تفسير الطبري

تفسير سُورَةُ يُونُسَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ . . . "

ج 15
ص 80

الآية المفسَّرة

هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 15 · ص 80

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ( 30 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ بِالْبَاءِ ، بِمَعْنَى : عِنْدَ ذَلِكَ تَخْتَبِرُ كُلُّ نَفْسٍ مَا قَدَّمَتْ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ .
وَكَانَ مِمَّنْ يَقْرَؤُهُ وَيَتَأَوَّلُهُ كَذَلِكَ مُجَاهِدٌ . [15/81]
17654 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ وَرْقَاءَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ ، قَالَ : تُخْتَبَرُ .
17655 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
17656 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ : ( تَتْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ ) بِالتَّاءِ .
وَاخْتَلَفَ قَارِئُو ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي تَأْوِيلِهِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ وَتَأْوِيلُهُ : هُنَالِكَ تَتْبَعُ كُلُّ نَفْسٍ مَا قَدَّمَتْ فِي الدُّنْيَا لِذَلِكَ الْيَوْمِ .
وَرُوِيَ بِنَحْوِ ذَلِكَ خَبَرٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِنْ وَجْهٍ وَسَنَدٍ غَيْرِ مُرْتَضَى أَنَّهُ قَالَ : يُمَثَّلُ لِكُلِّ قَوْمٍ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيَتَّبِعُونَهُمْ حَتَّى يُورِدُوهُمُ النَّارَ . قَالَ : ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ : ( هُنَالِكَ تَتْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ ) .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ مَعْنَاهُ : يَتْلُو كِتَابَ حَسَنَاتِهِ وَسَيِّئَاتِهِ . يَعْنِي يَقْرَأُ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ، [ سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : 13 ] .
وَقَالَ آخَرُونَ : " تَتْلُو " تُعَايِنُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : [15/82]
17657 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : ( هُنَالِكَ تَتْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ ) قَالَ : مَا عَمِلَتْ . تَتْلُو : تُعَايِنُهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَئِمَّةٌ مِنَ الْقُرَّاءِ ، وَهُمَا مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى . وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ تَبِعَ فِي الْآخِرَةِ مَا أَسْلَفَ مِنَ الْعَمَلِ فِي الدُّنْيَا ، هَجَمَ بِهِ عَلَى مَوْرِدِهِ ، فَيُخْبِرُ هُنَالِكَ مَا أَسْلَفَ مِنْ صَالَحٍ أَوْ سَيِّئٍ فِي الدُّنْيَا ، وَإِنَّ مِنْ خَبَرِ مَنْ أَسْلَفَ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَعْمَالِهِ فِي الْآخِرَةِ ، فَإِنَّمَا يُخْبِرُ بَعْدَ مَصِيرِهِ إِلَى حَيْثُ أَحَلَّهُ مَا قَدَّمَ فِي الدُّنْيَا مِنْ عِلْمِهِ ، فَهُوَ فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ مُتَّبِعٌ مَا أَسْلَفَ مِنْ عَمَلِهِ ، مُخْتَبِرٌ لَهُ ، فَبِأَيِّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ كَمَا وَصَفْنَا ، فَمُصِيبٌ الصَّوَابَ فِي ذَلِكَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ فَإِنَّهُ يَقُولُ : وَرَجَعَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَئِذٍ إِلَى اللَّهِ الَّذِي هُوَ رَبُّهُمْ وَمَالِكُهُمْ ، الْحَقُّ لَا شَكَّ فِيهِ ، دُونَ مَا كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ لَهُمْ أَرْبَابٌ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ يَقُولُ : وَبَطَلَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَتَخَرَّصُونَ مِنَ الْفِرْيَةِ وَالْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ بِدَعْوَاهُمْ أَوْثَانَهُمْ أَنَّهَا لِلَّهِ شُرَكَاءُ ، وَأَنَّهَا تُقَرِّبُهُمْ مِنْهُ زُلْفَى ، كَمَا :
17658 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ قَالَ : مَا كَانُوا [15/83]يَدَّعُونَ مَعَهُ مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْآلِهَةِ ، مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ : الْآلِهَةُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ جَعَلُوهَا أَنْدَادًا وَآلِهَةً مَعَ اللَّهِ افْتِرَاءً وَكَذِبًا .