تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ النَّمْلِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ "

ج 19
ص 451

الآية المفسَّرة

قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 19 · ص 451

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ( 29 ) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 30 ) أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ( 31 )
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَذَهَبَ الْهُدْهُدُ بِكِتَابِ سُلَيْمَانَ (نبي)إِلَيْهَا ، فَأَلْقَاهُ إِلَيْهَا فَلَمَّا قَرَأَتْهُ قَالَتْ لِقَوْمِهَا : يَا أَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، قَالَ : كَتَبَ - يَعْنِي سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ (نبي)- مَعَ الْهُدْهُدِ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ (نبي)، إِلَى بِلْقِيسَ بِنْتِ ذِي سَرْحٍ وَقَوْمِهَا ، أَمَّا بَعْدُ ، فَلَا تَعْلُو عَلَيَّ ، وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ، قَالَ : فَأَخَذَ الْهُدْهُدُ الْكِتَابَ بِرِجْلِهِ ، فَانْطَلَقَ بِهِ حَتَّى أَتَاهَا ، وَكَانَتْ لَهَا كُوَّةٌ فِي بَيْتِهَا إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ نَظَرَتْ إِلَيْهَا ، فَسَجَدَتْ لَهَا ، فَأَتَى الْهُدْهُدُ الْكُوَّةَ فَسَدَّهَا بِجَنَاحَيْهِ حَتَّى ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ وَلَمْ تَعْلَمْ ، ثُمَّ أَلْقَى الْكِتَابَ مِنَ الْكُوَّةِ ، فَوَقْعَ عَلَيْهَا فِي مَكَانِهَا الَّذِي هِيَ فِيهِ ، فَأَخَذَتْهُ .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو سُفْيَانَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ [19/452]قَتَادَةَ ، قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّهَا امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا بِلْقِيسُ ، أَحْسَبُهُ قَالَ : ابْنَةُ شَرَاحِيلَ ، أَحَدُ أَبَوَيْهَا مِنَ الْجِنِّ ، مُؤَخَّرُ أَحَدِ قَدَمَيْهَا كَحَافِرِ الدَّابَّةِ ، وَكَانَتْ فِي بَيْتِ مَمْلَكَةٍ ، وَكَانَ أُولُو مَشُورَتِهَا ثَلَاثُ مِائَةٍ وَاثْنَيْ عَشَرَ ، كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ عَلَى عَشَرَةِ آلَافٍ ، وَكَانَتْ بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا مَأْرِبُ (مكان)، مِنْ صَنْعَاءَ (مكان)عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ; فَلَمَّا جَاءَ الْهُدْهُدُ بِخَبَرِهَا إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ (نبي)، كَتَبَ الْكِتَابَ وَبَعَثَ بِهِ مَعَ الْهُدْهُدِ ، فَجَاءَ الْهُدْهُدُ وَقَدْ غُلِّقَتِ الْأَبْوَابُ ، وَكَانَتْ تُغَلِّقُ أَبْوَابَهَا وَتَضَعُ مَفَاتِيحَهَا تَحْتَ رَأْسِهَا ، فَجَاءَ الْهُدْهُدُ فَدَخَلَ مِنْ كُوَّةٍ ، فَأَلْقَى الصَّحِيفَةَ عَلَيْهَا ، فَقَرَأَتْهَا ، فَإِذَا فِيهَا : إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ كَانَتْ تَكْتُبُ الْأَنْبِيَاءُ لَا تُطْنِبُ ، إِنَّمَا تَكْتُبُ جُمَلًا .
قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : لَمْ يَزِدْ سُلَيْمَانُ (نبي)عَلَى مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ إِنَّهُ وَإِنَّهُ .
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ فَمَضَى الْهُدْهُدُ بِالْكِتَابِ ، حَتَّى إِذَا حَاذَى الْمَلِكَةَ وَهِيَ عَلَى عَرْشِهَا أَلْقَى إِلَيْهَا الْكِتَابَ .
وَقَوْلُهُ : قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ وَالْمَلَأُ أَشْرَافُ قَوْمِهَا ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : قَالَتْ مَلِكَةُ سَبَأٍ لِأَشْرَافِ قَوْمِهَا : يَا أَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي سَبَبِ وَصْفِهَا الْكِتَابَ بِالْكَرِيمِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : وَصَفَتْهُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ مَخْتُومًا .
وَقَالَ آخَرُونَ : وَصَفَتْهُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ مَنْ مَلِكٍ فَوَصَفَتْهُ بِالْكَرَمِ لِكَرَمِ صَاحِبِهِ . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ زَيْدٍ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ قَالَ : هُوَ كِتَابُ سُلَيْمَانَ (نبي)حَيْثُ كَتَبَ إِلَيْهَا .
وَقَوْلُهُ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كُسِرَتْ إِنَّ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ عَلَى الرَّدِّ عَلَى " إِنِّي " مِنْ قَوْلِهِ : إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ . وَمَعْنَى الْكَلَامِ : قَالَتْ : يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ ، وَإِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ (نبي).
وَقَوْلُهُ أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ يَقُولُ : أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ [19/453]أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ .
فَفِي " أَنْ " وَجْهَانِ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ : إِنْ جُعِلَتْ بَدَلًا مِنَ الْكِتَابِ كَانَتْ رَفْعًا بِمَا رَفَعَ بِهِ الْكِتَابَ بَدَلًا مِنْهُ ; وَإِنْ جُعِلَ مَعْنَى الْكَلَامِ : إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ كَانَتْ نَصْبًا بِتَعَلُّقِ الْكِتَابِ بِهَا .
وَعَنَى بِقَوْلِهِ : أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ أَلَّا تَتَكَبَّرُوا وَلَا تَتَعَاظَمُوا عَمَّا دَعَوْتُكُمْ إِلَيْهِ .
كَمَا حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ أَلَّا تَمْتَنِعُوا مِنَ الَّذِي دَعَوْتُكُمْ إِلَيْهِ إِنِ امْتَنَعْتُمْ جَاهَدْتُكُمْ ، فَقُلْتُ لِابْنِ زَيْدٍ : أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ أَلَّا تَتَكَبَّرُوا عَلَيَّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ; قَالَ : وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ سُلَيْمَانَ (نبي)إِلَيْهَا . وَقَوْلُهُ : وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ يَقُولُ : وَأَقْبِلُوا إِلَيَّ مُذْعِنِينَ لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالطَّاعَةِ .