تفسير الطبري

تفسير سُورَةُ يُونُسَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ . . . "

ج 15
ص 91

الآية المفسَّرة

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 15 · ص 91

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 38 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ ، تَعَالَى ذِكْرُهُ : أَمْ يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ : افْتَرَى مُحَمَّدٌ (نبي)هَذَا الْقُرْآنَ مِنْ نَفْسِهِ فَاخْتَلَقَهُ وَافْتَعَلَهُ ؟ قُلْ يَا مُحَمَّدُ (نبي)لَهُمْ : إِنْ كَانَ كَمَا تَقُولُونَ إِنِّي اخْتَلَقْتُهُ وَافْتَرَيْتُهُ ، فَإِنَّكُمْ مِثْلِي مِنَ الْعَرَبِ ، وَلِسَانِي مِثْلُ لِسَانِكُمْ ، وَكَلَامِي [ مِثْلُ كَلَامِكُمْ ] ، فَجِيئُوا بِسُورَةٍ مِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ .
وَ " الْهَاءُ " فِي قَوْلِهِ : " مِثْلِهِ " كِنَايَةٌ عَنِ الْقُرْآنِ .
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ (مكان)يَقُولُ : مَعْنَى ذَلِكَ : قُلْ فَأْتُوْا بِسُورَةٍ مِثْلِ سُورَتِهِ ثُمَّ أُلْقِيَتْ " سُورَةٌ " ، وَأُضِيفَ " الْمَثَلُ " إِلَى مَا كَانَ مُضَافًا إِلَيْهِ " السُّورَةُ " كَمَا قِيلَ : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [ سُورَةُ يُوسُفَ : 82 ] يُرَادُ بِهِ : وَاسْأَلْ أَهْلَ الْقَرْيَةِ . [15/92]
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يُنْكِرُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ ، وَيَزْعُمُ أَنَّ مَعْنَاهُ : فَأَتَوْا بِقُرْآنٍ مِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي ، أَنَّ " السُّورَةَ " إِنَّمَا هِيَ سُورَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ ، وَهِيَ قُرْآنٌ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ جَمِيعَ الْقُرْآنِ . فَقِيلَ لَهُمْ : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ، وَلَمْ يَقِلْ : " مِثْلِهَا " لِأَنَّ الْكِنَايَةَ أُخْرِجَتْ عَلَى الْمَعْنَى أَعْنِي مَعْنَى " السُّورَةِ " لَا عَلَى لَفْظِهَا ، لِأَنَّهَا لَوْ أُخْرِجَتْ عَلَى لَفْظِهَا لَقِيلَ : " فَأَتَوْا بِسُورَةٍ مِثْلِهَا " .
وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ يَقُولُ : وَادْعُوا ، أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهَا مَنْ قَدَرْتُمْ أَنْ تَدْعُوا عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَوْلِيَائِكُمْ وَشُرَكَائِكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، يَقُولُ : مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ ، فَأَجْمِعُوا عَلَى ذَلِكَ وَاجْتَهِدُوا ، فَإِنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ أَبَدًا .
وَقَوْلُهُ : إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ، يَقُولُ : إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي أَنَّ مُحَمَّدًا (نبي)افْتَرَاهُ ، فَأَتَوْا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ مِنْ جَمِيعِ مِنْ يُعِينُكُمْ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهَا . فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ ، فَلَا شَكَّ أَنَّكُمْ كَذَبَةٌ فِي زَعْمِكُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا (نبي)افْتَرَاهُ ، لِأَنَّ مُحَمَّدًا (نبي)لَنْ يَعْدُوَ أَنْ يَكُونَ بَشَرًا مِثْلَكُمْ ، فَإِذَا عَجَزَ الْجَمِيعُ مِنَ الْخَلْقِ أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ، فَالْوَاحِدُ مِنْهُمْ عَنْ أَنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِهِ أَعْجَزُ .