تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْكَهْفِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا "

ج 18
ص 25

الآية المفسَّرة

فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 18 · ص 25

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ( 40 ) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ( 41 )
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ الْمُؤْمِنِ الْمُوقِنِ لِلْمَعَادِ إِلَى اللَّهِ لِلْكَافِرِ الْمُرْتَابِ فِي قِيَامِ السَّاعَةِ : إِنْ تَرَنِ أَيُّهَا الرَّجُلُ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا فِي الدُّنْيَا ، فَعَسَى رَبِّي أَنَّ يَرْزُقَنِي خَيْرًا مِنْ بُسْتَانِكَ هَذَا وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا يَعْنِي عَلَى جَنَّةِ الْكَافِرِ الَّتِي قَالَ لَهَا : مَا أَظُنُّ أَنَّ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ يَقُولُ : عَذَابًا مِنَ السَّمَاءِ تَرْمِي بِهِ رَمْيًا ، وَتَقْذِفُ . وَالْحُسْبَانُ : جَمْعُ حُسْبَانَةٍ ، وَهِيَ الْمَرَامِي .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ عَذَابًا .
حُدِّثْتُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، قَالَ : عَذَابًا .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ قَالَ : عَذَابًا ، قَالَ : الْحُسْبَانُ : قَضَاءٌ مِنَ اللَّهِ يَقْضِيهِ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : الْحُسْبَانُ : الْعَذَابُ .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ قَالَ : عَذَابًا .
وَقَوْلُهُ : فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ : فَتُصْبِحَ جَنَّتُكَ هَذِهِ أَيُّهَا الرَّجُلُ أَرْضًا مَلْسَاءَ لَا شَيْءَ فِيهَا ، قَدْ ذَهَبَ كُلُّ مَا فِيهَا مِنْ غَرْسٍ وَنَبْتٍ ، وَعَادَتْ [18/26]خَرَابًا بَلَاقِعَ ، زَلَقًا ، لَا يَثْبُتُ فِي أَرْضِهَا قَدَمٌ لَا مَلْسَاسَهَا ، وَدَرُوسٌ مَا كَانَ نَابِتًا فِيهَا .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا : أَيْ قَدْ حُصِدَ مَا فِيهَا فَلَمْ يُتْرَكْ فِيهَا شَيْءٌ .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا قَالَ : مِثْلُ الْجُرُزِ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا قَالَ : صَعِيدًا زَلَقًا وَصَعِيدًا جُرُزًا وَاحِدٌ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ النَّبَاتِ .
وَقَوْلُهُ : أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا يَقُولُ : أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَائِرًا ، فَوَضَعَ الْغَوْرَ وَهُوَ مَصْدَرٌ مَكَانَ الْغَائِرِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
تَظَلُّ جِيَادُهُ نَوْحًا عَلَيْهِ مُقَلَّدَةً أَعِنَّتُهَا صُفُونًا
بِمَعْنَى نَائِحَةً ، وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ :
هَرِيقِي مِنْ دُمُوعِهِمَا سَجَامًا ضُبَاعَ وجَاوِبِي نَوْحًا قِيامًا
وَالْعَرَبُ تُوِحِّدُ الْغَوْرَ مَعَ الْجَمْعِ وَالِاثْنَيْنِ ، وَتُذَكِّرُ مَعَ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ ، تَقُولُ : مَاءٌ غَوْرٌ ، وَمَاءَانِ غَوْرٌ وَمِيَاهٌ غَوْرٌ .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : ( غَوْرًا ) ذَاهِبًا قَدْ غَارَ فِي الْأَرْضِ ، فَذَهَبَ فَلَا تَلْحَقُهُ الرِّشَاءُ . [18/27]
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا أَيْ ذَاهِبًا قَدْ غَارَ فِي الْأَرْضِ .
وَقَوْلُهُ : فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا يَقُولُ : فَلَنْ تُطِيقَ أَنْ تُدْرِكَ الْمَاءَ الَّذِي كَانَ فِي جَنَّتِكَ بَعْدَ غَوْرِهِ ، بِطَلَبِكَ إِيَّاهُ .