تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْأَعْرَافِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا . . . . "

ج 13
ص 118

الآية المفسَّرة

وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 13 · ص 118

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( 149 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ " ، : وَلَمَّا نَدِمَ الَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ الَّذِي وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ صِفَتَهُ ، عِنْدَ رُجُوعِ مُوسَى (نبي)إِلَيْهِمْ ، وَاسْتَسْلَمُوا لِمُوسَى (نبي)وَحُكْمِهِ فِيهِمْ .
وَكَذَلِكَ تَقُولُ الْعَرَبُ لِكُلِّ نَادِمٍ عَلَى أَمْرٍ فَاتَ مِنْهُ أَوْ سَلَفَ ، وَعَاجِزٍ عَنْ شَيْءٍ : " قَدْ سُقِطَ فِي يَدَيْهِ " وَ " أَسْقَطَ " ، لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ ، وَأَصْلُهُ مِنَ الِاسْتِئْسَارِ ، وَذَلِكَ أَنْ يَضْرِبَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ أَوْ يَصْرَعَهُ ، فَيَرْمِيَ بِهِ مِنْ يَدَيْهِ إِلَى الْأَرْضِ لِيَأْسِرَهُ ، [13/119]فَيُكَتِّفُهُ . فَالْمَرْمِيُّ بِهِ مَسْقُوطٌ فِي يَدَيِ السَّاقِطِ بِهِ . فَقِيلَ لِكُلِّ عَاجِزٍ عَنْ شَيْءٍ ، وَضَارِعٍ لِعَجْزِهِ ، مُتَنَدِّمٍ عَلَى مَا قَالَهُ : " سَقَطَ فِي يَدَيْهِ " وَ " أَسْقَطَ " .
وَعَنَى بِقَوْلِهِ : " وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا " ، وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ جَارُوا عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ ، وَذَهَبُوا عَنْ دِينِ اللَّهِ ، وَكَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ، قَالُوا تَائِبِينَ إِلَى اللَّهِ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ مِنْ كُفْرِهِمْ بِهِ : " لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ " .
ثُمَّ اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قَرَاءَةِ ذَلِكَ .
فَقَرَأَهُ بَعْضُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ (مكان)وَالْكُوفَةِ (مكان)وَالْبَصْرَةِ (مكان): لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا بِالرَّفْعِ ، عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ .
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ : ( لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنَا رَبَّنَا ) ، بِالنَّصْبِ ، بِتَأْوِيلِ : لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنَا يَا رَبَّنَا عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ مِنْهُمْ لِرَبِّهِمْ . وَاعْتَلَّ قَارِئُو ذَلِكَ كَذَلِكَ بِأَنَّهُ فِي إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ : ( قَالُوا رَبَّنَا لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنَا رَبَّنَا وَتَغْفِرْ لَنَا ) ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى الْخِطَابِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ ، الْقِرَاءَةُ عَلَى وَجْهِ [13/120]الْخَبَرِ بِالْيَاءِ فِي ( يَرْحَمْنَا ) ، وَبِالرَّفْعِ فِي قَوْلِهِ : ( رَبُّنَا ) ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذَلِكَ مَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مُوَجَّهًا إِلَى الْخِطَابِ .
وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي حَكَيْتُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قِرَاءَتِهَا : ( قَالُوا رَبَّنَا لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنَا ) ، لَا نَعْرِفُ صِحَّتَهَا مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ إِلَيْهِ .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا ، : لَئِنْ لَمْ يَتَعَطَّفْ عَلَيْنَا رَبُّنَا بِالتَّوْبَةِ بِرَحْمَتِهِ ، وَيَتَغَمَّدْ بِهَا ذُنُوبَنَا ، لَنَكُونَنَّ مِنَ الْهَالِكِينَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ .