تفسير الطبري

تفسير سُورَةُ النَّحْلِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ . . . "

ج 17
ص 228

الآية المفسَّرة

يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 17 · ص 228

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ( 59 )
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : يَتَوَارَى هَذَا الْمُبَشَّرُ بِوِلَادَةِ الْأُنْثَى مِنَ الْوَلَدِ لَهُ مِنَ الْقَوْمِ ، فَيَغِيبُ عَنْ أَبْصَارِهِمْ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ يَعْنِي : مِنْ مَسَاءَتِهِ إِيَّاهُ مُمِيلًا بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَهُ عَلَى هُونٍ : أَيْ عَلَى هَوَانٍ ، وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي لُغَةِ قُرَيْشٍ فِيمَا ذُكِرَ لِي ، يَقُولُونَ لِلْهَوَانِ : الْهُونَ ; وَمِنْهُ قَوْلُ الْحُطَيْئَةِ :
فَلَمَّا خَشِيتُ الْهُونَ وَالْعَيْرُ مُمْسِكٌ عَلَى رَغْمِهِ مَا أَثْبَتَ الْحَبْلَ حَافِرُهُ [17/229]وَبَعْضُ بَنِي تَمِيمٍ جَعَلَ الْهُونَ مَصْدَرًا لِلشَّيْءِ الْهَيِّنِ ، ذَكَرَ الْكِسَائِيُّ أَنَّهُ سَمِعَهُمْ يَقُولُونَ : إِنْ كُنْتُ لَقَلِيلَ هُونِ الْمُؤْنَةِ مُنْذُ الْيَوْمِ قَالَ : وَسَمِعْتُ : الْهَوَانَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى ، سَمِعْتُ مِنْهُمْ قَائِلًا يَقُولُ لِبَعِيرٍ لَهُ : مَا بِهِ بَأْسٌ غَيْرَ هَوَانِهِ ، يَعْنِي خَفِيفَ الثَّمَنِ ، فَإِذَا قَالُوا : هُوَ يَمْشِي عَلَى هَوْنِهِ ، لَمْ يَقُولُوهُ إِلَّا بِفَتْحِ الْهَاءِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا . أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ يَقُولُ : يَدْفِنُهُ حَيًّا فِي التُّرَابِ فَيَئِدُهُ .
كَمَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ يَئِدُ ابْنَتَهُ .
وَقَوْلُهُ : أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ يَقُولُ : أَلَا سَاءَ الْحُكْمُ الَّذِي يَحْكُمُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ ، وَذَلِكَ أَنْ جَعَلُوا لِلَّهِ مَا لَا يَرْضَوْنَ لِأَنْفُسِهِمْ ، وَجَعَلُوا لِمَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ شِرْكًا فِيمَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ ، وَعَبَدُوا غَيْرَ مَنْ خَلَقَهُمْ وَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ .