تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ "

ج 18
ص 468

الآية المفسَّرة

وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 18 · ص 468

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ ( 71 )
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَنَجَّيْنَا إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَلُوطًا مِنْ أَعْدَائِهِمَا نَمْرُودَ وَقَوْمِهِ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ (مكان) إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ وَهِيَ أَرْضُ الشَّأْمِ ، (مكان)فَارَقَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَوْمَهُ وَدِينَهُمْ وَهَاجَرَ إِلَى الشَّأْمِ (مكان).
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ الَّتِي قَصَّ اللَّهُ مِنْ نَبَأِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَقَوْمِهِ تَذْكِيرٌ مِنْهُ بِهَا قَوْمَ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قُرَيْشٍ أَنَّهُمْ قَدْ سَلَكُوا فِي عِبَادَتِهِمُ الْأَوْثَانَ ، وَأَذَاهُمْ مُحَمَّدًا (نبي)عَلَى نَهْيِهِ عَنْ عِبَادَتِهَا ، وَدُعَائِهِمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ، مَسْلَكَ أَعْدَاءِ أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ ، (نبي)وَمُخَالَفَتِهِمْ دِينَهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا (نبي)فِي بَرَاءَتِهِ مِنْ عِبَادَتِهَا وَإِخْلَاصِهِ الْعِبَادَةَ لِلَّهِ ، وَفِي دُعَائِهِمْ إِلَى الْبَرَاءَةِ مِنَ الْأَصْنَامِ ، وَفِي الصَّبْرِ عَلَى مَا يَلْقَى مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ سَالِكٌ مِنْهَاجَ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَأَنَّهُ مُخْرِجُهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ كَمَا أَخْرَجَ إِبْرَاهِيمَ (نبي)مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِ قَوْمِهِ حِينَ تَمَادَوْا فِي غَيِّهِمْ إِلَى مُهَاجِرِهِ مِنْ أَرْضِ الشَّأْمِ ، (مكان)مُسَلٍّ بِذَلِكَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا يَلْقَى مِنْ قَوْمِهِ مِنَ الْمَكْرُوهِ وَالْأَذَى ، وَمُعَلِّمُهُ أَنَّهُ مُنْجِيهِ مِنْهُمْ كَمَا نَجَّى أَبَاهُ إِبْرَاهِيمَ (نبي)مِنْ كَفَرَةِ قَوْمِهِ .
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْأَرْضِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ نَجَّى إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَلُوطًا (نبي)إِلَيْهَا ، وَوَصْفِهِ أَنَّهُ بَارَكَ فِيهَا لِلْعَالَمِينَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ الْمَرْوَزِيُّ أَبُو عَمَّارٍ قَالَ : ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقَدٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ قَالَ : الشَّأْمُ ، (مكان)وَمَا مِنْ مَاءٍ عَذْبٍ إِلَّا خَرَجَ مِنْ تِلْكَ الصَّخْرَةِ الَّتِي بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان).
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قَالَ : الشَّامُ (مكان). [18/469]حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ كَانَا بِأَرْضِ الْعِرَاقِ ، (مكان)فَأُنْجِيَا إِلَى أَرْضِ الشَّأْمِ ، (مكان)وَكَانَ يُقَالُ لِلشَّأْمِ (مكان)عِمَادُ دَارِ الْهِجْرَةِ ، وَمَا نَقَصَ مِنَ الْأَرْضِ زِيدَ فِي الشَّأْمِ ، (مكان)وَمَا نَقَصَ مِنَ الشَّأْمِ (مكان)زِيدَ فِي فِلَسْطِينَ ، (مكان)وَكَانَ يُقَالُ : هِيَ أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ ، وَبِهَا مَجْمَعُ النَّاسِ ، وَبِهَا يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، (نبي)وَبِهَا يُهْلِكُ اللَّهُ شَيْخَ الضَّلَالَةِ الْكَذَّابَ الدَّجَّالَ .
وَحَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ حَمَلَتْ عَمُودَ الْكِتَابِ فَوَضَعَتْهُ بِالشَّأْمِ ، (مكان)فَأَوَّلْتُهُ أَنَّ الْفِتَنَ إِذَا وَقَعَتْ فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِالشَّأْمِ (مكان)" .
وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَةٍ : " إِنَّهُ كَائِنٌ بِالشَّأْمِ (مكان)جُنْدٌ ، وَبِالْعِرَاقِ (مكان)جُنْدٌ ، وَبِالْيَمَنِ (مكان)جُنْدٌ ، فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِرْ لِي ، فَقَالَ : عَلَيْكَ بِالشَّأْمِ (مكان)فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ تَكَفَّلَ لِي بِالشَّأْمِ (مكان)وَأَهْلِهِ ، فَمَنْ أَبَى فَلْيَلْحَقْ بِأَمْنِهِ وَلْيَسْقِ بِقَدَرِهِ " .
وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : يَا كَعْبُ أَلَا تُحَوِّلُ إِلَى الْمَدِينَةِ (مكان)فَإِنَّهَا مُهَاجَرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَوْضِعُ قَبْرِهِ ، فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنِّي أَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ أَنَّ الشَّامَ (مكان)كَنْزُ اللَّهِ مِنْ أَرْضِهِ ، وَبِهَا كَنْزُهُ مِنْ عِبَادِهِ .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ قَالَ : هَاجَرَا جَمِيعًا مِنْ كُوثَى إِلَى الشَّامِ (مكان).
حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ : ثَنَا عَمْرٌو قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : انْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)وَلُوطٌ (نبي)قِبَلَ الشَّأْمِ ، (مكان)فَلَقَى إِبْرَاهِيمُ (نبي)سَارَّةَ ، وَهِيَ بِنْتُ مَلِكِ حَرَّانَ ، وَقَدْ طَعَنَتْ عَلَى قَوْمِهَا فِي دِينِهِمْ ، فَتَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ لَا يُغَيِّرَهَا .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : خَرَجَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)مُهَاجِرًا إِلَى رَبِّهِ ، وَخَرَجَ مَعَهُ لُوطٌ (نبي)مُهَاجِرًا ، وَتَزَوَّجَ سَارَّةَ ابْنَةَ عَمِّهِ ، فَخَرَجَ [18/470]بِهَا مَعَهُ يَلْتَمِسُ الْفِرَارَ بِدِينِهِ وَالْأَمَانَ عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ ، حَتَّى نَزَلَ حَرَّانَ ، فَمَكَثَ فِيهَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا مُهَاجِرًا حَتَّى قَدِمَ مِصْرَ ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ مِصْرَ (مكان)إِلَى الشَّامِ ، (مكان)فَنَزَلَ السَّبْعَ مِنْ أَرْضِ فِلَسْطِينَ ، (مكان)وَهِيَ بَرِّيَّةُ الشَّامِ ، (مكان)وَنَزَلَ لُوطٌ بِالْمُؤْتَفِكَةِ ، وَهِيَ مِنَ السَّبْعِ عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، أَوْ أَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ ، فَبَعَثَهُ اللَّهُ نَبِيًّا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَوْلُهُ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ قَالَ : نَجَّاهُ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ (مكان)إِلَى أَرْضِ الشَّامِ (مكان).
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ عَنِ الرَّبِيعِ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ قَالَ : لَيْسَ مَاءٌ عَذْبٌ إِلَّا يَهْبِطُ إِلَى الصَّخْرَةِ الَّتِي بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ ، (مكان)قَالَ : ثُمَّ يَتَفَرَّقُ فِي الْأَرْضِ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ قَالَ : إِلَى الشَّأْمِ (مكان).
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ يَعْنِي مَكَّةَ (مكان)وَهِيَ الْأَرْضُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ يَعْنِي مَكَّةَ (مكان)وَنُزُولَ إِسْمَاعِيلَ (نبي)الْبَيْتَ . أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا مَا اخْتَرْنَا مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنِ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هِجْرَةَ إِبْرَاهِيمَ (نبي)مِنَ الْعِرَاقِ (مكان)كَانَتْ إِلَى الشَّامِ ، (مكان)وَبِهَا كَانَ مَقَامُهُ أَيَّامَ حَيَاتِهِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ كَانَ قَدِمَ مَكَّةَ (مكان)وَبَنَى بِهَا الْبَيْتَ وَأَسْكَنَهَا إِسْمَاعِيلَ (نبي)ابْنَهُ مَعَ أُمِّهِ هَاجَرَ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَقُمْ بِهَا ، وَلَمْ يَتَّخِذْهَا وَطَنًا لِنَفْسِهِ ، وَلَا لُوطٌ ، (نبي)وَاللَّهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَلُوطٍ (نبي)أَنَّهُمَا أَنْجَاهُمَا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكَ فِيهَا لِلْعَالَمِينَ .