تفسير الطبري

تَفْسِيُرُ سُورَةِ التَّوْبَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ . . . "

ج 14
ص 430

الآية المفسَّرة

وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 14 · ص 430

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : ( " 98 998 " وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 98 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَعُدُّ نَفَقَتَهُ الَّتِي يُنْفِقُهَا فِي جِهَادِ مُشْرِكٍ ، أَوْ فِي مَعُونَةِ مُسْلِمٍ ، أَوْ فِي بَعْضِ مَا نَدَبَ اللَّهُ إِلَيْهِ عِبَادَهُ ( مَغْرَمًا ) يَعْنِي : غُرْمًا لَزِمَهُ ، لَا يَرْجُو لَهُ ثَوَابًا ، وَلَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ عِقَابًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ يَقُولُ : وَيَنْتَظِرُونَ بِكُمُ الدَّوَائِرَ أَنْ تَدُورَ بِهَا الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي إِلَى مَكْرُوهٍ وَمَجِيءِ مَحْبُوبٍ ، وَغَلَبَةِ عَدُوٍّ لَكُمْ . يَقُولُ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ يَقُولُ : جَعَلَ اللَّهُ دَائِرَةَ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ ، وَنُزُولَ الْمَكْرُوهِ بِهِمْ لَا عَلَيْكُمْ - أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ - وَلَا بِكُمْ ( وَاللَّهُ سَمِيعٌ ) لِدُعَاءِ الدَّاعِينَ ( عَلِيمٌ ) بِتَدْبِيرِهِمْ ، وَمَا هُوَ بِهِمْ نَازِلٌ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ ، وَمَا هُمْ إِلَيْهِ صَائِرُونَ مِنْ أَلِيمِ عِقَابِهِ . [14/431]وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
17094 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ إِنَّمَا يُنْفِقُونَ رِيَاءً اتِّقَاءً أَنْ يُغْزَوْا أَوْ يُحَارَبُوا أَوْ يُقَاتَلُوا ، وَيَرَوْنَ نَفَقَتَهُمْ مَغْرَمًا . أَلَّا تَرَاهُ يَقُولُ : وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ؟
وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ .
فَقَرَأَ عَامَّةُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ (مكان): عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ بِفَتْحِ السِّينِ بِمَعْنَى النَّعْتِ لِ " الدَّائِرَةِ " وَإِنْ كَانَتِ " الدَّائِرَةُ " مُضَافَةً إِلَيْهِ ، كَقَوْلِهِمْ : " هُوَ رَجُلُ السَّوْءِ " " وَامْرُؤُ الصِّدْقِ " مِنْ كَأَنَّهُ إِذَا فُتِحَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : " سُؤْتُهُ أَسُوءُهُ سَوْءًا وَمَسَاءَةً وَمَسَائِيَةً .
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ (مكان)وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ : " عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السُّوءِ " بِضَمِّ السِّينِ ، كَأَنَّهُ جَعَلَهُ اسْمًا ، كَمَا يُقَالُ : عَلَيْهِ دَائِرَةُ الْبَلَاءِ وَالْعَذَابِ . وَمَنْ قَالَ : " عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السُّوءِ " فَضَمَّ لَمْ يَقِلْ : " هَذَا رَجُلُ السُّوءِ " بِالضَّمِّ ، " وَالرَّجُلُ السُّوءُ " وَقَالَ الشَّاعِرُ :
وَكُنْتُ كَذِئْبِ السَّوْءِ لَمَّا رَأَى دَمًا بِصَاحِبِهِ يَوْمًا أَحَالَ عَلَى الدَّمِ [14/432]قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِفَتْحِ السِّينِ بِمَعْنَى : عَلَيْهِمُ الدَّائِرَةُ الَّتِي تَسُوءُهُمْ سُوءًا . كَمَا يُقَالُ : " هُوَ رَجُلُ صِدْقٍ " عَلَى وَجْهِ النَّعْتِ .