تفسير الطبري

تَفْسِيُرُ سُورَةِ التَّوْبَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ . . . . "

ج 14
ص 251

الآية المفسَّرة

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 14 · ص 251

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ ( 38 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذِهِ الْآيَةُ حَثٌّ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - الْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِهِ عَلَى غَزْوِ الرُّومِ ، وَذَلِكَ غَزْوَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبُوكَ (مكان).
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ( مَا لَكُمْ ) ، أَيُّ شَيْءٍ أَمْرُكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، يَقُولُ : إِذَا قَالَ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ مُحَمَّدٌ (نبي)( انْفِرُوا ) ، أَيِ : اخْرُجُوا مِنْ مَنَازِلِكُمْ إِلَى مَغْزَاكُمْ .
وَأَصْلُ " النَّفْرِ " ، مُفَارَقَةُ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ لِأَمْرٍ هَاجَهُ عَلَى ذَلِكَ . وَمِنْهُ : " نُفُورًا الدَّابَّةُ " . غَيْرَ أَنَّهُ يُقَالُ : مِنَ النَّفْرِ إِلَى الْغَزْوِ : " نَفَرَ فُلَانٌ إِلَى ثَغْرِ كَذَا يَنْفِرُ نَفْرًا وَنَفِيرًا " ، وَأَحْسَبُ أَنَّ هَذَا مِنَ الْفُرُوقِ الَّتِي يُفَرِّقُونَ بِهَا بَيْنَ اخْتِلَافِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ ، [14/252]وَإِنِ اتَّفَقَتْ مَعَانِي الْخَبَرِ .
فَمَعْنَى الْكَلَامِ : مَا لَكَمَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، إِذَا قِيلَ لَكُمُ : اخْرُجُوا غُزَاةً " فِي سَبِيلِ اللَّهِ " ، أَيْ : فِي جِهَادِ أَعْدَاءِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ ، يَقُولُ : تَثَاقَلْتُمْ إِلَى لُزُومِ أَرْضِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ وَالْجُلُوسِ فِيهَا .
وَقِيلَ : " اثَّاقَلْتُمْ " لِإِدْغَامِ " التَّاءِ " فِي " الثَّاءِ " فَأُحْدِثَتْ لَهَا أَلِفٌ؛ لِيُتَوَصَّلَ إِلَى الْكَلَامِ بِهَا ، لِأَنَّ " التَّاءَ " مُدْغَمَةٌ فِي " الثَّاءِ " . وَلَوْ أُسْقِطَتِ الْأَلِفُ ، وَابْتُدِئَ بِهَا ، لَمْ تَكُنْ إِلَّا مُتَحَرِّكَةً ، فَأُحْدِثَتِ الْأَلِفُ لِتَقَعَ الْحَرَكَةُ بِهَا ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا ، [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 38 ] ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
تُولِي الضَّجِيعَ إِذَا مَا اسْتَافَهَا خَصِرًا عَذْبَ الْمَذَاقِ ، إِذَا مَا اتَّابَعَ الْقُبَلُ
[ فَهُوَ مِنْ " الثِّقْلِ " ، وَمَجَازُهُ مَجَازُ " افْتَعَلْتُمْ " ] ، مِنْ " التَّثَاقُلِ " .
وَقَوْلُهُ : أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ ، يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، أَرْضِيتُمْ بِحَظِّ الدُّنْيَا وَالدَّعَةِ فِيهَا ، عِوَضًا مِنْ نَعِيمِ الْآخِرَةِ ، وَمَا عِنْدَ اللَّهِ لِلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتِهِ [14/253] فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ ، يَقُولُ : فَمَا الَّذِي يَسْتَمْتِعُ بِهِ الْمُتَمَتِّعُونَ فِي الدُّنْيَا مِنْ عَيْشِهَا وَلَذَّاتِهَا فِي نَعِيمِ الْآخِرَةِ وَالْكَرَامَةِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ وَأَهْلِ طَاعَتِهِ ( إِلَّا قَلِيلٌ ) ، يَسِيرٌ . يَقُولُ لَهُمْ : فَاطْلُبُوا ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، نَعِيمَ الْآخِرَةِ ، وَشَرَفَ الْكَرَامَةِ الَّتِي عِنْدَ اللَّهِ لِأَوْلِيَائِهِ ، بِطَاعَتِهِ وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى الْإِجَابَةِ إِلَى أَمْرِهِ فِي النَّفِيرِ لِجِهَادِ عَدُوِّهِ .
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
16719 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ ، أُمِرُوا بِغَزْوَةِ تَبُوكَ (مكان)بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَبَعْدَ الطَّائِفِ (مكان)، وَبَعْدَ حُنَيْنٍ (مكان)، أُمِرُوا بِالنَّفِيرِ فِي الصَّيْفِ ، حِينَ خُرِفَتِ النَّخْلُ ، وَطَابَتِ الثِّمَارُ ، وَاشْتَهَوُا الظِّلَالَ ، وَشَقَّ عَلَيْهِمُ الْمَخْرَجُ .
16720 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ الْآيَةَ ، قَالَ : هَذَا حِينَ أُمِرُوا بِغَزْوَةِ تَبُوكَ (مكان)بَعْدَ الْفَتْحِ وَحُنَيْنٍ (مكان)وَبَعْدَ الطَّائِفِ (مكان)، أَمَرَهُمْ بِالنَّفِيرِ فِي الصَّيْفِ ، حِينَ اخْتُرِفَتِ النَّخْلُ ، وَطَابَتِ الثِّمَارُ ، وَاشْتَهَوُا الظِّلَالَ ، وَشَقَّ عَلَيْهِمُ الْمَخْرَجُ . قَالَ : فَقَالُوا : " الثَّقِيلُ " ، ذُو الْحَاجَةِ ، وَالضَّيْعَةِ ، وَالشُّغْلِ ، وَالْمُنْتَشِرُ بِهِ أَمْرُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ : انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا ، [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 41 ]