تفسير الطبري

تفسير سُورَةُ يُونُسَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ . . . "

ج 15
ص 77

الآية المفسَّرة

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 15 · ص 77

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ( 28 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ ، تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَيَوْمَ نَجْمَعُ الْخَلْقَ لِمَوْقِفِ الْحِسَابِ جَمِيعًا ، ثُمَّ نَقُولُ حِينَئِذٍ لِلَّذِينِ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ : ( مَكَانَكُمْ ) ، أَيِ : [15/78]امْكُثُوا مَكَانَكُمْ ، وَقِفُوا فِي مَوْضِعِكُمْ أَنْتُمْ ، أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ ، وَشُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ، يَقُولُ : فَفَرَقْنَا بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ وَمَا أَشْرَكُوهُ بِهِ .
[ مِنْ قَوْلِهِمْ : " زِلْتُ الشَّيْءَ أُزِيلُهُ " إِذَا فَرَقْتُ بَيْنَهُ ] وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَأَبَنْتُهُ مِنْهُ . وَقَالَ : " فَزَيَّلْنَا " إِرَادَةَ تَكْثِيرِ الْفِعْلِ وَتَكْرِيرِهِ ، وَلَمْ يُقَلْ : " فَزِلْنَا بَيْنَهُمْ " .
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ : ( فَزَايَلْنَا بَيْنَهُمْ ) ، كَمَا قِيلَ : وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ ، [ سُورَةُ لُقْمَانَ : 18 ] ، وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا فِي " فَعَّلْتُ " يُلْحِقُونَ فِيهَا أَحْيَانًا أَلِفًا مَكَانَ التَّشْدِيدِ ، فَيَقُولُونَ : " فَاعَلْتُ " إِذَا كَانَ الْفِعْلُ لِوَاحِدٍ . وَأَمَّا إِذَا كَانَ لِاثْنَيْنِ ، فَلَا تَكَادُ تَقُولُ إِلَّا " فَاعَلْتُ " .
وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ، وَذَلِكَ حِينَ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ ، لَمَّا قِيلَ لِلْمُشْرِكِينَ : " اتَّبِعُوا مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ " وَنُصِبَتْ لَهُمْ آلِهَتُهُمْ ، قَالُوا : " كُنَّا نَعْبُدُ هَؤُلَاءِ " ! ، فَقَالَتِ الْآلِهَةُ لَهُمْ : مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ كَمَا :
17648 - حُدِّثْتُ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَةٌ فِيهَا شِدَّةٌ ، تُنْصَبُ لَهُمُ الْآلِهَةُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ ، فَيُقَالُ : " هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ " فَتَقُولُ الْآلِهَةُ : " وَاللَّهِ مَا كُنَّا نَسْمَعُ وَلَا نُبْصِرُ وَلَا نَعْقِلُ ، وَلَا نَعْلَمُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَنَا " ! فَيَقُولُونَ : " وَاللَّهِ لَإِيَّاكُمْ [15/79]كُنَّا نَعْبُدُ " فَتَقُولُ لَهُمُ الْآلِهَةُ : فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ .
17649 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ قَالَ : فَرَقْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ قَالُوا : بَلَى ، قَدْ كُنَّا نَعْبُدُكُمْ! فَقَالُوا : كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لِغَافِلِينَ ، مَا كُنَّا نَسْمَعُ وَلَا نُبْصِرُ وَلَا نَتَكَلَّمُ! فَقَالَ اللَّهُ : هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ ، الْآيَةَ .
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّلُ " الْحَشْرَ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، الْمَوْتَ .
17650 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ : سَمِعْتُهُمْ يَذْكُرُونَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ، قَالَ : الْحَشْرُ الْمَوْتُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِهِ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ يَقُولُ يَوْمَئِذٍ لِلَّذِينِ أَشْرَكُوا مَا ذَكَرَ أَنَّهُ يَقُولُ لَهُمْ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ كَائِنٍ فِي الْقَبْرِ ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَمَّا يُقَالُ لَهُمْ ، وَيَقُولُونَ فِي الْمَوْقِفِ بَعْدَ الْبَعْثِ .