تفسير الطبري

تَفْسِيُرُ سُورَةِ التَّوْبَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ . . . . "

ج 14
ص 295

الآية المفسَّرة

فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 14 · ص 295

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ( 55 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : فَلَا تُعْجِبْكَ ، يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)أَمْوَالُ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ وَلَا أَوْلَادُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْآخِرَةِ . وَقَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ التَّقْدِيمُ ، وَهُوَ مُؤَخَّرٌ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
16804 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ ، قَالَ : هَذِهِ مِنْ تَقَادِيمِ الْكَلَامِ ، [14/296]يَقُولُ : لَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْآخِرَةِ .
16805 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْآخِرَةِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، بِمَا أَلْزَمَهُمْ فِيهَا مِنْ فَرَائِضِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
16806 - حُدِّثْتُ عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ شَرِيكٍ ، عَنْ سَلْمَانَ الْأَنْصَرِيِّ ، عَنِ الْحَسَنِ : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، قَالَ : بِأَخْذِ الزَّكَاةِ وَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
16807 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، بِالْمَصَائِبِ فِيهَا ، هِيَ لَهُمْ عَذَابٌ ، وَهِيَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَجْرٌ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا ، التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنِ الْحَسَنِ . لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ التَّنْزِيلِ ، فَصَرْفُ تَأْوِيلِهِ إِلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُهُ ، أَوْلَى مِنْ صَرْفِهِ إِلَى بَاطِنٍ لَا دَلَالَةَ عَلَى صِحَّتِهِ .
وَإِنَّمَا وَجَّهَ مَنْ وَجَّهَ ذَلِكَ إِلَى التَّقْدِيمِ وَهُوَ مُؤَخَّرٌ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ لِتَعْذِيبِ اللَّهِ الْمُنَافِقِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَجْهًا يُوَجِّهُهُ إِلَيْهِ ، وَقَالَ : كَيْفَ يُعَذِّبُهُمْ [14/297]بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا ، وَهِيَ لَهُمْ فِيهَا سُرُورٌ؟ وَذَهَبَ عَنْهُ تَوْجِيهُهُ إِلَى أَنَّهُ مِنْ عَظِيمِ الْعَذَابِ عَلَيْهِ إِلْزَامُهُ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِيهَا مِنْ حُقُوقِهِ وَفَرَائِضِهِ ، إِذْ كَانَ يَلْزَمُهُ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ وَهُوَ غَيْرُ طَيِّبِ النَّفْسِ ، وَلَا رَاجٍ مِنَ اللَّهِ جَزَاءً ، وَلَا مِنَ الْآخِذِ مِنْهُ حَمْدًا وَلَا شُكْرًا ، عَلَى ضَجَرٍ مِنْهُ وَكُرْهٍ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي وَتَخْرُجَ أَنْفُسُهُمْ ، فَيَمُوتُوا عَلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ ، وَجُحُودِهِمْ نُبُوَّةَ نَبِيِّ اللَّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
يُقَالُ مِنْهُ : " زَهَقَتْ نَفْسُ فُلَانٍ ، وَزَهِقَتْ " ، فَمَنْ قَالَ : " زَهَقَتْ " قَالَ : " تَزْهَقُ " ، وَمَنْ قَالَ : " زَهِقَتْ " ، قَالَ : " تَزْهِقُ " ، " زُهُوقًا " ، وَمِنْهُ قِيلَ : " زَهَقَ فُلَانٌ بَيْنَ أَيْدِي الْقَوْمِ يَزْهَقُ زُهُوقًا " إِذَا سَبَقَهُمْ فَتَقَدَّمَهُمْ . وَيُقَالُ : " زَهَقَ الْبَاطِلُ " ، إِذَا ذَهَبَ وَدَرَسَ .