تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْأَعْرَافِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ . . . . "

ج 12
ص 373

الآية المفسَّرة

يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 12 · ص 373

النص

[12/373]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ( 27 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : يَا بَنِي آدَمَ ، لَا يَخْدَعَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ فَيُبْدِي سَوْآتِكُمْ لِلنَّاسِ بِطَاعَتِكُمْ إِيَّاهُ عِنْدَ اخْتِبَارِهِ لَكُمْ ، كَمَا فَعَلَ بِأَبَوَيْكُمْ آدَمَ (نبي)وَحَوَّاءَ عِنْدَ اخْتِبَارِهِ إِيَّاهُمَا فَأَطَاعَاهُ وَعَصَيَا رَبَّهُمَا ، فَأَخْرَجَهُمَا - بِمَا سَبَّبَ لَهُمَا مِنْ مَكْرِهِ وَخُدَعِهِ - مِنَ الْجَنَّةِ ، وَنَزَعَ عَنْهُمَا مَا كَانَ أَلْبَسَهُمَا مِنَ اللِّبَاسِ ، لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا بِكَشْفِ عَوْرَتِهِمَا ، وَإِظْهَارِهَا لِأَعْيُنِهِمَا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُسْتَتِرَةً .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ مَعْنَى " الْفِتْنَةِ " ، الِاخْتِبَارُ وَالِابْتِلَاءُ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ .
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ " اللِّبَاسِ " الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ نَزَعَهُ عَنْ أَبَوَيْنَا ، وَمَا كَانَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ ذَلِكَ أَظْفَارًا .
ذِكْرُ مَنْ لَمْ يُذْكَرْ قَوْلُهُ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فِي ذَلِكَ :
14451 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : يَنْـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ، قَالَ : لِبَاسَ كُلِّ دَابَّةٍ مِنْهَا ، وَلِبَاسُ الْإِنْسَانِ الظُّفْرُ ، فَأَدْرَكَتْ آدَمَ (نبي)التَّوْبَةُ عِنْدَ ظُفُرِهِ أَوْ قَالَ : أَظْفَارِهِ .
14452 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ ، عَنْ [12/374]نَضْرٍ أَبِي عُمَرَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : تُرِكَتْ أَظْفَارُهُ عَلَيْهِ زِينَةً وَمَنَافِعَ ، فِي قَوْلِهِ : يَنْـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا .
14453 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْقُرَشِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْوَزِيرِ قَالَ ، أَخْبَرَنَا مُخَلَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : يَنْـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ، قَالَ : كَانَ لِبَاسُهُمَا الظُّفْرَ ، فَلَمَّا أَصَابَا الْخَطِيئَةَ نُزِعَ عَنْهُمَا ، وَتُرِكَتِ الْأَظْفَارُ تَذْكِرَةً وَزِينَةً .
14454 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحِمَّانِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ : يَنْـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ، قَالَ : كَانَ لِبَاسُهُ الظُّفْرَ ، فَانْتَهَتْ تَوْبَتُهُ إِلَى أَظْفَارِهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَ لِبَاسَهُمَا نُورًا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
14455 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ : يَنْـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ، النُّورَ .
14456 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ ، سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : يَنْـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ، قَالَ : كَانَ لِبَاسُ آدَمَ (نبي)وَحَوَّاءَ نُورًا عَلَى فُرُوجِهِمَا ، لَا يَرَى هَذَا عَوْرَةَ هَذِهِ ، وَلَا هَذِهِ عَوْرَةَ هَذَا . [12/375]
وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ : يَنْـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ، يَسْلُبُهُمَا تَقْوَى اللَّهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
14457 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : يَنْـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ، قَالَ : التَّقْوَى .
14458 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : يَنْـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ، قَالَ : التَّقْوَى .
14459 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحِمَّانِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَذَّرَ عِبَادَهُ أَنْ يَفْتِنَهُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا فَتَنَ أَبَوَيْهِمْ آدَمَ (نبي)وَحَوَّاءَ ، وَأَنْ يُجَرِّدَهُمْ مِنْ لِبَاسِ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَيْهِمْ ، كَمَا نَزَعَ عَنْ أَبَوَيْهِمْ لِبَاسَهُمَا . " اللِّبَاسُ " الْمُطْلَقُ مِنَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ إِلَى شَيْءٍ فِي مُتَعَارَفِ النَّاسِ ، وَهُوَ مَا اجْتَابَ فِيهِ اللَّابِسُ مِنْ أَنْوَاعِ الكُسَى ، أَوْ غَطَّى بَدَنَهُ أَوْ بَعْضَهُ .
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَالْحَقُّ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ آدَمَ (نبي)وَحَوَّاءَ مِنْ لِبَاسِهِمَا الَّذِي نَزَعَهُ عَنْهُمَا الشَّيْطَانُ ، هُوَ بَعْضُ مَا كَانَا يُوَارِيَانِ بِهِ أَبْدَانَهُمَا وَعَوْرَتَهُمَا . أَخْبَرَنَا [12/376]وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ ظُفُرًا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَانَ ذَلِكَ نُورًا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ ذَلِكَ وَلَا خَبَرَ عِنْدَنَا بِأَيِ ذَلِكَ تَثْبُتُ بِهِ الْحُجَّةُ ، فَلَا قَوْلَ فِي ذَلِكَ أَصْوَبُ مِنْ أَنْ يُقَالَ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَنْـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا .
وَأَضَافَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِلَى إِبْلِيسَ إِخْرَاجَ آدَمَ (نبي)وَحَوَّاءَ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَنَزْعَ مَا كَانَ عَلَيْهِمَا مِنَ اللِّبَاسِ عَنْهُمَا ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ هُوَ الْفَاعِلُ ذَلِكَ بِهِمَا عُقُوبَةً عَلَى مَعْصِيَتِهِمَا إِيَّاهُ ، إِذْ كَانَ الَّذِي كَانَ مِنْهُمَا فِي ذَلِكَ عَنْ تَسْنِيَةِ ذَلِكَ لَهُمَا بِمَكْرِهِ وَخِدَاعِهِ ، فَأُضِيفَ إِلَيْهِ أَحْيَانًا بِذَلِكَ الْمَعْنَى ، وَإِلَى اللَّهِ أَحْيَانًا بِفِعْلِهِ ذَلِكَ بِهِمَا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ( 27 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ : إِنَّ الشَّيْطَانَ يَرَاكُمْ هُوَ ، وَ " الْهَاءُ " فِي " إِنَّهُ " عَائِدَةٌ عَلَى الشَّيْطَانِ وَ " قَبِيلِهِ " ، يَعْنِي : وَصِنْفُهُ وَجِنْسُهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُ وَاحِدٌ جَمَعَ جِيلًا وَهُمُ الْجِنُّ ، كَمَا : -
14460 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ ، قَالَ : الْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ . [12/377]
14461 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ ، قَالَ : " قَبِيلُهُ " ، نَسْلُهُ .
وَقَوْلُهُ : مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ، يَقُولُ : مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَ أَنْتُمْ ، أَيُّهَا النَّاسُ ، الشَّيْطَانَ وَقَبِيلَهُ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ، يَقُولُ : جَعَلَنَا الشَّيَاطِينَ نُصَرَاءَ الْكُفَّارِ الَّذِينَ لَا يُوَحِّدُونَ اللَّهَ وَلَا يُصَدِّقُونَ رُسُلَهُ .