تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْفُرْقَانِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا "

ج 19
ص 238

الآية المفسَّرة

وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 19 · ص 238

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا ( 5 ) قُلْ أَنْـزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ( 6 )
ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ ، وَأَنَّهُ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ : وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : ثَنَا شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ (مكان)، قَدِمَ مُنْذُ بِضْعٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيْشٍ ، وَكَانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَنْصُبُ لَهُ الْعَدَاوَةَ ، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ الْحِيرَةَ (مكان)، تَعَلَّمَ بِهَا أَحَادِيثَ مُلُوكِ فَارِسَ ، (مكان)وَأَحَادِيثَ رُسْتُمَ وَأَسْفِنْدِيَارَ ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَلَسَ مَجْلِسًا ، فَذَكَّرَ بِاللَّهِ وَحَدَّثَ قَوْمَهُ مَا أَصَابَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ ، مِنْ نِقْمَةِ اللَّهِ خَلَفَهُ فِي مَجْلِسِهِ إِذَا قَامَ ، ثُمَّ يَقُولُ : أَنَا وَاللَّهِ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَحْسَنُ حَدِيثًا مِنْهُ . فَهَلُمُّوا فَأَنَا أُحَدِّثُكُمْ أَحْسَنَ مِنْ حَدِيثِهِ ، ثُمَّ يُحَدِّثُهُمْ عَنْ مُلُوكِ فَارِسٍ (مكان)وَرُسْتُمَ وَأَسْفِنْدِيَارَ ، ثُمَّ يَقُولُ : مَا مُحَمَّدٌ (نبي)أَحْسَنُ حَدِيثًا مِنِّي ، قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي النَّضْرِ ثَمَانِيَ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ ، قَوْلُهُ : إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ وَكُلُّ مَا ذُكِرَ فِيهِ الْأَسَاطِيرُ فِي الْقُرْآنِ .
[19/239]حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : ثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ سَعِيدٍ أَوْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ ، إِلَّا أَنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ : " فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي النَّضْرِ ثَمَانِيَ آيَاتٍ " ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الْكَلْبِيِّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ( أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) أَشْعَارُهُمْ وَكَهَانَتُهُمْ ، وَقَالَهَا النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ .
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَقَالَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ ، الَّذِينَ قَالُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (نبي): هَذَا الَّذِي جَاءَنَا بِهِ مُحَمَّدٌ (نبي)أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ، يَعْنُونَ أَحَادِيثَهُمُ الَّتِي كَانُوا يُسَطِّرُونَهَا فِي كُتُبِهِمُ ، اكْتَتَبَهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (نبي)مِنْ يَهُودَ ، فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ يَعْنُونَ بِقَوْلِهِ : فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ فَهَذِهِ الْأَسَاطِيرُ تُقْرَأُ عَلَيْهِ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : أَمْلَيْتُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَأَمْلَلْتُ ( بُكْرَةً وَأَصِيلًا ) يَقُولُ : وَتُمْلَى عَلَيْهِ غُدْوَةً وَعَشِيًّا .
وَقَوْلُهُ : قُلْ أَنْـزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ (نبي)لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِكَ : مَا الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ مِنْ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (نبي)افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ، بَلْ هُوَ الْحَقُّ ، أَنْزَلَهُ الرَّبُّ الَّذِي يَعْلَمُ سِرَّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَمُحْصِي ذَلِكَ عَلَى خَلْقِهِ ، وَمُجَازِيهِمْ بِمَا عَزَمَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُهُمْ ، وَأَضْمَرُوهُ فِي نُفُوسِهِمْ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا يَقُولُ : إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَصْفَحُ عَنْ خَلْقِهِ وَيَرْحَمُهُمْ ، فَيَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِعَفْوِهِ ، يَقُولُ : فَلِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَادَتِهِ فِي خَلْقِهِ ، يُمْهِلُكُمْ أَيُّهَا الْقَائِلُونَ مَا قُلْتُمْ مِنَ الْإِفْكِ ، وَالْفَاعِلُونَ مَا فَعَلْتُمْ مِنَ الْكُفْرِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْ أَنْـزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قَالَ : مَا يُسِرُّ أَهْلُ الْأَرْضِ وَأَهْلُ السَّمَاءِ .