النص
[14/278]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 47 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : لَوْ خَرَجَ ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، فِيكُمْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا ، يَقُولُ : لَمْ يَزِيدُوكُمْ بِخُرُوجِهِمْ فِيكُمْ إِلَّا فَسَادًا وَضُرًّا ، وَلِذَلِكَ ثَبَّطْتُهُمْ عَنِ الْخُرُوجِ مَعَكُمْ .
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى " الْخَبَالِ " ، بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ .
وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ ، يَقُولُ : وَلَأَسْرَعُوا بِرَكَائِبِهِمُ السَّيْرَ بَيْنَكُمْ .
وَأَصْلُهُ مِنَ " إِيضَاعِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ " ، وَهُوَ الْإِسْرَاعُ بِهَا فِي السَّيْرِ ، يُقَالُ لِلنَّاقَةِ إِذَا أَسْرَعَتِ السَّيْرَ : " وَضَعَتِ النَّاقَةُ تَضَعُ وَضْعًا وَمَوْضُوعًا " ، وَ " أَوْضَعَهَا صَاحِبُهَا " ، إِذَا جَدَّ بِهَا وَأَسْرَعَ ، " يُوضِعُهَا إِيضَاعًا " ، وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ :
يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعْ أَخُبُّ فِيهَا وَأَضَعْ [14/279]
وَأَمَّا أَصْلُ " الْخِلَالِ " ، فَهُوَ مِنْ " الْخَلَلِ " ، وَهِيَ الْفُرَجُ تَكُونُ بَيْنَ الْقَوْمِ ، فِي الصُّفُوفِ وَغَيْرِهَا . وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " تَرَاصُّوا فِي الصُّفُوفِ لَا يَتَخَلَّلْكُمْ [ الشَّيَاطِينُ ، كَأَنَّهَا ] أَوْلَادُ الْحَذْفِ " .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ، فَإِنَّ مَعْنَى : " يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ " ، يَطْلُبُونَ لَكُمْ مَا تُفْتَنُونَ بِهِ ، عَنْ مَخْرَجِكُمْ فِي مَغْزَاكُمْ ، بِتَثْبِيطِهِمْ إِيَّاكُمْ عَنْهُ .
يُقَالُ مِنْهُ : " بَغَيْتُهُ الشَّرَّ " ، وَ " بَغَيْتُهُ الْخَيْرَ " " أَبْغِيهِ بُغَاءً " ، إِذَا الْتَمَسْتُهُ لَهُ ، بِمَعْنَى : " بَغَيْتُ لَهُ " ، وَكَذَلِكَ " عَكَمْتُكَ " وَ " حَلَبْتُكَ " ، بِمَعْنَى : " حَلَبْتُ لَكَ " ، وَ " عَكَمْتُ لَكَ " ، وَإِذَا أَرَادُوا : أَعَنْتُكَ عَلَى الْتِمَاسِهِ وَطَلَبِهِ ، قَالُوا : " أَبْغَيْتُكَ كَذَا " ، وَ " أَحْلَبْتُكَ " ، وَ " أَعْكَمْتُكَ " ، أَيْ : أَعَنْتُكَ عَلَيْهِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
16771 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ [14/280]مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ ، بَيْنَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ، بِذَلِكَ .
16772 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلَهُ : وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ ، يَقُولُ : [ وَلَأَوْضَعُوا بَيْنَكُمْ ] ، خِلَالَكُمْ بِالْفِتْنَةِ .
16773 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ، يُبَطِّئُونَكُمْ قَالَ : رِفَاعَةُ بْنُ التَّابُوتِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ ، وَأَوْسُ بْنُ قَيْظِيِّ .
16774 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ ، قَالَ : لَأَسْرَعُوا الْأَزِقَّةَ خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ، يُبَطِّئُونَكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ ، وَرِفَاعَةُ بْنُ تَابُوتَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ .
16775 - . . . . . . قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ ، قَالَ : لَأَسْرَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ بِذَلِكَ .
16776 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا ، قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ (مكان). يُسَلِّي اللَّهُ عَنْهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ : وَمَا يُحْزِنُكُمْ؟ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا ، ! يَقُولُونَ : " قَدْ جُمِعَ لَكُمْ ، وَفُعِلَ وَفُعِلَ ، يُخَذِّلُونَكُمْ " وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ : الْكُفْرَ . [14/281]
وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لِحَدِيثِكُمْ لَهُمْ ، يُؤَدُّونَهُ إِلَيْهِمْ ، عُيُونٌ لَهُمْ عَلَيْكُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
16777 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ، يُحَدِّثُونَ أَحَادِيثَكُمْ ، عُيُونٌ غَيْرُ مُنَافِقِينَ .
16778 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ، قَالَ : مُحَدِّثُونَ ، عُيُونٌ ، غَيْرُ الْمُنَافِقِينَ .
16779 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ، يَسْمَعُونَ مَا يُؤَدُّونَهُ لِعَدُوِّكُمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَفِيكُمْ مَنْ يَسْمَعُ كَلَامَهُمْ وَيُطِيعُ لَهُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
16780 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ، وَفِيكُمْ مَنْ يَسْمَعُ كَلَامَهُمْ .
16781 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : كَانَ الَّذِينَ اسْتَأْذَنُوا ، فِيمَا بَلَغَنِي مِنْ ذَوِي الشَّرَفِ ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ ، وَالْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ ، وَكَانُوا أَشْرَافًا فِي قَوْمِهِمْ ، فَثَبَّطَهُمُ اللَّهُ ، لِعِلْمِهِ بِهِمْ : أَنْ يَخْرُجُوا مَعَهُمْ ، فَيُفْسِدُوا عَلَيْهِ جُنْدَهُ . وَكَانَ فِي جُنْدِهِ قَوْمٌ أَهْلُ مَحَبَّةٍ لَهُمْ وَطَاعَةٍ فِيمَا يَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ ، لِشَرَفِهِمْ فِيهِمْ ، فَقَالَ : وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ . [14/282]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ : وَفِيكُمْ أَهْلُ سَمْعٍ وَطَاعَةٍ مِنْكُمْ ، لَوْ صَحِبُوكُمْ أَفْسَدُوهُمْ عَلَيْكُمْ ، بِتَثْبِيطِهِمْ إِيَّاهُمْ عَنِ السَّيْرِ مَعَكُمْ .
وَأَمَّا عَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ : وَفِيكُمْ مِنْهُمْ سَمَّاعُونَ يَسْمَعُونَ حَدِيثَكُمْ لَهُمْ ، فَيُبَلِّغُونَهُمْ وَيُؤَدُّونَهُ إِلَيْهِمْ ، عُيُونٌ لَهُمْ عَلَيْكُمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ، تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : " وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لِحَدِيثِكُمْ لَهُمْ ، يُبَلِّغُونَهُ عَنْكُمْ ، عُيُونٌ لَهُمْ " ، لِأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ فِي قَوْلِهِمْ : " سَمَّاعٌ " ، وَصْفُ مَنْ وُصِفَ بِهِ أَنَّهُ سَمَّاعٌ لِلْكَلَامِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 41 ] ، وَاصِفًا بِذَلِكَ قَوْمًا بِسَمَاعِ الْكَذِبِ مِنَ الْحَدِيثِ . وَأَمَّا إِذَا وَصَفُوا الرَّجُلَ بِسَمَاعِ كَلَامِ الرَّجُلِ وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَقَبُولِهِ مِنْهُ وَانْتِهَائِهِ إِلَيْهِ فَإِنَّمَا تَصِفُهُ بِأَنَّهُ : " لَهُ سَامِعٌ وَمُطِيعٌ " ، وَلَا تَكَادُ تَقُولُ : " هُوَ لَهُ سَمَّاعٌ مُطِيعٌ " .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ : وَاللَّهُ ذُو عِلْمٍ بِمَنْ يُوَجِّهُ أَفْعَالَهُ إِلَى غَيْرِ وُجُوهِهَا ، وَيَضَعُهَا فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهَا ، وَمَنْ يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُذْرٍ ، وَمَنْ يَسْتَأْذِنُهُ شَكًّا فِي الْإِسْلَامِ وَنِفَاقًا ، وَمَنْ يَسْمَعُ حَدِيثَ الْمُؤْمِنِينَ لِيُخْبِرَ بِهِ الْمُنَافِقِينَ ، وَمَنْ يَسْمَعُهُ لِيُسَرَّ بِمَا سُرَّ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ ، وَيُسَاءُ بِمَا سَاءَهُمْ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ سَرَائِرَ خَلْقِهِ وَعَلَانِيَتِهِمْ .
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى " الظُّلْمِ " فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : لَوْ خَرَجَ ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، فِيكُمْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا ، يَقُولُ : لَمْ يَزِيدُوكُمْ بِخُرُوجِهِمْ فِيكُمْ إِلَّا فَسَادًا وَضُرًّا ، وَلِذَلِكَ ثَبَّطْتُهُمْ عَنِ الْخُرُوجِ مَعَكُمْ .
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى " الْخَبَالِ " ، بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ .
وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ ، يَقُولُ : وَلَأَسْرَعُوا بِرَكَائِبِهِمُ السَّيْرَ بَيْنَكُمْ .
وَأَصْلُهُ مِنَ " إِيضَاعِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ " ، وَهُوَ الْإِسْرَاعُ بِهَا فِي السَّيْرِ ، يُقَالُ لِلنَّاقَةِ إِذَا أَسْرَعَتِ السَّيْرَ : " وَضَعَتِ النَّاقَةُ تَضَعُ وَضْعًا وَمَوْضُوعًا " ، وَ " أَوْضَعَهَا صَاحِبُهَا " ، إِذَا جَدَّ بِهَا وَأَسْرَعَ ، " يُوضِعُهَا إِيضَاعًا " ، وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ :
يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعْ أَخُبُّ فِيهَا وَأَضَعْ [14/279]
وَأَمَّا أَصْلُ " الْخِلَالِ " ، فَهُوَ مِنْ " الْخَلَلِ " ، وَهِيَ الْفُرَجُ تَكُونُ بَيْنَ الْقَوْمِ ، فِي الصُّفُوفِ وَغَيْرِهَا . وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " تَرَاصُّوا فِي الصُّفُوفِ لَا يَتَخَلَّلْكُمْ [ الشَّيَاطِينُ ، كَأَنَّهَا ] أَوْلَادُ الْحَذْفِ " .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ، فَإِنَّ مَعْنَى : " يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ " ، يَطْلُبُونَ لَكُمْ مَا تُفْتَنُونَ بِهِ ، عَنْ مَخْرَجِكُمْ فِي مَغْزَاكُمْ ، بِتَثْبِيطِهِمْ إِيَّاكُمْ عَنْهُ .
يُقَالُ مِنْهُ : " بَغَيْتُهُ الشَّرَّ " ، وَ " بَغَيْتُهُ الْخَيْرَ " " أَبْغِيهِ بُغَاءً " ، إِذَا الْتَمَسْتُهُ لَهُ ، بِمَعْنَى : " بَغَيْتُ لَهُ " ، وَكَذَلِكَ " عَكَمْتُكَ " وَ " حَلَبْتُكَ " ، بِمَعْنَى : " حَلَبْتُ لَكَ " ، وَ " عَكَمْتُ لَكَ " ، وَإِذَا أَرَادُوا : أَعَنْتُكَ عَلَى الْتِمَاسِهِ وَطَلَبِهِ ، قَالُوا : " أَبْغَيْتُكَ كَذَا " ، وَ " أَحْلَبْتُكَ " ، وَ " أَعْكَمْتُكَ " ، أَيْ : أَعَنْتُكَ عَلَيْهِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
16771 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ [14/280]مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ ، بَيْنَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ، بِذَلِكَ .
16772 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلَهُ : وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ ، يَقُولُ : [ وَلَأَوْضَعُوا بَيْنَكُمْ ] ، خِلَالَكُمْ بِالْفِتْنَةِ .
16773 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ، يُبَطِّئُونَكُمْ قَالَ : رِفَاعَةُ بْنُ التَّابُوتِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ ، وَأَوْسُ بْنُ قَيْظِيِّ .
16774 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ ، قَالَ : لَأَسْرَعُوا الْأَزِقَّةَ خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ، يُبَطِّئُونَكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ ، وَرِفَاعَةُ بْنُ تَابُوتَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ .
16775 - . . . . . . قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ ، قَالَ : لَأَسْرَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ بِذَلِكَ .
16776 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا ، قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ (مكان). يُسَلِّي اللَّهُ عَنْهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ : وَمَا يُحْزِنُكُمْ؟ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا ، ! يَقُولُونَ : " قَدْ جُمِعَ لَكُمْ ، وَفُعِلَ وَفُعِلَ ، يُخَذِّلُونَكُمْ " وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ : الْكُفْرَ . [14/281]
وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لِحَدِيثِكُمْ لَهُمْ ، يُؤَدُّونَهُ إِلَيْهِمْ ، عُيُونٌ لَهُمْ عَلَيْكُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
16777 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ، يُحَدِّثُونَ أَحَادِيثَكُمْ ، عُيُونٌ غَيْرُ مُنَافِقِينَ .
16778 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ، قَالَ : مُحَدِّثُونَ ، عُيُونٌ ، غَيْرُ الْمُنَافِقِينَ .
16779 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ، يَسْمَعُونَ مَا يُؤَدُّونَهُ لِعَدُوِّكُمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَفِيكُمْ مَنْ يَسْمَعُ كَلَامَهُمْ وَيُطِيعُ لَهُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
16780 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ، وَفِيكُمْ مَنْ يَسْمَعُ كَلَامَهُمْ .
16781 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : كَانَ الَّذِينَ اسْتَأْذَنُوا ، فِيمَا بَلَغَنِي مِنْ ذَوِي الشَّرَفِ ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ ، وَالْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ ، وَكَانُوا أَشْرَافًا فِي قَوْمِهِمْ ، فَثَبَّطَهُمُ اللَّهُ ، لِعِلْمِهِ بِهِمْ : أَنْ يَخْرُجُوا مَعَهُمْ ، فَيُفْسِدُوا عَلَيْهِ جُنْدَهُ . وَكَانَ فِي جُنْدِهِ قَوْمٌ أَهْلُ مَحَبَّةٍ لَهُمْ وَطَاعَةٍ فِيمَا يَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ ، لِشَرَفِهِمْ فِيهِمْ ، فَقَالَ : وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ . [14/282]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ : وَفِيكُمْ أَهْلُ سَمْعٍ وَطَاعَةٍ مِنْكُمْ ، لَوْ صَحِبُوكُمْ أَفْسَدُوهُمْ عَلَيْكُمْ ، بِتَثْبِيطِهِمْ إِيَّاهُمْ عَنِ السَّيْرِ مَعَكُمْ .
وَأَمَّا عَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ : وَفِيكُمْ مِنْهُمْ سَمَّاعُونَ يَسْمَعُونَ حَدِيثَكُمْ لَهُمْ ، فَيُبَلِّغُونَهُمْ وَيُؤَدُّونَهُ إِلَيْهِمْ ، عُيُونٌ لَهُمْ عَلَيْكُمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ، تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : " وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لِحَدِيثِكُمْ لَهُمْ ، يُبَلِّغُونَهُ عَنْكُمْ ، عُيُونٌ لَهُمْ " ، لِأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ فِي قَوْلِهِمْ : " سَمَّاعٌ " ، وَصْفُ مَنْ وُصِفَ بِهِ أَنَّهُ سَمَّاعٌ لِلْكَلَامِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 41 ] ، وَاصِفًا بِذَلِكَ قَوْمًا بِسَمَاعِ الْكَذِبِ مِنَ الْحَدِيثِ . وَأَمَّا إِذَا وَصَفُوا الرَّجُلَ بِسَمَاعِ كَلَامِ الرَّجُلِ وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَقَبُولِهِ مِنْهُ وَانْتِهَائِهِ إِلَيْهِ فَإِنَّمَا تَصِفُهُ بِأَنَّهُ : " لَهُ سَامِعٌ وَمُطِيعٌ " ، وَلَا تَكَادُ تَقُولُ : " هُوَ لَهُ سَمَّاعٌ مُطِيعٌ " .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ : وَاللَّهُ ذُو عِلْمٍ بِمَنْ يُوَجِّهُ أَفْعَالَهُ إِلَى غَيْرِ وُجُوهِهَا ، وَيَضَعُهَا فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهَا ، وَمَنْ يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُذْرٍ ، وَمَنْ يَسْتَأْذِنُهُ شَكًّا فِي الْإِسْلَامِ وَنِفَاقًا ، وَمَنْ يَسْمَعُ حَدِيثَ الْمُؤْمِنِينَ لِيُخْبِرَ بِهِ الْمُنَافِقِينَ ، وَمَنْ يَسْمَعُهُ لِيُسَرَّ بِمَا سُرَّ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ ، وَيُسَاءُ بِمَا سَاءَهُمْ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ سَرَائِرَ خَلْقِهِ وَعَلَانِيَتِهِمْ .
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى " الظُّلْمِ " فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .