تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْقَصَصِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ "

ج 19
ص 517

الآية المفسَّرة

وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 19 · ص 517

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ( 5 ) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ( 6 )
قَوْلُهُ : ( وَنُرِيدُ ) عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ : يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ وَمَعْنَى الْكَلَامِ : أَنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا ، مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فِرَقًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ ( وَ ) نَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتَضْعَفَهُمْ فِرْعَوْنُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ قَالَ : بَنُو إِسْرَائِيلَ .
قَوْلُهُ : وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً أَيْ : وُلَاةً وَمُلُوكًا .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . [19/518]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً أَيْ : وُلَاةَ الْأَمْرِ .
وَقَوْلُهُ : وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ يَقُولُ : وَنَجْعَلُهُمْ وُرَّاثُ آلِ فِرْعَوْنَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَهْلِكِهِمْ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ : أَيْ يَرِثُونَ الْأَرْضَ بَعْدَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي أَبُو سُفْيَانَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ يَقُولُ : يَرِثُونَ الْأَرْضَ بَعْدَ فِرْعَوْنَ .
وَقَوْلُهُ : وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ يَقُولُ : وَنُوَطِّئُ لَهُمْ فِي أَرْضِ الشَّامِ (مكان)وَمِصْرَ (مكان) وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا قَدْ أُخْبِرُوا أَنَّ هَلَاكَهُمْ عَلَى يَدِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَكَانُوا مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجَلٍ مِنْهُمْ ، وَلِذَلِكَ كَانَ فِرْعَوْنُ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ ، وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ، فَأَرَى اللَّهُ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا ، مَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى يَدِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ (نبي)نَبِيِّهِ ، مَا كَانُوا يَحْذَرُونَهُ مِنْهُمْ مَنْ هَلَاكِهِمْ وَخَرَابِ مَنَازِلِهِمْ وَدُورِهِمْ .
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ شَيْئًا مَا حَذِرَ الْقَوْمُ .
قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ حَازِيًا حَزَا لِعَدُوِّ اللَّهِ فِرْعَوْنَ ، فَقَالَ : يُولَدُ فِي هَذَا الْعَامِ غُلَامٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَسْلُبُكَ مُلْكَكَ ، فَتَتَبَّعَ أَبْنَاءَهُمْ ذَلِكَ الْعَامَ ، يَقْتُلُ أَبْنَاءَهُمْ ، وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ، حَذَرًا مِمَّا قَالَ لَهُ الْحَازِي .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو سُفْيَانَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : كَانَ لِفِرْعَوْنَ رَجُلٌ يَنْظُرُ لَهُ وَيُخْبِرُهُ ، يَعْنِي أَنَّهُ كَاهِنٌ ، فَقَالَ لَهُ : إِنَّهُ يُولَدُ فِي هَذَا الْعَامِ غُلَامٌ يَذْهَبُ بِمُلْكِكُمْ ، فَكَانَ فِرْعَوْنُ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ ، وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ حَذَرًا ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ . [19/519]
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ (مكان)وَالْبَصْرَةِ ، (مكان)وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ : وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ بِمَعْنَى : وَنُرِيَ نَحْنُ ، بِالنُّونِ عَطْفًا بِذَلِكَ عَلَى قَوْلِهِ : وَنُمَكِّنَ لَهُمْ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ (مكان): " وَيُرَى فِرْعَوْنُ " عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ لِفِرْعَوْنَ ، بِمَعْنَى : وَيُعَايِنُ فِرْعَوْنُ ، بِالْيَاءِ مِنْ يَرَى ، وَرَفْعِ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَالْجُنُودِ .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ ، أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ ، مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى ، قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءُ مِنَ الْقُرَّاءِ ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَهُوَ مُصِيبٌ ، لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لِيَرَى مِنْ مُوسَى (نبي)مَا رَأَى ، إِلَّا بِأَنْ يُرِيَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لِيُرِيَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ ذَلِكَ مِنْهُ إِلَّا رَآهُ .