تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الشُّعَرَاءِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ "

ج 19
ص 344

الآية المفسَّرة

قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 19 · ص 344

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ ( 25 ) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ ( 26 ) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ( 27 ) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ( 28 ) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ( 29 )
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ قَالَ فِرْعَوْنُ لِمَنْ حَوْلَهُ مِنْ قَوْمِهِ : أَلَا تَسْتَمِعُونَ لِمَا يَقُولُ مُوسَى (نبي)، فَأَخْبَرَ مُوسَى (نبي)عَلَيْهِ السَّلَامُ الْقَوْمَ بِالْجَوَابِ عَنْ مَسْأَلَةِ فِرْعَوْنَ إِيَّاهُ وَقِيلِهِ لَهُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ لِيُفْهِمْ بِذَلِكَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ مَقَالَتَهُ لِفِرْعَوْنَ ، وَجَوَابَهُ إِيَّاهُ عَمَّا سَأَلَهُ ، إِذْ قَالَ لَهُمْ فِرْعَوْنُ أَلا تَسْتَمِعُونَ إِلَى قَوْلِ مُوسَى (نبي)، فَقَالَ لَهُمُ الَّذِي دَعَوْتُهُ إِلَيْهِ وَإِلَى عِبَادَتِهِ ( رَبُّكُمُ ) الَّذِي خَلَقَكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ فَقَالَ فِرْعَوْنُ لَمَّا قَالَ لَهُمْ مُوسَى (نبي)ذَلِكَ ، وَأَخْبَرَهُمْ عَمَّا يَدْعُو إِلَيْهِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ : إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ يَقُولُ : إِنَّ رَسُولَكُمْ هَذَا الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِهِ ، لِأَنَّهُ يَقُولُ قَوْلًا لَا نَعْرِفُهُ وَلَا نَفْهَمُهُ ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ وَنَسَبَ مُوسَى (نبي)عَدُوُّ اللَّهِ إِلَى الْجِنَّةِ ، لِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ وَعِنْدَ قَوْمِهِ أَنَّهُ لَا رَبَّ غَيْرُهُ يُعْبَدُ ، وَأَنَّ الَّذِي يَدْعُوهُ إِلَيْهِ مُوسَى (نبي)بَاطِلٌ لَيْسَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ ، فَقَالَ مُوسَى (نبي)عِنْدَ ذَلِكَ مُحْتَجًّا عَلَيْهِمْ ، وَمُعَرِّفُهُمْ رَبَّهُمْ بِصِفَتِهِ وَأَدِلَّتِهِ ، إِذْ كَانَ عِنْدَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَنَّ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ رَبًّا لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ هُوَ فِرْعَوْنُ ، وَأَنَّ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ لِآبَائِهِمْ أَرْبَابًا مُلُوكٌ أُخَرُ ، كَانُوا قَبْلَ فِرْعَوْنَ ، قَدْ مَضَوْا فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ أَنَّ مُوسَى (نبي)أَخْبَرَهُمْ بِشَيْءٍ لَهُ مَعْنًى يَفْهَمُونَهُ وَلَا يَعْقِلُونَهُ ، وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُمْ فِرْعَوْنُ : إِنَّهُ مَجْنُونٌ ، لِأَنَّ كَلَامَهُ كَانَ عِنْدَهُمْ كَلَامًا لَا يَعْقِلُونَ مَعْنَاهُ ، وَقَوْلُهُ : قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَمَعْنَاهُ : الَّذِي أَدْعُوكُمْ وَفِرْعَوْنَ إِلَى عِبَادَتِهِ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا ، يَعْنِي مَلِكُ مَشْرِقِ الشَّمْسِ وَمَغْرِبِهَا ، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ شَيْءٍ لَا إِلَى عِبَادَةِ مُلُوكِ مِصْرَ (مكان)الَّذِينَ كَانُوا مُلُوكَهَا قَبْلَ فِرْعَوْنَ لِآبَائِكُمْ فَمَضَوْا ، وَلَا إِلَى عِبَادَةِ فِرْعَوْنَ الَّذِي هُوَ مِلِكُهَا . إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ يَقُولُ : إِنْ كَانَ لَكُمْ عُقُولٌ تَعْقِلُونَ بِهَا مَا يُقَالُ لَكُمْ ، وَتَفْهَمُونَ بِهَا مَا تَسْمَعُونَ مِمَّا يُعَيَّنُ لَكُمْ ; فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْأَمْرِ الَّذِي عَلِمُوا أَنَّهُ الْحَقُّ [19/345]الْوَاضِحُ ، إِذْ كَانَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ مِنْ مُلُوكِ مِصْرَ (مكان)لَمْ يُجَاوِزْ مُلْكُهُمْ عَرِيشَ مِصْرَ (مكان)، وَتَبَيَّنَ لِفِرْعَوْنَ وَمَنْ حَوْلَهُ مِنْ قَوْمِهِ أَنَّ الَّذِي يَدْعُوهُمْ مُوسَى (نبي)إِلَى عِبَادَتِهِ ، هُوَ الْمَلِكُ الَّذِي يَمْلِكُ الْمُلُوكَ . قَالَ فِرْعَوْنُ حِينَئِذٍ اسْتِكْبَارًا عَنِ الْحَقِّ ، وَتَمَادِيًا فِي الْغَيِّ لِمُوسَى (نبي): لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي يَقُولُ : لَئِنْ أَقْرَرْتَ بِمَعْبُودٍ سِوَايَ لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ يَقُولُ : لَأَسْجُنَنَّكَ مَعَ مَنْ فِي السَّجْنِ مِنْ أَهْلِهِ .