تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ "

ج 19
ص 21

الآية المفسَّرة

وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 19 · ص 21

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ ( 20 )
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَأَنْشَأْنَا لَكُمْ أَيْضًا شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ (مكان)وَشَجَرَةً مَنْصُوبَةً عَطْفًا عَلَى الْجَنَّاتِ وَيَعْنِي بِهَا شَجَرَةَ الزَّيْتُونِ .
وَقَوْلُهُ : تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ يَقُولُ : تَخْرُجُ مِنْ جَبَلٍ يُنْبِتُ الْأَشْجَارَ .
وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى الطَّوْرِ فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ ، وَاخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفِينَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( سَيْنَاءَ ) فَإِنَّ الْقُرَّاءَ اخْتَلَفَتْ فِي قِرَاءَتِهِ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ : ( سِينَاءَ ) بِكَسْرِ السِّينِ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ : ( سَيْنَاءَ ) بِفَتْحِ السِّينِ ، وَهُمَا جَمِيعًا مُجْمِعُونَ عَلَى مَدِّهَا .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ ، أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ ، بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : الْمُبَارَكُ ، كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَهُ : وَشَجَرَةٌ تَخْرُجُ مِنْ جَبَلٍ مُبَارَكٍ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : طُورِ سَيْنَاءَ قَالَ : الْمُبَارَكُ .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .
[19/22]حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ قَالَ : هُوَ جَبَلٌ بِالشَّامِ (مكان)مُبَارَكٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : حَسَنٌ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : طُورِ سَيْنَاءَ قَالَ : هُوَ جَبَلٌ حَسَنٌ .
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ الطُّورُ (مكان): الْجَبَلُ بِالنَّبَطِيَّةِ ، (مكان)وَسَيْنَاءُ ، (مكان)حَسَنَةٌ بِالنَّبَطِيَّةِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ اسْمُ جَبَلٍ مَعْرُوفٍ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ : مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ قَالَ : الْجَبَلُ الَّذِي نُودِيَ مِنْهُ مُوسَى (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : طُورِ سَيْنَاءَ قَالَ : هُوَ جَبَلُ الطُّورِ (مكان)الَّذِي بِالشَّامِ ، (مكان)جَبَلٌ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ ، (مكان)قَالَ : مَمْدُودٌ ، هُوَ بَيْنَ مِصْرَ (مكان)وَبَيْنَ أَيْلَةَ (مكان).
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : أَنَّهُ جَبَلٌ ذُو شَجَرٍ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَمَّنْ قَالَهُ .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ سَيْنَاءَ (مكان)اسْمٌ أُضِيفَ إِلَيْهِ الطُّورُ يُعْرَفُ بِهِ ، كَمَا قِيلَ : جَبَلَا طَيِّئٍ ، (مكان)فَأُضِيفَا إِلَى طَيِّئٍ ، (مكان)وَلَوْ كَانَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : جَبَلٌ مُبَارَكٌ ، أَوْ كَمَا قَالَ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ حَسَنٌ ، لَكَانَ الطُّورُ مُنَوَّنًا ، وَكَانَ قَوْلُهُ سَيْنَاءَ مِنْ نَعْتِهِ ، عَلَى أَنَّ سَيْنَاءَ (مكان)بِمَعْنَى : مُبَارَكٌ وَحَسَنٌ ، غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، فَيَجْعَلُ ذَلِكَ مِنْ نَعْتِ الْجَبَلِ ، وَلَكِنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، مِنْ أَنَّهُ جَبَلٌ عُرِفَ بِذَلِكَ ، وَأَنَّهُ الْجَبَلُ الَّذِي نُودِيَ مِنْهُ مُوسَى (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُبَارَكٌ ، لَا أَنَّ مَعْنَى سَيْنَاءَ (مكان): مَعْنَى مُبَارَكٍ .
[19/23]وَقَوْلُهُ : تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : ( تَنْبُتُ ) فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ : ( تَنْبُتُ ) بِفَتْحِ التَّاءِ ، بِمَعْنَى : تَنْبُتُ هَذِهِ الشَّجَرَةُ بِثَمَرِ الدُّهْنِ ، وَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ الْبَصْرَةِ : ( تُنْبِتُ ) بِضَمِّ التَّاءِ ، بِمَعْنَى تُنْبِتُ الدُّهْنَ ، تُخْرِجُهُ . وَذَكَرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : ( تُخْرِجُ الدُّهْنَ ) وَقَالُوا : الْبَاءُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ زَائِدَةٌ كَمَا قِيلَ : أَخَذْتُ ثَوْبَهُ ، وَأَخَذْتُ بِثَوْبِهِ ، وَكَمَا قَالَ الرَّاجِزُ :
نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أَرْبِابُ الْفَلَجْ نَضْرِبُ بِالْبِيضِ وَنَرْجُو بِالْفَرَجِ
بِمَعْنَى : وَنَرْجُو الْفَرَجَ . وَالْقَوْلُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا لُغَتَانِ : نَبَتَ ، وَأَنْبَتَ ; وَمِنْ أَنْبَتَ قَوْلُ زُهَيْرٍ :
رَأَيْتُ ذَوِي الْحَاجَاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ قَطِينًا لَهُمْ حَتَّى إِذَا أَنْبَتَ الْبَقْلُ
وَيُرْوَى : نَبْتٌ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ : فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ وَ " فَاسْرِ " ، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ [19/24]كَذَلِكَ ، فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ الَّتِي لَا أَخْتَارُ غَيْرَهَا فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : ( تَنْبُتُ ) بِفَتْحِ التَّاءِ ; لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا . وَمَعْنَى ذَلِكَ : تَنْبُتُ هَذِهِ الشَّجَرَةُ بِثَمَرِ الدُّهْنِ .
كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ قَالَ : بِثَمَرِهِ .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .
وَالدُّهْنَّ الَّذِي هُوَ مِنْ ثَمَرِهِ الزَّيْتُ ، كَمَا حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ يَقُولُ : هُوَ الزَّيْتُ يُوكَلُ ، وَيُدْهَنُ بِهِ .
وَقَوْلُهُ : وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ يَقُولُ : تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَبِصَبْغٍ لِلْآكِلِينَ ، يَصْطَبِغُ بِالزَّيْتِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَهُ .
كَمَا حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ قَالَ : هَذَا الزَّيْتُونُ صِبْغٌ لِلْآكِلِينَ ، يَأْتَدِمُونَ بِهِ ، وَيَصْطَبِغُونَ بِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَالصِّبْغُ عَطْفٌ عَلَى الدُّهْنِ .
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ