تفسير الطبري

تفسير سُورَةُ يُونُسَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ . . . "

ج 15
ص 41

الآية المفسَّرة

قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 15 · ص 41

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ( 16 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ ، مُعَرِّفَهُ الْحُجَّةَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالُوا لَهُ : ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ ( قُلْ ) لَهُمْ ، يَا مُحَمَّدُ (نبي) لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ أَيْ : مَا تَلَوْتُ هَذَا الْقُرْآنَ عَلَيْكُمْ ، أَيُّهَا النَّاسُ ، بِأَنْ كَانَ لَا يُنَزِّلُهُ عَلِيَّ فَيَأْمُرُنِي بِتِلَاوَتِهِ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ ، يَقُولُ : وَلَا أُعْلِمُكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ يَقُولُ : فَقَدْ مَكَثْتُ فِيكُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ أَتْلُوَهُ عَلَيْكُمْ ، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ يُوحِيَهُ إِلَيَّ رَبِّي أَفَلا تَعْقِلُونَ ، أَنِّي لَوْ كُنْتُ مُنْتَحِلًا مَا لَيْسَ لِي مِنَ الْقَوْلِ ، كُنْتُ قَدِ انْتَحَلْتُهُ فِي أَيَّامِ شَبَابِي وَحَدَاثَتِي ، وَقَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ؟ فَقَدْ كَانَ لِي الْيَوْمَ ، لَوْ لَمْ يُوحَ إِلَيَّ وَأُومَرْ بِتِلَاوَتِهِ عَلَيْكُمْ ، مَنْدُوحَةٌ عَنْ مُعَادَاتِكُمْ ، وَمُتَّسَعٌ ، فِي الْحَالِ الَّتِي كُنْتُ بِهَا [15/42]مِنْكُمْ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيَّ وَأُومِرَ بِتِلَاوَتِهِ عَلَيْكُمْ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
17581 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ ، وَلَا أَعْلَمَكُمْ .
17582 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ ، يَقُولُ : لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يُعْلِمْكُمُوهُ .
17583 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ ، يَقُولُ : مَا حَذَّرْتُكُمْ بِهِ .
17584 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ ، وَهُوَ قَوْلُ مُشْرِكِي أَهْلِ مَكَّةَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ثُمَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ، لَبِثَ أَرْبَعِينَ سَنَةً .
17585 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ وَلَا أُعْلِمُكُمْ بِهِ .
17586 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : ( وَلَا أَدْرَأْتُكُمْ بِهِ ) ، يَقُولُ : مَا أَعْلَمَتْكُمْ بِهِ .
17587 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ ، [15/43]أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ يَقُولُ : وَلَا أَشْعَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ الَّتِي حَكَيْتُ عَنِ الْحَسَنِ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ غَلَطٌ .
وَكَانَ الْفَرَّاءُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ : قَدْ ذَكَرَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ : ( وَلَا أَدْرَأْتُكُمْ بِهِ ) . قَالَ : فَإِنْ يَكُنْ فِيهَا لُغَةٌ سِوَى " دَرَيْتُ " وَ " أَدْرَيْتُ " فَلَعَلَّ الْحَسَنَ ذَهَبَ إِلَيْهَا . وَأَمَّا أَنْ تَصْلُحَ مِنْ " دَرَيْتُ " أَوْ " أَدْرَيْتُ " فَلَا لِأَنَّ الْيَاءَ وَالْوَاوَ إِذَا انْفَتَحَ مَا قَبْلَهُمَا وَسَكَنَتَا صَحَّتَا وَلَمْ تَنْقَلِبَا إِلَى أَلْفٍ ، مِثْلُ " قَضَيْتُ " وَ " دَعَوْتُ " . وَلَعَلَّ الْحَسَنَ ذَهَبَ إِلَى طَبِيعَتِهِ وَفَصَاحَتِهِ فَهَمَزَهَا ، لِأَنَّهَا تُضَارِعُ " دَرَأَتِ الْحَدَّ " وَشِبْهَهُ . وَرُبَّمَا غَلِطَتِ الْعَرَبُ فِي الْحَرْفِ إِذَا ضَارَعَهُ آخَرُ مِنَ الْهَمْزِ فَيَهْمِزُونَ غَيْرَ الْمَهْمُوزِ . وَسَمِعْتُ امْرَأَةً مِنْ طَيٍّ تَقُولُ : " رَثَأْتُ زَوِّجِي بِأَبْيَاتٍ " وَيَقُولُونَ : " لَبَّأْتُ بِالْحَجِّ " وَ " حَلَأَتِ السَّوِيقَ " ، فَيَغْلَطُونَ ؛ لِأَنَّ " حَلَأْتَ " قَدْ يُقَالُ فِي دَفْعِ الْعِطَاشِ ، مِنَ الْإِبِلِ ، وَ " لَبَأْتُ " : ذَهَبْتُ بِهِ إِلَى " اللِّبَأِ " لِبَأِ الشَّاءِ ، وَ " رَثَأْتُ زَوْجِي " ذَهَبْتُ بِهِ إِلَى . . . . . " رَثَأْتُ اللَّبَنَ " إِذَا أَنْتِ حَلَبَتِ الْحَلِيبَ عَلَى الرَّائِبِ ، فَتِلْكَ " الرَّثِيثَةُ " .
وَكَانَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ يَقُولُ : لَا وَجْهَ لِقِرَاءَةِ الْحَسَنِ هَذِهِ لِأَنَّهَا مِنْ " أَدْرَيْتُ " مِثْلُ " أَعْطَيْتُ " إِلَّا أَنَّ لُغَةً لِبَنِي عُقَيْلٍ
: " أعطَأتُ " يُرِيدُونَ : " أَعْطَيْتُ " تُحَوِّلُ الْيَاءَ أَلْفًا ، قَالَ الشَّاعِرُ : [15/44]
لَقَدْ آذَنَتْ أَهْلُ الْيَمَامَةِ طَيِّئٌ بِحَرْبٍ كَنَاصَاةِ الْأَغَرِّ الْمُشَهَّرِ
يُرِيدُ : كَنَاصِيَةٍ ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الْمُفَضِّلِ وَقَالَ زَيْدُ الْخَيْلِ :
لَعَمْرُكَ مَا أَخْشَى التَّصَعْلُكَ مَا بَقَا عَلَى الْأَرْضِ قَيْسِيٌّ يَسُوقُ الْأَبَاعِرَا
فَقَالَ " بَقَا " وَقَالَ الشَّاعِرُ :
لَزَجَرْتُ قَلْبًا لَا يَرِيعُ لِزَاجِرٍ إِنَّ الْغَوِيَّ إِذَا نُهَا لَمْ يَعْتِبِ
يُرِيدُ " نُهِيَ " . قَالَ : وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى قِرَاءَةِ الْحَسَنِ وَهِيَ مَرْغُوبٌ عَنْهَا ، قَالَ : وَطَيِّئٌ تُصَيِّرُ كُلُّ يَاءٍ انْكَسَرَ مَا قَبْلَهَا أَلْفًا ، يَقُولُونَ : " هَذِهِ جَارَاةٌ "
وَفِي " التَّرْقُوَةِ " " تَرْقَاةٌ " وَ " الْعَرْقُوَةِ " " عَرْقَاةٌ " . قَالَ : وَقَالَ بَعْضُ طَيِّئٍ : " قَدْ لَقَتْ فَزَارَةُ " ، حَذَفَ الْيَاءِ مِنْ " لَقِيَتْ " لَمَّا لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يُحَوِّلَهَا أَلْفًا ، لِسُكُونِ التَّاءِ ، فَيَلْتَقِي سَاكِنَانِ . وَقَالَ : زَعَمَ يُونُسُ أَنَّ " نَسَا " وَ " رَضَا " لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ ، قَالَ الشَّاعِرُ : [15/45]
وَأُنْبِئْتُ بِالْأَعْرَاضِ ذَا الْبَطْنِ خَالِدًا نَسَا أَوْ تَنَاسَى أَنْ يَعُدَّ الْمَوَالِيَا
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِرَاءَةٍ ذَلِكَ أَيْضًا رِوَايَةٌ أُخْرَى ، وَهِيَ مَا :
17588 - حَدَّثَنَا بِهِ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ حَنْظَلَةَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : ( قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْذَرْتُكُمْ بِهِ ) .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا نَسْتَجِيزُ أَنْ نَعْدُوَهَا ، هِيَ الْقِرَاءَةُ الَّتِي عَلَيْهَا قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ : قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ ، بِمَعْنَى : وَلَا أَعْلَمَكُمْ بِهِ ، وَلَا أَشْعَرَكُمْ بِهِ . . .