تفسير الطبري

تفسير سُورَةُ يُونُسَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ "

ج 15
ص 155

الآية المفسَّرة

فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 15 · ص 155

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ( 76 ) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ ( 77 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ ، تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا ، يَعْنِي : فَلَمَّا جَاءَهُمْ بَيَانُ مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مُوسَى وَهَارُونُ وَذَلِكَ الْحُجَجُ الَّتِي جَاءَهُمْ بِهَا ، وَهِيَ الْحَقُّ الَّذِي جَاءَهُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ، يَعْنُونَ أَنَّهُ يَبِينُ لِمَنْ رَآهُ وَعَايَنَهُ أَنَّهُ سِحْرٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ قَالَ مُوسَى ، لَهُمْ : أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ ، مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَسِحْرٌ هَذَا ؟ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي سَبَبِ دُخُولِ أَلْفِ الِاسْتِفْهَامِ فِي قَوْلِهِ : أَسِحْرٌ هَذَا ؟ فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ (مكان): أُدْخِلَتْ فِيهِ عَلَى الْحِكَايَةِ لِقَوْلِهِمْ ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا : أَسِحْرٌ هَذَا ؟ فَقَالَ : أَتَقُولُونَ : أَسِحْرٌ هَذَا ؟ [15/156]
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ (مكان): إِنَّهُمْ قَالُوا : " هَذَا سِحْرٌ " وَلَمْ يَقُولُوهُ بِالْأَلْفِ ، لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا جَاءَ بِغَيْرِ أَلْفٍ . قَالَ : فَيُقَالُ : فَلِمَ أُدْخِلَتِ الْأَلْفُ ؟ فَيُقَالُ : قَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ قِيلِهِمْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ سِحْرٌ ، كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِلْجَائِزَةِ إِذَا أَتَتْهُ : أَحُقٌّ هَذَا ؟ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ حَقٌّ . قَالَ : وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَلَى التَّعَجُّبِ مِنْهُمْ : أَسْحَرٌ هَذَا ؟ مَا أَعْظَمَهُ!
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى ذَلِكَ فِي هَذَا بِالصَّوَابِ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفًا ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ : أَسِحْرٌ هَذَا ، مِنْ قِيلِ مُوسَى ، مُنْكِرًا عَلَى فِرْعَوْنِ وَمَلَئِهِ قَوْلَهُمْ لِلْحَقِّ لِمَا جَاءَهُمْ : " سِحْرٌ " ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ حِينَئِذٍ : قَالَ مُوسَى لَهُمْ : أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ وَهِيَ الْآيَاتُ الَّتِي أَتَاهُمْ بِهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ حُجَّةً لَهُ عَلَى صِدْقِهِ سِحْرٌ ، أَسِحْرٌ هَذَا الْحَقُّ الَّذِي تَرَوْنَهُ ؟ فَيَكُونُ " السِّحْرُ " الْأَوَّلُ مَحْذُوفًا ، اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ قَوْلِ مُوسَى أَسِحْرٌ هَذَا ، عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ فِي الْكَلَامِ ، كَمَا قَالَ ذُو الرُّمَّةِ .
فَلَمَّا لَبِسْنَ اللَّيْلَ ، أَوْ حِينَ نَصَّبَتْ لَهُ مِنْ خَدَا آذَانِهَا وَهْوَ جَانِحُ
يُرِيدُ : أَوْ حِينَ أَقْبَلَ ، ثُمَّ حَذَفَ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ ، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ [ سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : 7 ] ، وَالْمَعْنَى : بَعَثْنَاهُمْ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ فَتَرَكَ ذَلِكَ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ ، فِي أَشْبَاهٍ لِمَا ذَكَرْنَا كَثِيرَةٍ يُتْعِبُ إِحْصَاؤُهَا .
وَقَوْلُهُ : وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ يَقُولُ : وَلَا يَنْجَحُ السَّاحِرُونَ وَلَا يَبْقَوْنَ .