تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ مَرْيَمَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ . . . "

ج 18
ص 214

الآية المفسَّرة

أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 18 · ص 214

النص

[18/214]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ( 58 )
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اقْتَصَصْتُ عَلَيْكَ أَنْبَاءَهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِتَوْفِيقِهِ ، فَهَدَاهُمْ لِطَرِيقِ الرُّشْدِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ ، (نبي)وَمِنْ ذُرِّيَّةِ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ (نبي)فِي الْفُلْكِ ، وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)خَلِيلِ الرَّحْمَنِ ، وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْرَائِيلَ ، (نبي)وَمِمَّنْ هَدَيْنَا لِلْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ وَاجْتَبَيْنَا : يَقُولُ : وَمِمَّنِ اصْطَفَيْنَا وَاخْتَرْنَا لِرِسَالَتِنَا وَوَحْيِنَا ، فَالَّذِي عَنَى بِهِ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ (نبي)إِدْرِيسُ ، (نبي)وَالَّذِي عَنَى بِهِ مِنْ ذُرِّيَّةِ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ (نبي)إِبْرَاهِيمُ ، (نبي)وَالَّذِي عَنَى بِهِ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)إِسْحَاقُ (نبي)وَيَعْقُوبُ (نبي)وَإِسْمَاعِيلُ ، (نبي)وَالَّذِي عَنَى بِهِ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْرَائِيلَ (نبي): مُوسَى (نبي)وَهَارُونُ (نبي)وَزَكَرِيَّا (نبي)وَعِيسَى (نبي)وَأُمُّهُ مَرْيَمُ ، وَلِذَلِكَ فَرَّقَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنْسَابَهَمْ وَإِنْ كَانَ يَجْمَعُ جَمِيعَهُمْ آدَمُ (نبي)لِأَنَّ فِيهِمْ مَنْ لَيْسَ مِنْ وَلَدِ مَنْ كَانَ مَعَ نُوحٍ (نبي)فِي السَّفِينَةِ ، وَهُوَ إِدْرِيسُ ، (نبي)وَإِدْرِيسُ (نبي)جَدُّ نُوحٍ (نبي).
وَقَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ يَقُولُ إِذَا تُتْلَى عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ أَدِلَّةُ اللَّهِ وَحُجَجُهُ الَّتِي أَنَزْلَهَا عَلَيْهِمْ فِي كُتُبِهِ ، خَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا ، اسْتِكَانَةً لَهُ وَتَذَلُّلًا وَخُضُوعًا لِأَمْرِهِ وَانْقِيَادًا ، ( وَبُكِيًّا ) يَقُولُ : خَرُّوا سُجَّدًا وَهُمْ بَاكُونَ ، وَالْبُكِيُّ : جَمْعُ بَاكٍ ، كَمَا الْعُتِيُّ جَمْعُ عَاتٍ وَالْجُثِيُّ : جَمْعُ جَاثٍ ، فَجُمِعَ وَهُوَ فَاعِلٌ عَلَى فُعُولٍ ، كَمَا يُجْمَعُ الْقَاعِدُ قُعُودًا ، وَالْجَالِسُ جُلُوسًا ، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ : وبُكُوًّا وَعُتُوًّا ، وَلَكِنْ كُرِهَتِ الْوَاوُ بَعْدَ الضَّمَّةِ فَقُلِبَتْ يَاءً ، كَمَا قِيلَ فِي جَمْعِ دَلْوٍ أَدْلٍ . وَفِي جَمْعِ الْبَهْوِ أَبْهٍ ، وَأَصْلُ ذَلِكَ أَفْعَلٌ أَدْلَوٌ وَأَبْهَوٌ ، فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِمَجِيئِهَا بَعْدَ الضَّمَّةِ اسْتِثْقَالًا وَفِي ذَلِكَ لُغَتَانِ [18/215]مُسْتَفِيضَتَانِ ، قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ عُلَمَاءُ مِنَ الْقُرَّاءِ بِالْقُرْآنِ بُكُوًّا وَعُتُوًّا بِالضَّمِّ ، وَبُكِيًّا وَعِتِيًّا بِالْكَسْرِ . وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبُكِيُّ هُوَ الْبُكَاءُ بِعَيْنِهِ .
وَقَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ سُورَةَ مَرْيَمَ فَسَجَدَ وَقَالَ : هَذَا السُّجُودُ ، فَأَيْنَ الْبُكِيُّ؟ يُرِيدُ : فَأَيْنَ الْبُكَاءُ .