تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الرَّعْدِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ . . . "

ج 16
ص 469

الآية المفسَّرة

مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 16 · ص 469

النص

[16/469]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ( 35 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ فِي مُرَافِعِ " الْمَثَلِ "
فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ : الرَّافِعُ لِلْمَثَلِ قَوْلُهُ : تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ، فِي الْمَعْنَى ، وَقَالَ : هُوَ كَمَا تَقُولُ : " حِلْيَةُ فُلَانٍ ، أَسْمَرُ كَذَا وَكَذَا " فَلَيْسَ " الْأَسْمَرُ " بِمَرْفُوعٍ بِالْحِلْيَةِ ، إِنَّمَا هُوَ ابْتِدَاءٌ ، أَيْ هُوَ أَسْمَرُ هُوَ كَذَا . قَالَ : وَلَوْ دَخَلَ " أَنَّ " فِي مِثْلِ هَذَا كَانَ صَوَابًا . قَالَ : وَمِثْلُهُ فِي الْكَلَامِ : " مَثَلُكَ أَنَّكَ كَذَا وَأَنَّكَ كَذَا " وَقَوْلُهُ : فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا [ سُورَةُ عَبَسَ : 24 ، 25 ] مَنْ وَجَّهَ ، مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا ، وَمَنْ قَالَ : أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ ، أَظْهَرَ الِاسْمَ لِأَنَّهُ مَرْدُودٌ عَلَى " الطَّعَامِ " بِالْخَفْضِ ، وَمُسْتَأْنَفٌ ، أَيْ : طَعَامُهُ أَنَّا صَبَبْنَا ثُمَّ فَعَلْنَا . وَقَالَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : مَثَلُ الْجَنَّةِ ، صِفَاتُ الْجَنَّةِ .
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرِيِّينَ : مَعْنَى ذَلِكَ : صِفَةُ الْجَنَّةِ قَالَ : وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى [ سُورَةُ الرُّومِ : 27 ] مَعْنَاهُ : وَلِلَّهِ الصِّفَةُ الْعُلْيَا . قَالَ : فَمَعْنَى الْكَلَامِ فِي قَوْلِهِ : مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرَى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ، أَوْ فِيهَا أَنْهَارٌ ، كَأَنَّهُ قَالَ : وَصْفُ الْجَنَّةِ صِفَةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ، أَوْ صِفَةٌ فِيهَا أَنْهَارٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
[16/470]قَالَ : وَوَجْهٌ آخَرُ كَأَنَّهُ إِذَا قِيلَ : مَثَلُ الْجَنَّةِ ، قِيلَ : الْجَنَّةُ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ . قَالَ : وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [ سُورَةُ النَّمْلِ : 30 ] كَأَنَّهُ قَالَ : بِاللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ : وَقَوْلُهُ : عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [ سُورَةُ الزُّمَرِ : 56 ] فِي ذَاتِ اللَّهِ ، كَأَنَّهُ عِنْدَنَا قِيلَ : فِي اللَّهِ .
قَالَ : وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ سُورَةُ الشُّورَى : 11 ] إِنَّمَا الْمَعْنَى : لَيْسَ كَشَيْءٍ ، وَلَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ . قَالَ : وَلَيْسَ هَذَا كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ : " لَيْسَ كَمِثْلِكَ أَحَدٌ " ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ ، وَاللَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِ . قَالَ : وَمِثْلُهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ :
إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا قَالَ : وَفُسِّرَ لَنَا أَنَّهُ أَرَادَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمَا .
قَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ :
وَقَتْلَى كِرَامٍ كَمِثْلِ الْجُذُوعِ تَغَشَّاهُمُ سَبَلٌ مُنْهَمِرْ قَالَ : وَالْمَعْنَى عِنْدَنَا : كَالْجُذُوعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَجْعَلَ لِلْجُذُوعِ مِثْلًا ثُمَّ يُشَبِّهُ الْقَتْلَى بِهِ . قَالَ : وَمِثْلُهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ :
زُحَلٌ وَثَوْرٌ تَحْتَ رِجْلِ يَمِينِهِ وَالنَّسْرُ لِلْأُخْرَى وَلَيْثٌ مُرْصِدُ [16/471]قَالَ فَقَالَ : " تَحْتَ رِجْلِ يَمِينِهِ " كَأَنَّهُ قَالَ : تَحْتَ رِجْلِهِ ، أَوْ تَحْتَ رِجْلِهِ الْيُمْنَى . قَالَ : وَقَوْلُ لَبِيَدٍ :
أَضَلَّ صِوَارَهُ وَتَضَيَّفَتْهُ نَطُوفٌ أَمْرُهَا بِيَدِ الشَّمَالِ كَأَنَّهُ قَالَ : أَمَرَهَا بِالشَّمَالِ ، وَإِلَى الشَّمَالِ؛ وَقَوْلُ لَبِيَدٍ أَيْضًا :
حَتَّى إِذَا أَلْقَتْ يَدًا فِي كَافِرٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ : حَتَّى وَقَعَتْ فِي كَافِرٍ .
وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ : هُوَ مِنَ الْمَكْفُوفِ عَنْ خَبَرِهِ . قَالَ : وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ . قَالَ : وَلَهُ مَعْنًى آخَرُ : لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى ، مَثَلُ الْجَنَّةِ ، مَوْصُولٌ ، صِفَةٌ لَهَا عَلَى الْكَلَامِ الْأَوَّلِ .
[16/472]قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ ذَكَرَ الْمَثَلَ ، فَقَالَ مَثَلُ الْجَنَّةِ ، وَالْمُرَادُ الْجَنَّةُ ، ثُمَّ وُصِفَتِ الْجَنَّةُ بِصِفَتِهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ مَثَلَهَا إِنَّمَا هُوَ صِفَتُهَا وَلَيْسَتْ صِفَتُهَا شَيْئًا غَيْرَهَا . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، ثُمَّ ذَكَرَ " الْمَثَلَ " فَقِيلَ : مَثَلُ الْجَنَّةِ ، وَمَثَلُهَا صِفَتُهَا وَصِفَةُ الْجَنَّةِ ، فَكَانَ وَصْفُهَا كَوَصْفِ " الْمَثَلِ " وَكَانَ كَأَنَّ الْكَلَامَ جَرَى بِذِكْرِ الْجَنَّةِ ، فَقِيلَ : الْجَنَّةُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
أَرَى مَرَّ السِّنِينَ أَخَذْنَ مِنِّي كَمَا أَخَذَ السِّرَارُ مِنَ الْهِلالِ فَذَكَرَ " الْمَرَّ " وَرَجَعَ فِي الْخَبَرِ إِلَى " السِّنِينَ " .
وَقَوْلُهُ : أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا ، يَعْنِي مَا يُؤْكَلُ فِيهَا ، يَقُولُ : هُوَ دَائِمٌ لِأَهْلِهَا ، لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُمْ ، وَلَا يَزُولُ وَلَا يَبِيدُ ، وَلَكِنَّهُ ثَابِتٌ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ ( وَظِلُّهَا ) ، يَقُولُ : وَظِلُّهَا أَيْضًا دَائِمٌ؛ لِأَنَّهُ لَا شَمْسَ فِيهَا .
تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا ، يَقُولُ : هَذِهِ الْجَنَّةُ الَّتِي وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، عَاقِبَةُ الَّذِينَ اتَّقَوُا اللَّهَ ، فَاجْتَنَبُوا مَعَاصِيَهُ وَأَدَّوْا فَرَائِضَهُ .
وَقَوْلُهُ : وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ، يَقُولُ : وَعَاقِبَةُ الْكَافِرِينَ بِاللَّهِ النَّارُ .