تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ مَرْيَمَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا "

ج 18
ص 142

الآية المفسَّرة

ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 18 · ص 142

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ( 2 ) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ( 3 ) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ( 4 )
اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي الرَّافِعِ لِلذِّكْرِ ، وَالنَّاصِبِ لِلْعَبْدِ ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْبَصْرَةِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ كَأَنَّهُ قَالَ : مِمَّا نَقُصُّ عَلَيْكَ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبَدَهُ ، وَانْتَصَبَ الْعَبْدُ بِالرَّحْمَةِ كَمَا تَقُولُ : ذِكْرُ ضَرْبِ زَيْدٍ عَمْرًا . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْكُوفَةِ (مكان): رُفِعَتِ الذِّكْرُ بِكهيعص ، وَإِنْ شِئْتَ أَضْمَرْتَ هَذَا ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ، قَالَ : وَالْمَعْنَى ذِكُرُ رَبِّكَ عَبْدَهُ بِرَحْمَتِهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْقَوْلُ الَّذِي هُوَ الصَّوَابُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : الذِّكْرُ مَرْفُوعٌ بِمُضْمَرٍ مَحْذُوفٍ ، وَهُوَ هَذَا كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ اللَّهِ : بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَكَقَوْلِهِ : سُورَةٌ أَنْـزَلْنَاهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ . وَالْعَبْدُ مَنْصُوبٌ بِالرَّحْمَةِ ، وَزَكَرِيَّا (نبي)فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ، لِأَنَّهُ بَيَانٌ عَنِ الْعَبْدِ ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : هَذَا ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (نبي).
وَقَوْلُهُ : إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا يَقُولُ حِينَ دَعَا رَبَّهُ ، وَسَأَلَهُ بِنِدَاءٍ خَفِيٍّ ، يُعْنَى : وَهُوَ مُسْتَسِرٌّ بِدُعَائِهِ وَمَسْأَلَتِهِ إِيَّاهُ مَا سَأَلَ ، كَرَاهَةً مِنْهُ لِلرِّيَاءِ .
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا أَيْ سِرًّا ، وَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الْقَلْبَ النَّقِيَّ ، وَيَسْمَعُ الصَّوْتَ الْخَفِيَّ .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، [18/143]قَوْلُهُ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا قَالَ : لَا يُرِيدُ رِيَاءً .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : ثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، قَالَ : رَغِبَ زَكَرِيَّا (نبي)فِي الْوَلَدِ ، فَقَامَ فَصَلَّى ، ثُمَّ دَعَا رَبَّهُ سِرًّا ، فَقَالَ : رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي . . . . إِلَى وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا وَقَوْلُهُ : قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ ، فَكَانَ نِدَاؤُهُ الْخَفِيُّ الَّذِي نَادَى بِهِ رَبَّهُ أَنْ قَالَ : رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي يَعْنِي بِقَوْلِهِ ( وَهَنَ ) ضَعُفَ وَرَقَّ مِنَ الْكِبَرِ .
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي أَيْ ضَعُفَ الْعَظْمُ مِنِّي .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي قَالَ : نُحِلَ الْعَظْمُ . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : الثَّوْرِيُّ : وَبَلَغَنِي أَنَّ زَكَرِيَّا (نبي)كَانَ ابْنَ سَبْعِينَ سَنَةً .
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ النَّصْبِ فِي الشَّيْبِ ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْبَصْرَةِ (مكان): نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ مِنْ مَعْنَى الْكَلَامِ ، كَأَنَّهُ حِينَ قَالَ : اشْتَعَلَ ، قَالَ : شَابَ ، فَقَالَ : شَيْبًا عَلَى الْمَصْدَرِ . قَالَ : وَلَيْسَ هُوَ فِي مَعْنَى : تَفَقَّأْتُ شَحْمًا وَامْتَلَأْتُ مَاءً ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَصْدَرٍ . وَقَالَ غَيْرُهُ : نُصِبَ الشَّيْبُ عَلَى التَّفْسِيرِ ، لِأَنَّهُ يُقَالُ : اشْتَعَلَ شَيْبُ رَأْسِي ، وَاشْتَعَلَ رَأْسِي شَيْبًا ، كَمَا يُقَالُ : تَفَقَّأْتُ شَحْمًا ، وَتَفَقَّأَ شَحْمِي .
وَقَوْلُهُ : وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا يَقُولُ : وَلَمْ أَشْقَ يَا رَبِّ بِدُعَائِكَ ، لِأَنَّكَ لَمْ تُخَيِّبْ دُعَائِي قَبْلُ إِذْ كُنْتُ أَدْعُوكَ فِي حَاجَتِي إِلَيْكَ ، بَلْ كُنْتَ تُجِيبُ وَتَقْضِي حَاجَتِي قِبَلَكَ .
كَمَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَوْلُهُ : وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا يَقُولُ : قَدْ كُنْتَ تُعَرِّفُنِي الْإِجَابَةَ فِيمَا مَضَى .