تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْأَعْرَافِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا . . . . "

ج 13
ص 324

الآية المفسَّرة

وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 13 · ص 324

النص

[13/324]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ( 198 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ لِلْمُشْرِكِينَ : وَإِنْ تَدْعُوا ، أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ ، آلِهَتَكُمْ إِلَى الْهُدَى وَهُوَ الِاسْتِقَامَةُ إِلَى السَّدَادِ ( لَا يَسْمَعُوا ) ، يَقُولُ : لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ .
وَهَذَا خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . يَقُولُ : وَتَرَى ، يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)آلِهَتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ وَلِذَلِكَ وَحَّدَ . وَلَوْ كَانَ أَمَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِطَابِ الْمُشْرِكِينَ ، لَقَالَ : " وَتَرَوْنَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكُمْ " .
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ فِي ذَلِكَ مَا : -
15533 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ .
وَقَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُ السُّدِّيِّ هَذَا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : " هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ " ، قَوْلَ اللَّهِ : وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَسْمَعُوا . وَقَدْ كَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ فِي ذَلِكَ ، مَا : -
15534 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنْ [13/325]ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ، مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى . وَكَأَنَّ مُجَاهِدًا وَجَّهَ مَعْنَى الْكَلَامِ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ : وَتَرَى الْمُشْرِكِينَ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ فَهُوَ وَجْهٌ ، وَلَكِنَّ الْكَلَامَ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ عَنِ الْآلِهَةِ ، فَهُوَ بِوَصْفِهَا أَشْبَهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ : وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ؟ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَنْظُرُ إِلَى شَيْءٍ وَلَا يَرَاهُ ؟
قِيلَ : إِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ لِلشَّيْءِ إِذَا قَابَلَ شَيْئًا أَوْ حَاذَاهُ : " هُوَ يُنْظَرُ إِلَى كَذَا " ، وَيُقَالُ : " مَنْزِلُ فُلَانٍ يَنْظُرُ إِلَى مَنْزِلِي " إِذَا قَابَلَهُ . وَحُكِيَ عَنْهَا : " إِذَا أَتَيْتَ مَوْضِعَ كَذَا وَكَذَا ، فَنَظَرَ إِلَيْكَ الْجَبَلُ ، فَخُذْ يَمِينًا أَوْ شَمَالًا " . وَحُدِّثْتُ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ : قَالَ الْكِسَائِيُّ : " الْحَائِطُ يَنْظُرُ إِلَيْكَ " إِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْكَ حَيْثُ تَرَاهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : إِذَا نَظَرَتْ بِلَادَ بَنِي تَمِيمٍ بِعَيْنٍ أَوْ بِلَادَ بَنِي صُبَاحِ [13/326]
يُرِيدُ : تَقَابَلَ نَبْتُهَا وَعُشْبُهَا وَتَحَاذَى .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَمَعْنَى الْكَلَامِ : وَتَرَى ، يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)آلِهَةَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ ، يُقَابِلُونَكَ وَيُحَاذُونَكَ ، وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَكَ ، لِأَنَّهُ لَا أَبْصَارَ لَهُمْ . وَقِيلَ : " وَتَرَاهُمْ " ، وَلَمْ يَقُلْ : " وَتَرَاهَا " ، لِأَنَّهَا صُوَرٌ مُصَوَّرَةٌ عَلَى صُوَرِ بَنِي آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ .