تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْأَعْرَافِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ . . . . "

ج 13
ص 333

الآية المفسَّرة

إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 13 · ص 333

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ( 201 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا ، اللَّهَ مِنْ خَلْقِهِ ، فَخَافُوا عِقَابَهُ ، بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ ، وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا ، يَقُولُ : إِذَا أَلَمَّ بِهِمْ لَمَمٌ مِنَ الشَّيْطَانِ ، مِنْ غَضَبٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا [13/334]يَصُدُّ عَنْ وَاجِبِ حَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، تَذَكَّرُوا عِقَابَ اللَّهِ وَثَوَابَهُ ، وَوَعْدَهُ وَوَعِيدَهُ ، وَأَبْصَرُوا الْحَقَّ فَعَمِلُوا بِهِ ، وَانْتَهَوْا إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ فِيمَا فَرَضَ عَلَيْهِمْ ، وَتَرَكُوا فِيهِ طَاعَةَ الشَّيْطَانِ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : " طَيْفٌ " .
فَقَرَأْتُهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ (مكان): ( طَائِفٌ ) ، عَلَى مِثَالِ " فَاعِلٍ " .
وَقَرَأَهُ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ : " طَيْفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ " .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ فِي فَرْقٍ مَا بَيْنَ " الطَّائِفِ " وَ " الطَّيْفِ .
فَقَالَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ : " الطَّائِفُ " وَ " الطَّيْفُ " سَوَاءٌ ، وَهُوَ مَا كَانَ كَالْخَيَالِ وَالشَّيْءُ يُلِمُّ بِكَ . قَالَ : وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ " الطَّيْفُ " مُخَفَّفًا عَنْ " طَيِّفْ " مَثْلُ " مَيْتٍ " وَ " مَيِّتٍ " .
وَقَالَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ : " الطَّائِفُ " : مَا طَافَ بِكَ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ . وَأَمَّا " الطَّيْفُ " : فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ اللَّمَمِ وَالْمَسِّ .
وَقَالَ أُخَرُ مِنْهُمْ : " الطَّيْفُ " : اللَّمَمُ ، وَ " الطَّائِفُ " : كُلُّ شَيْءٍ طَافَ بِالْإِنْسَانِ .
وَذُكِرَ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : " الطَّيْفُ " : الْوَسْوَسَةُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ ، لِأَنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ تَأَوَّلُوا ذَلِكَ بِمَعْنَى الْغَضَبِ وَالزَّلَّةِ تَكُونُ مِنَ الْمُطِيفِ بِهِ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ ، كَانَ مَعْلُومًا إِذْ كَانَ " الطَّيْفُ " إِنَّمَا [13/335]هُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " طَافَ يُطِيفُ " أَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَمَّا يَمَسُّ الَّذِينَ اتَّقَوْا مِنَ الشَّيْطَانِ ، وَإِنَّمَا يَمَسُّهُمْ مَا طَافَ بِهِمْ مِنْ أَسْبَابِهِ ، وَذَلِكَ كَالْغَضَبِ وَالْوَسْوَسَةِ . وَإِنَّمَا يَطُوفُ الشَّيْطَانُ بِابْنِ آدَمَ لِيَسْتَزِلَّهُ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ ، أَوْ لِيُوَسْوِسَ لَهُ . وَالْوَسْوَسَةُ وَالِاسْتِزْلَالُ هُوَ " الطَّائِفُ مِنَ الشَّيْطَانِ " .
وَأَمَّا " الطَّيْفُ " فَإِنَّمَا هُوَ الْخَيَالُ ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ " طَافَ يُطِيفُ " ، وَيَقُولُ : لَمْ أَسْمَعْ فِي ذَلِكَ " طَافَ يُطِيفُ " وَيَتَأَوَّلَهُ بِأَنَّهُ بِمَعْنَى " الْمَيِّتِ " وَهُوَ مِنَ الْوَاوِ .
وَحَكَى الْبَصْرِيُّونَ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ سَمَاعًا مِنَ الْعَرَبِ : " طَافَ يُطِيفُ " ، وَ " طِفْتُ أَطِيفُ " ، وَأَنْشَدُوا فِي ذَلِكَ :
أَنَّى أَلَمَّ بِكَ الْخَيَالُ يَطِيفُ وَمَطَافُهُ لَكَ ذِكْرَةٌ وَشُعُوفُ
وَأَمَّا التَّأْوِيلُ ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : ذَلِكَ " الطَّائِفُ " هُوَ الْغَضَبُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ .
15555 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَابْنُ وَكِيعٍ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ يَمَانٍ ، عَنْ [13/336]أَشْعَثَ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنْ سَعِيدٍ : إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ قَالَ : وَ " الطَّيْفُ " : الْغَضَبُ .
15556 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : " إِذَا مَسَّهُمْ طَيْفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ " قَالَ : هُوَ الْغَضَبُ .
15557 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : الْغَضَبُ .
15558 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : إِذَا مَسَّهُمْ طَيْفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا قَالَ : هُوَ الْغَضَبُ .
15559 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ قَالَ : الْغَضَبُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ اللَّمَّةُ وَالزَّلَّةُ مِنَ الشَّيْطَانِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
15560 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلَهُ : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا ، وَ " الطَّائِفُ " : اللَّمَّةُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ .
15561 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلَهُ : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ [13/337]، يَقُولُ : نَزْغٌ مِنَ الشَّيْطَانِ ( تَذَكَّرُوا ) .
15562 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا ، يَقُولُ : إِذَا زَلُّوا تَابُوا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَانِ التَّأْوِيلَانِ مُتَقَارِبَا الْمَعْنَى ، لِأَنَّ " الْغَضَبَ " مِنِ اسْتِزْلَالِ الشَّيْطَانِ ، وَ " اللَّمَّةُ " مِنَ الْخَطِيئَةِ أَيْضًا مِنْهُ ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ طَائِفِ الشَّيْطَانِ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَلَا وَجْهَ لِخُصُوصِ مَعْنًى مِنْهُ دُونَ مَعْنًى ، بَلِ الصَّوَابُ أَنْ يَعُمَّ كَمَا عَمَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، فَيُقَالُ : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا عَرَضَ لَهُمْ عَارِضٌ مِنْ أَسْبَابِ الشَّيْطَانِ ، مَا كَانَ ذَلِكَ الْعَارِضُ ، تَذَكَّرُوا أَمْرَ اللَّهِ وَانْتَهَوْا إِلَى أَمْرِهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ هُدَى اللَّهِ وَبَيَانَهُ وَطَاعَتَهُ فِيهِ ، فَمُنْتَهُونَ عَمَّا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ طَائِفُ الشَّيْطَانِ . كَمَا : -
15563 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ، يَقُولُ : إِذَا هُمْ مُنْتَهُونَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ ، آخِذُونَ بِأَمْرِ اللَّهِ ، عَاصُونَ لِلشَّيْطَانِ .