تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ طه

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا . . . "

ج 18
ص 338

الآية المفسَّرة

فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 18 · ص 338

النص

[18/338]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى ( 70 ) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى ( 71 )
وَفِي هَذَا الْكَلَامِ مَتْرُوكٌ قَدِ اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ مَا تُرِكَ عَلَيْهِ وَهُوَ : فَأَلْقَى مُوسَى (نبي)عَصَاهُ ، فَتَلَقَّفَتْ مَا صَنَعُوا فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى وَذُكِرَ أَنَّ مُوسَى (نبي)لَمَّا أَلْقَى مَا فِي يَدِهِ تَحَوَّلَ ثُعْبَانًا ، فَالْتَقَمَ كُلَّ مَا كَانَتِ السَّحَرَةُ أَلْقَتْهُ مِنَ الْحِبَالِ وَالْعِصِيِّ .
ذِكْرُ الرِّوَايَةِ عَمَّنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا يَعْقُوبُ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ سَعِيدٍ قَالَ : لَمَّا اجْتَمَعُوا وَأَلْقَوْا مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ السِّحْرِ ، يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ ، قَالَ : فَتَحَتْ فَمًا لَهَا مِثْلَ الدَّحْلِ ، ثُمَّ وَضَعَتْ مِشْفَرَهَا عَلَى الْأَرْضِ وَرَفَعَتِ الْآخَرَ ، ثُمَّ اسْتَوْعَبَتْ كُلَّ شَيْءٍ أَلْقَوْهُ مِنَ السِّحْرِ ، ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهَا فَقَبَضَ عَلَيْهَا ، فَإِذَا هِيَ عَصًا ، فَخَرَّ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ قَالَ : فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ قَطَعَ الْأَيْدِيَ وَالْأَرْجُلَ مِنْ خِلَافٍ فِرْعَوْنَ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ قَالَ : فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ صَلَبَ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ فِرْعَوْنَ .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : ثَنَا عَمْرٌو قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ لا تَخَفْ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا يَأْفِكُونَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَأَكَلَتْ كُلَّ حَيَّةٍ لَهُمْ ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ سَجَدُوا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حُدِّثْتُ عَنْ [18/339]وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى لَمَّا رَأَى مَا أَلْقَوْا مِنَ الْحِبَالِ وَالْعِصِيِّ وَخُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّهَا تَسْعَى ، وَقَالَ : وَاللَّهِ إِنَّ كَانَتْ لَعِصِيًّا فِي أَيْدِيهِمْ ، وَلَقَدْ عَادَتْ حَيَّاتٌ ، وَمَا تَعْدُو عَصَايَ هَذِهِ ، أَوْ كَمَا حَدَّثَ نَفْسَهُ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى وَفَرِحَ مُوسَى (نبي)فَأَلْقَى عَصَاهُ مِنْ يَدِهِ ، فَاسْتَعْرَضَتْ مَا أَلْقَوْا مِنْ حِبَالِهِمْ وَعِصِيِّهِمْ ، وَهِيَ حَيَّاتٌ فِي عَيْنِ فِرْعَوْنَ وَأَعْيُنِ النَّاسِ تَسْعَى ، فَجَعَلَتْ تَلْقَفْهَا ، تَبْتَلِعُهَا حَيَّةً حَيَّةً ، حَتَّى مَا يُرَى بِالْوَادِي قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ مِمَّا أَلْقَوْا ، ثُمَّ أَخَذَهَا مُوسَى (نبي)فَإِذَا هِيَ عَصَا فِي يَدِهِ كَمَا كَانَتْ ، وَوَقَعَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا ، قَالُوا : آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ (نبي)وَمُوسَى ، لَوْ كَانَ هَذَا سِحْرٌ مَا غَلَبَنَا .
وَقَوْلُهُ قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَقَالَ فِرْعَوْنُ لِلسَّحَرَةِ : أَصَدَّقْتُمْ وَأَقْرَرْتُمْ لِمُوسَى (نبي)بِمَا دَعَاكُمْ إِلَيْهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ أُطْلِقَ ذَلِكَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ يَقُولُ : إِنَّ مُوسَى (نبي)لَعَظِيمُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ .
كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حُدِّثْتُ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ : لَمَّا قَالَتِ السَّحَرَةُ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى قَالَ لَهُمْ فِرْعَوْنُ وَأَسِفَ وَرَأَى الْغَلَبَةَ وَالْبَيِّنَةَ : آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ : أَيْ لَعَظِيمُ السُّحَّارِ الَّذِي عَلَّمَكُمْ .
وَقَوْلُهُ : فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ يَقُولُ : فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مُخَالِفًا بَيْنَ قَطْعِ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ أَنْ يَقْطَعَ يُمْنَى الْيَدَيْنِ وَيُسْرَى الرَّجُلَيْنِ ، أَوْ يُسْرَى الْيَدَيْنِ ، وَيُمْنَى الرَّجُلَيْنِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ قَطْعًا مِنْ خِلَافٍ ، وَكَانَ فِيمَا ذُكِرَ أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِرْعَوْنَ وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ بِذَلِكَ . وَقَوْلُهُ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ يَقُولُ : وَلَأُصَلِبَنَّكُمْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
هُمْ صَلَبُوا الْعَبْدِيَّ فِي جِذْعِ نَخْلَةٍ فَلَا عَطَسَتْ شَيْبَانُ إِلَّا بِأَجْدَعَا [18/340]يَعْنِي عَلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ ، وَإِنَّمَا قِيلَ : " فِي جُذُوعِ " ، لِأَنَّ الْمَصْلُوبَ عَلَى الْخَشَبَةِ يُرْفَعُ فِي طُولِهَا ، ثُمَّ يَصِيرُ عَلَيْهَا ، فَيُقَالُ : صُلِبَ عَلَيْهَا .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ لَمَّا رَأَى السَّحَرَةُ مَا جَاءَ بِهِ عَرَفُوا أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَخَرُّوا سُجَّدًا ، وَآمَنُوا عِنْدَ ذَلِكَ ، قَالَ عَدُوُّ اللَّهِ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ . . . الْآيَةَ .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : ثَنَا عَمْرٌو قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ فِرْعَوْنُ : فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ فَقَتَلَهُمْ وَقَطَّعَهُمْ ، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ حِينَ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ وَقَالَ : كَانُوا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ سَحَرَةً ، وَفِي آخِرِ النَّهَارِ شُهَدَاءَ .
وَقَوْلُهُ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى يَقُولُ : وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّهَا السَّحَرَةُ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا لَكُمْ ، وَأَدُومُ ، أَنَا أَوْ مُوسَى (نبي).