النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ( 32 ) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا ( 33 ) [18/19]وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا ( 34 )
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاضْرِبْ يَا مُحَمَّدُ (نبي)لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ ، الَّذِينَ سَأَلُوكَ أَنْ تَطْرُدَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ، ( مَثَلًا ) مَثَلُ رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ أَيْ جَعَلْنَا لَهُ بُسْتَانَيْنِ مِنْ كُرُومٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ يَقُولُ : وَأَطَفْنَا هَذَيْنِ الْبُسْتَانَيْنِ بِنَخْلٍ . وَقَوْلُهُ : وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا يَقُولُ : وَجَعَلْنَا وَسَطَ هَذَيْنِ الْبُسْتَانَيْنِ زَرْعًا ، وَقَوْلُهُ : كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا يَقُولُ : كِلَا الْبُسْتَانَيْنِ أَطْعَمَ ثَمَرَهُ وَمَا فِيهِ مِنَ الْغُرُوسِ مِنَ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ وَصُنُوفِ الزَّرْعِ . وَقَالَ : كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : آتَتْ ، فَوَحَّدَ الْخَبَرَ ، لِأَنَّ كِلْتَا لَا يُفْرَدُ وَاحِدَتُهَا ، وَأَصْلُهُ كُلُّ ، وَقَدْ تُفَرِّدُ الْعَرَبُ كِلْتَا أَحْيَانًا ، وَيَذْهَبُونَ بِهَا وَهِيَ مُفْرَدَةٌ إِلَى التَّثْنِيَةِ ، قَالَ بَعْضُ الرُّجَّازِ فِي ذَلِكَ :
فِي كِلْتَ رِجْلَيْهَا سُلَامَى وَاحِدَهْ كِلْتَاهُمَا مَقْرُونَةٌ بِزَائِدَهْ
يُرِيدُ بِكَلْتَ : كِلْتَا ، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ بِكِلْتَا وَكِلَا وَكُلُّ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى مَعْرِفَةٍ ، وَجَاءَ الْفِعْلُ بَعْدَهُنَّ وَيَجْمَعُ وَيُوَحَّدُ ، وَقَوْلُهُ : وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا يَقُولُ : وَلَمْ تَنْقُصْ مِنَ الْأَكْلِ شَيْئًا ، بَلْ آتَتْ ذَلِكَ تَامًّا كَامِلًا وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : ظَلَمَ فُلَانٌ فُلَانًا حَقَّهُ : إِذَا بَخَسَهُ وَنَقَصَهُ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
تَظَّلَمَنِي مَالِي كَذَا وَلَوَى يَدِي لَوَى يَدَهُ اللَّهُ الَّذِي هُوَ غَالِبُهْ
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . [18/20]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا : أَيْ لَمْ تَنْقُصْ ، مِنْهُ شَيْئًا .
وَقَوْلُهُ : وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ :
وَسَيَّلْنَا خِلَالَ هَذَيْنِ الْبُسْتَانَيْنِ نَهْرًا ، يَعْنِي بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ أَشْجَارِهِمَا نَهْرًا . وَقِيلَ : ( وَفَجَّرْنَا ) فَثَقَّلَ الْجِيمَ مِنْهُ ، لِأَنَّ التَّفْجِيرَ فِي النَّهْرِ كُلِّهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَمِيدُ مَاءً فَيُسِيلُ بَعْضُهُ بَعْضًا .
وَقَوْلُهُ : وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ (مكان)وَالْعِرَاقِ (مكان): " وَكَانَ لَهُ ثُمُرٌ " بِضَمِّ الثَّاءِ وَالْمِيمِ . وَاخْتَلَفَ قَارِئُو ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ لَهُ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ ، وَقَالُوا : ذَلِكَ هُوَ الثَّمَرُ ، لِأَنَّهَا أَمْوَالٌ مُثْمِرَةٌ ، يَعْنِي مُكْثِرَةً .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ قَالَ : ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ ، وَفِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : بِثَمَرِهِ قَالَ : هِيَ أَيْضًا ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : [18/21]ثَنْي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ ( ثَمَرٌ ) قَالَ : ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ . قَالَ : وَقَوْلُهُ : وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ هِيَ هِيَ أَيْضًا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِهِ : الْمَالُ الْكَثِيرُ مِنْ صُنُوفِ الْأَمْوَالِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : ثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنْ هَارُونَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ : " وَكَانَ لَهُ ثُمُرٌ " بِالضَّمِّ ، وَقَالَ : يَعْنِي أَنْوَاعَ الْمَالِ .
حَدَّثَنَا عَلَيٌّ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلَيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَكَانَ لَهُ ثُمُرٌ " يَقُولُ : مَالٌ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : " وَكَانَ لَهُ ثُمُرٌ " يَقُولُ : مِنْ كُلِّ الْمَالِ .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ قَالَ : الثَّمَرُ مِنَ الْمَالِ كُلِّهِ يَعْنِي الثَّمَرَ ، وَغَيْرَهُ مِنَ الْمَالِ كُلِّهِ .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو سُفْيَانَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : " الثُّمُرُ " الْمَالُ كُلُّهُ ، قَالَ : وَكُلُّ مَالٍ إِذَا اجْتَمَعَ فَهُوَ ثُمُرٌ إِذَا كَانَ مِنْ لَوْنِ الثَّمَرَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَالِ كُلِّهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِهِ الْأَصْلُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : " وَكَانَ لَهُ ثُمُرٌ " الثَّمَرُ الْأَصْلُ ، قَالَ " وَأُحِيطَ بِثُمُرِهِ " قَالَ : بِأَصْلِهِ ، وَكَأَنَّ الَّذِينَ وَجَّهُوا مَعْنَاهَا إِلَى أَنَّهَا أَنْوَاعٌ مِنَ الْمَالِ ، أَرَادُوا أَنَّهَا جَمْعُ ثِمَارٍ جَمْعِ ثَمَرٍ ، كَمَا يُجْمَعُ الْكِتَابُ كُتُبًا ، وَالْحِمَارُ حُمُرًا ، وَقَدْ قَرَأَ بَعْضُ مَنْ وَافَقَ هَؤُلَاءِ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ " ثُمُرٌ " بِضَمِّ الثَّاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ ، وَهُوَ يُرِيدُ الضَّمَّ فِيهَا ، غَيْرَ أَنَّهُ سَكَّنَهَا طَلَبَ التَّخْفِيفِ ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهَا جَمْعَ ثَمَرَةٍ ، كَمَا تُجْمَعُ الْخَشَبَةُ خَشَبًا . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمَدَنِيِّينَ : وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ بِفَتْحِ الثَّاءِ وَالْمِيمِ ، بِمَعْنَى جَمْعِ الثَّمَرَةِ ، كَمَا تُجْمَعُ الْخَشَبَةُ خَشَبًا ، وَالْقَصَبَةُ قَصَبًا .
وَأَوْلَى الْقِرَاءَاتِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ " وَكَانَ لَهُ ثُمُرٌ " بِضَمِّ الثَّاءِ وَالْمِيمِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ جَمْعَ ثِمَارٍ ، كَمَا الْكُتُبُ جَمْعُ كِتَابٍ .
وَمَعْنَى الْكَلَامِ : وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا وَكَانَ لَهُ مِنْهُمَا " ثُمُرٌ " بِمَعْنَى مِنْ جَنَّتَيْهِ أَنْوَاعٌ مِنَ الثِّمَارِ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ ، قَوْلُهُ : [18/22] جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ثُمَّ قَالَ : وَكَانَ لَهُ مِنْ هَذِهِ الْكُرُومِ وَالنَّخْلِ وَالزَّرْعِ ثَمَرٌ .
وَقَوْلُهُ : فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ : فَقَالَ هَذَا الَّذِي جَعَلْنَا لَهُ جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ ، لِصَاحِبِهِ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ وَهُوَ يُخَاطِبُهُ :
أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا يَقُولُ : وَأَعَزُّ عَشِيرَةً وَرَهْطًا ، كَمَا قَالَ عُيَيْنَةُ وَالْأَقْرَعُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَحْنُ سَادَاتُ الْعَرَبِ ، وَأَرْبَابُ الْأَمْوَالِ ، فَنَحِّ عَنَّا سَلْمَانَ وَخَبَّابًا وَصُهَيْبًا ، احْتِقَارًا لَهُمْ ، وَتَكَبُّرًا عَلَيْهِمْ .
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا وَتِلْكَ وَاللَّهِ أُمْنِيَةُ الْفَاجِرِ : كَثْرَةُ الْمَالِ ، وَعِزَّةُ النَّفَرِ .
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاضْرِبْ يَا مُحَمَّدُ (نبي)لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ ، الَّذِينَ سَأَلُوكَ أَنْ تَطْرُدَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ، ( مَثَلًا ) مَثَلُ رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ أَيْ جَعَلْنَا لَهُ بُسْتَانَيْنِ مِنْ كُرُومٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ يَقُولُ : وَأَطَفْنَا هَذَيْنِ الْبُسْتَانَيْنِ بِنَخْلٍ . وَقَوْلُهُ : وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا يَقُولُ : وَجَعَلْنَا وَسَطَ هَذَيْنِ الْبُسْتَانَيْنِ زَرْعًا ، وَقَوْلُهُ : كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا يَقُولُ : كِلَا الْبُسْتَانَيْنِ أَطْعَمَ ثَمَرَهُ وَمَا فِيهِ مِنَ الْغُرُوسِ مِنَ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ وَصُنُوفِ الزَّرْعِ . وَقَالَ : كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : آتَتْ ، فَوَحَّدَ الْخَبَرَ ، لِأَنَّ كِلْتَا لَا يُفْرَدُ وَاحِدَتُهَا ، وَأَصْلُهُ كُلُّ ، وَقَدْ تُفَرِّدُ الْعَرَبُ كِلْتَا أَحْيَانًا ، وَيَذْهَبُونَ بِهَا وَهِيَ مُفْرَدَةٌ إِلَى التَّثْنِيَةِ ، قَالَ بَعْضُ الرُّجَّازِ فِي ذَلِكَ :
فِي كِلْتَ رِجْلَيْهَا سُلَامَى وَاحِدَهْ كِلْتَاهُمَا مَقْرُونَةٌ بِزَائِدَهْ
يُرِيدُ بِكَلْتَ : كِلْتَا ، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ بِكِلْتَا وَكِلَا وَكُلُّ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى مَعْرِفَةٍ ، وَجَاءَ الْفِعْلُ بَعْدَهُنَّ وَيَجْمَعُ وَيُوَحَّدُ ، وَقَوْلُهُ : وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا يَقُولُ : وَلَمْ تَنْقُصْ مِنَ الْأَكْلِ شَيْئًا ، بَلْ آتَتْ ذَلِكَ تَامًّا كَامِلًا وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : ظَلَمَ فُلَانٌ فُلَانًا حَقَّهُ : إِذَا بَخَسَهُ وَنَقَصَهُ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
تَظَّلَمَنِي مَالِي كَذَا وَلَوَى يَدِي لَوَى يَدَهُ اللَّهُ الَّذِي هُوَ غَالِبُهْ
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . [18/20]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا : أَيْ لَمْ تَنْقُصْ ، مِنْهُ شَيْئًا .
وَقَوْلُهُ : وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ :
وَسَيَّلْنَا خِلَالَ هَذَيْنِ الْبُسْتَانَيْنِ نَهْرًا ، يَعْنِي بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ أَشْجَارِهِمَا نَهْرًا . وَقِيلَ : ( وَفَجَّرْنَا ) فَثَقَّلَ الْجِيمَ مِنْهُ ، لِأَنَّ التَّفْجِيرَ فِي النَّهْرِ كُلِّهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَمِيدُ مَاءً فَيُسِيلُ بَعْضُهُ بَعْضًا .
وَقَوْلُهُ : وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ (مكان)وَالْعِرَاقِ (مكان): " وَكَانَ لَهُ ثُمُرٌ " بِضَمِّ الثَّاءِ وَالْمِيمِ . وَاخْتَلَفَ قَارِئُو ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ لَهُ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ ، وَقَالُوا : ذَلِكَ هُوَ الثَّمَرُ ، لِأَنَّهَا أَمْوَالٌ مُثْمِرَةٌ ، يَعْنِي مُكْثِرَةً .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ قَالَ : ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ ، وَفِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : بِثَمَرِهِ قَالَ : هِيَ أَيْضًا ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : [18/21]ثَنْي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ ( ثَمَرٌ ) قَالَ : ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ . قَالَ : وَقَوْلُهُ : وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ هِيَ هِيَ أَيْضًا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِهِ : الْمَالُ الْكَثِيرُ مِنْ صُنُوفِ الْأَمْوَالِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : ثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنْ هَارُونَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ : " وَكَانَ لَهُ ثُمُرٌ " بِالضَّمِّ ، وَقَالَ : يَعْنِي أَنْوَاعَ الْمَالِ .
حَدَّثَنَا عَلَيٌّ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلَيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَكَانَ لَهُ ثُمُرٌ " يَقُولُ : مَالٌ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : " وَكَانَ لَهُ ثُمُرٌ " يَقُولُ : مِنْ كُلِّ الْمَالِ .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ قَالَ : الثَّمَرُ مِنَ الْمَالِ كُلِّهِ يَعْنِي الثَّمَرَ ، وَغَيْرَهُ مِنَ الْمَالِ كُلِّهِ .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو سُفْيَانَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : " الثُّمُرُ " الْمَالُ كُلُّهُ ، قَالَ : وَكُلُّ مَالٍ إِذَا اجْتَمَعَ فَهُوَ ثُمُرٌ إِذَا كَانَ مِنْ لَوْنِ الثَّمَرَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَالِ كُلِّهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِهِ الْأَصْلُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : " وَكَانَ لَهُ ثُمُرٌ " الثَّمَرُ الْأَصْلُ ، قَالَ " وَأُحِيطَ بِثُمُرِهِ " قَالَ : بِأَصْلِهِ ، وَكَأَنَّ الَّذِينَ وَجَّهُوا مَعْنَاهَا إِلَى أَنَّهَا أَنْوَاعٌ مِنَ الْمَالِ ، أَرَادُوا أَنَّهَا جَمْعُ ثِمَارٍ جَمْعِ ثَمَرٍ ، كَمَا يُجْمَعُ الْكِتَابُ كُتُبًا ، وَالْحِمَارُ حُمُرًا ، وَقَدْ قَرَأَ بَعْضُ مَنْ وَافَقَ هَؤُلَاءِ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ " ثُمُرٌ " بِضَمِّ الثَّاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ ، وَهُوَ يُرِيدُ الضَّمَّ فِيهَا ، غَيْرَ أَنَّهُ سَكَّنَهَا طَلَبَ التَّخْفِيفِ ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهَا جَمْعَ ثَمَرَةٍ ، كَمَا تُجْمَعُ الْخَشَبَةُ خَشَبًا . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمَدَنِيِّينَ : وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ بِفَتْحِ الثَّاءِ وَالْمِيمِ ، بِمَعْنَى جَمْعِ الثَّمَرَةِ ، كَمَا تُجْمَعُ الْخَشَبَةُ خَشَبًا ، وَالْقَصَبَةُ قَصَبًا .
وَأَوْلَى الْقِرَاءَاتِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ " وَكَانَ لَهُ ثُمُرٌ " بِضَمِّ الثَّاءِ وَالْمِيمِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ جَمْعَ ثِمَارٍ ، كَمَا الْكُتُبُ جَمْعُ كِتَابٍ .
وَمَعْنَى الْكَلَامِ : وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا وَكَانَ لَهُ مِنْهُمَا " ثُمُرٌ " بِمَعْنَى مِنْ جَنَّتَيْهِ أَنْوَاعٌ مِنَ الثِّمَارِ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ ، قَوْلُهُ : [18/22] جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ثُمَّ قَالَ : وَكَانَ لَهُ مِنْ هَذِهِ الْكُرُومِ وَالنَّخْلِ وَالزَّرْعِ ثَمَرٌ .
وَقَوْلُهُ : فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ : فَقَالَ هَذَا الَّذِي جَعَلْنَا لَهُ جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ ، لِصَاحِبِهِ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ وَهُوَ يُخَاطِبُهُ :
أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا يَقُولُ : وَأَعَزُّ عَشِيرَةً وَرَهْطًا ، كَمَا قَالَ عُيَيْنَةُ وَالْأَقْرَعُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَحْنُ سَادَاتُ الْعَرَبِ ، وَأَرْبَابُ الْأَمْوَالِ ، فَنَحِّ عَنَّا سَلْمَانَ وَخَبَّابًا وَصُهَيْبًا ، احْتِقَارًا لَهُمْ ، وَتَكَبُّرًا عَلَيْهِمْ .
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا وَتِلْكَ وَاللَّهِ أُمْنِيَةُ الْفَاجِرِ : كَثْرَةُ الْمَالِ ، وَعِزَّةُ النَّفَرِ .