تفسير الطبري

تَفْسِيُرُ سُورَةِ التَّوْبَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ . . . . "

ج 14
ص 198

الآية المفسَّرة

قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 14 · ص 198

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ( 29 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قَاتِلُوا ) ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، الْقَوْمَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ ، يَقُولُ : وَلَا يُصَدِّقُونَ بِجَنَّةٍ وَلَا نَارٍ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ ، يَقُولُ : وَلَا يُطِيعُونَ اللَّهَ طَاعَةَ الْحَقِّ ، يَعْنِي : أَنَّهُمْ لَا يُطِيعُونَ طَاعَةَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ، وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى .
وَكُلُّ مُطِيعٍ مَلِكًا وَذَا سُلْطَانٍ ، فَهُوَ دَائِنٌ لَهُ . يُقَالُ مِنْهُ : دَانَ فُلَانٌ لِفُلَانٍ فَهُوَ يَدِينُ لَهُ ، دِينًا " ، قَالَ زُهَيْرٌ :
لَئِنَ حَلَلْتَ بِجَوٍّ فِي بَنِي أَسَدٍ فِي دِينِ عَمْرٍو وَحَالَتْ بَيْنَنَا فَدَكُ
[14/199]
وَقَوْلُهُ : مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ، يَعْنِي : الَّذِينَ أُعْطُوا كِتَابَ اللَّهِ ، وَهُمْ أَهْلُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ .
وَ " الْجِزْيَةُ " : الْفِعْلَةُ مِنْ : " جَزَى فُلَانٌ فُلَانًا مَا عَلَيْهِ " ، إِذَا قَضَاهُ ، " يَجْزِيهِ " ، وَ " الْجِزْيَةُ " مِثْلُ " الْقِعْدَةِ " وَ " الْجِلْسَةُ " .
وَمَعْنَى الْكَلَامِ : حَتَّى يُعْطُوا الْخَرَاجَ عَنْ رِقَابِهِمُ ، الَّذِي يَبْذُلُونَهُ لِلْمُسْلِمِينَ دَفْعًا عَنْهَا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( عَنْ يَدٍ ) ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : مِنْ يَدِهِ إِلَى يَدِ مَنْ يَدْفَعُهُ إِلَيْهِ .
وَكَذَلِكَ تَقُولُ الْعَرَبُ لِكُلِّ مُعْطٍ قَاهِرًا لَهُ ، شَيْئًا طَائِعًا لَهُ أَوْ كَارِهًا : " أَعْطَاهُ عَنْ يَدِهِ ، وَعَنْ يَدٍ " . وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِمْ : " كَلَّمْتُهُ فَمًا لِفَمٍ " ، وَ " لَقِيتُهُ كَفَّةً [14/200]لِكَفَّةٍ ، وَكَذَلِكَ : " أَعْطَيْتُهُ عَنْ يَدٍ لِيَدٍ " .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( وَهُمْ صَاغِرُونَ ) ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ : وَهُمْ أَذِلَّاءُ مَقْهُورُونَ .
يُقَالُ لِلذَّلِيلِ الْحَقِيرِ : " صَاغِرٌ " .
وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرِهِ بِحَرْبِ الرُّومِ ، فَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ نُزُولِهَا غَزْوَةَ تَبُوكَ (مكان).
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
16616 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ، حِينَ أُمِرَ مُحَمَّدٌ (نبي)وَأَصْحَابُهُ بِغَزْوَةِ تَبُوكَ (مكان).
16617 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، نَحْوَهُ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى " الصَّغَارِ " ، الَّذِي عَنَاهُ اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَنْ يُعْطِيَهَا وَهُوَ قَائِمٌ ، وَالْآخِذُ جَالِسٌ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
16618 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي سَعْدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ، قَالَ : [14/201]أَيْ تَأْخُذُهَا وَأَنْتَ جَالِسٌ ، وَهُوَ قَائِمٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ، عَنْ أَنْفُسِهِمْ ، بِأَيْدِيهِمْ يَمْشُونَ بِهَا ، وَهُمْ كَارِهُونَ ، وَذَلِكَ قَوْلٌ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مِنْ وَجْهٍ فِيهِ نَظَرٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ : إِعْطَاؤُهُمْ إِيَّاهَا ، هُوَ الصَّغَارُ .