تفسير الطبري

تفسير سُورَةُ يُونُسَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا . . . "

ج 15
ص 105

الآية المفسَّرة

قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 15 · ص 105

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 58 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قُلْ ) يَا مُحَمَّدُ (نبي)لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِكَ وَبِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ بِفَضْلِ اللَّهِ ، أَيُّهَا النَّاسُ ، الَّذِي تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْكُمْ ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ ، فَبَيَّنَهُ لَكُمْ ، وَدَعَاكُمْ إِلَيْهِ وَبِرَحْمَتِهِ ، الَّتِي رَحِمَكُمْ بِهَا ، فَأَنْزَلَهَا إِلَيْكُمْ ، فَعَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ مِنْ كِتَابِهِ ، وَبَصَّرَكُمْ بِهَا فِي مَعَالِمِ دِينِكُمْ ، وَذَلِكَ الْقُرْآنُ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ يَقُولُ : فَإِنَّ الْإِسْلَامَ الَّذِي دَعَاهُمْ إِلَيْهِ ، وَالْقُرْآنُ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ ، خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ مِنْ حُطَامِ الدُّنْيَا وَأَمْوَالِهَا وَكُنُوزِهَا . [15/106]
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
17668 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْأَزْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْحَجَّاجِ عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي قَوْلِهِ : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ، قَالَ : بِفَضْلِ اللَّهِ ، الْقُرْآنُ ( وَبِرَحْمَتِهِ ) أَنْ جَعَلَكُمْ مِنْ أَهْلِهِ .
17669 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ طَلْحَةَ الْيَرْبُوعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ، قَالَ : بِالْإِسْلَامِ الَّذِي هَدَاكُمْ ، وَبِالْقُرْآنِ الَّذِي عَلَّمَكُمْ .
17670 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ يَمَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ، قَالَ : بِالْإِسْلَامِ وَالْقُرْآنِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ، مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ .
17671 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ فِي قَوْلِهِ : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ، قَالَ : " فَضْلُ اللَّهِ " ، الْإِسْلَامُ ، وَ " رَحْمَتُهُ " الْقُرْآنُ .
17672 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا زَيْدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ فِي قَوْلِهِ : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ، قَالَ : الْإِسْلَامُ وَالْقُرْآنُ . [15/107]
17673 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ وَقَبِيصَةُ قَالَا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ مِثْلَهُ .
17674 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ هِلَالٍ مِثْلَهُ .
17675 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ، أَمَّا فَضْلُهُ فَالْإِسْلَامُ ، وَأَمَّا رَحْمَتُهُ فَالْقُرْآنُ .
17676 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الْحَسَنِ : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ، قَالَ : فَضْلُهُ : الْإِسْلَامُ ، وَرَحْمَتُهُ الْقُرْآنُ .
17677 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ، قَالَ : الْقُرْآنُ .
17678 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : ( وَبِرَحْمَتِهِ ) ، قَالَ : الْقُرْآنُ .
17679 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ، قَالَ : الْأَمْوَالُ وَغَيْرُهَا .
17680 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ يَقُولُ : فَضْلُهُ الْإِسْلَامُ ، وَرَحْمَتُهُ الْقُرْآنُ .
17681 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ هِلَالٍ : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ، قَالَ : بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَبِالْإِسْلَامِ هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ . [15/108]
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ " الْفَضْلُ " الْقُرْآنُ ، وَ " الرَّحْمَةُ " الْإِسْلَامُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
17682 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ، قَالَ : بِفَضْلِ اللَّهِ ، الْقُرْآنُ ، وَبِرَحْمَتِهِ ، حِينَ جَعَلَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ .
17683 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ : " فَضْلُ اللَّهِ " الْقُرْآنُ ، وَ " رَحْمَتُهُ " الْإِسْلَامُ .
17684 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ قَوْلَهُ : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ قَالَ : بِفَضْلِ اللَّهِ الْقُرْآنُ ، وَبِرَحْمَتِهِ ، الْإِسْلَامُ .
17685 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ، قَالَ : كَانَ أَبِي يَقُولُ : فَضْلُهُ الْقُرْآنُ ، وَرَحْمَتُهُ الْإِسْلَامُ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا .
فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ : فَلْيَفْرَحُوا بِالْيَاءِ هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ بِالْيَاءِ أَيْضًا عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلْنَاهُ ، مِنْ أَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ أَهْلِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ . يَقُولُ : فَبِالْإِسْلَامِ وَالْقُرْآنِ الَّذِي دَعَاهُمْ إِلَيْهِ ، فَلْيَفْرَحْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ ، لَا بِالْمَالِ الَّذِي يَجْمَعُونَ ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ وَالْقُرْآنَ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ الَّذِي يَجْمَعُونَ ، وَكَذَلِكَ :
17686 - حُدِّثْتُ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ هَارُونَ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ : [15/109] فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ، يَعْنِي الْكُفَّارَ .
وَرُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي ذَلِكَ مَا :
17687 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ عَنِ أَسْلَمَ الْمِنْقَرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : ( فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ ) بِالتَّاءِ .
17688 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنِ الْأَجْلَحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مِثْلَ ذَلِكَ .
وَكَذَلِكَ كَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَقُولُ : غَيْرَ أَنَّهُ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ كَانَ يَقْرَأُ قَوْلَهُ : هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ بِالْيَاءِ; الْأَوَّلُ عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ ، وَالثَّانِي عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ .
وَكَانَ أَبُو جَعْفَرٍ الْقَارِئُ ، فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ ، يَقْرَأُ ذَلِكَ نَحْوَ قِرَاءَةِ أُبَيٍّ بِالتَّاءِ جَمِيعًا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ مَا عَلَيْهِ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ مِنْ قِرَاءَةِ الْحَرْفَيْنِ جَمِيعًا بِالْيَاءِ : فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ لِمَعْنَيَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : إِجْمَاعُ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ .
وَالثَّانِي : صِحَّتُهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ لَا تَكَادُ تَأْمُرُ الْمُخَاطَبَ بِاللَّامِ وَالتَّاءِ ، وَإِنَّمَا تَأْمُرُهُ فَتَقُولُ : " افْعَلْ وَلَا تَفْعَلْ " .
وَبَعْدُ ؛ فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ إِلَّا وَهُوَ يَسْتَرْدِئُ أَمْرَ الْمُخَاطَبِ بِاللَّامِ ، وَيَرَى أَنَّهَا لُغَةٌ مَرْغُوبٌ عَنْهَا ، غَيْرَ الْفَرَّاءِ فَإِنَّهُ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّامَ فِي [15/110]الْأَمْرِ [ هِيَ الْبِنَاءُ الَّذِي خُلِقَ لَهُ ] وَاجَهْتَ بِهِ أَمْ لَمْ تُوَاجِهْ ، إِلَّا أَنَّ الْعَرَبَ حَذَفَتِ اللَّامَ مِنْ فِعْلِ الْمَأْمُورِ الْمُوَاجَهِ ، لِكَثْرَةِ الْأَمْرِ خَاصَّةً فِي كَلَامِهِمْ ، كَمَا حَذَفُوا التَّاءَ مِنَ الْفِعْلِ . قَالَ : وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْجَازِمَ وَالنَّاصِبَ لَا يَقَعَانِ إِلَّا عَلَى الْفِعْلِ الَّذِي أَوَّلُهُ الْيَاءُ وَالتَّاءُ وَالنُّونُ وَالْأَلِفُ ، فَلَمَّا حُذِفَتِ التَّاءُ ذَهَبَتِ اللَّامُ ، وَأُحْدِثَتِ الْأَلْفُ فِي قَوْلِكَ : " اضْرِبْ " وَ " افْرَحْ " لِأَنَّ الْفَاءَ سَاكِنَةٌ ، فَلَمْ يَسْتَقِمْ أَنْ يَسْتَأْنِفَ بِحَرْفٍ سَاكِنٍ ، فَأَدْخَلُوا أَلِفًا خَفِيفَةً يَقَعُ بِهَا الِابْتِدَاءُ ، كَمَا قَالَ : ادَّارَكُوا ، [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 38 ]
و اثَّاقَلْتُمْ ، [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 38 ] .
وَهَذَا الَّذِي اعْتَلَّ بِهِ الْفَرَّاءُ عَلَيْهِ لَا لَهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ إِنْ كَانَتْ قَدْ حَذَفَتِ اللَّامَ فِي الْمُوَاجَهِ وَتَرَكَتْهَا ، فَلَيْسَ لِغَيْرِهَا إِذَا نَطَقَ بِكَلَامِهَا أَنْ يُدْخِلَ فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهُ مَا دَامَ مُتَكَلِّمًا بِلُغَتِهَا . فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، كَانَ خَارِجًا عَنْ لُغَتِهَا ، وَكِتَابُ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ (نبي)بِلِسَانِهَا ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْلُوَهُ إِلَّا بِالْأَفْصَحِ مِنْ كَلَامِهَا ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بَعْضُ ذَلِكَ مِنْ لُغَةِ بَعْضِهَا ، فَكَيْفَ بِمَا لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ مِنْ لُغَةِ حَيٍّ وَلَا قَبِيلَةٍ مِنْهَا ؟ وَإِنَّمَا هُوَ دَعْوَى لَا تُثْبَتُ بِهَا [ حُجَّةٌ ] وَلَا صِحَّةٌ .