللَّهُ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا وَلَا يَمْنَعُكُمْ مِنْهُ إِنْ أَحَلَّ بِكُمْ عُقُوبَتَهُ .