تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْأَعْرَافِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا . . . . "

ج 12
ص 346

الآية المفسَّرة

فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 12 · ص 346

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا ( 20 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : فَوَسْوَسَ لَهُمَا ، فَوَسْوَسَ إِلَيْهِمَا ، وَتِلْكَ " الْوَسْوَسَةُ " كَانَتْ قَوْلَهُ لَهُمَا : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ، وَإِقْسَامَهُ لَهُمَا عَلَى ذَلِكَ .
وَقِيلَ : " وَسُوسَ لَهُمَا " ، وَالْمَعْنَى مَا ذَكَرْتُ ، كَمَا قِيلَ : " غَرِضْتُ إِلَيْهِ " ، بِمَعْنَى : اشْتَقْتُ إِلَيْهِ ، وَإِنَّمَا تَعْنِي : غَرِضْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ إِلَيْهِ . فَكَذَلِكَ مَعْنَى ذَلِكَ . [12/347]
فَوَسْوَسَ مِنْ نَفْسِهِ إِلَيْهِمَا الشَّيْطَانُ بِالْكَذِبِ مِنَ الْقِيلِ ، لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا ، كَمَا قَالَ رُؤْبَةُ :
وَسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصًا رَبَّ الفَلَقْ
وَمَعْنَى الْكَلَامِ : فَجَذَبَ إِبْلِيسُ إِلَى آدَمَ (نبي)حَوَّاءَ ، وَأَلْقَى إِلَيْهِمَا : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ أَكْلِ ثَمَرِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ ، إِلَّا أَنَّ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وَارَاهُ اللَّهُ عَنْهُمَا مِنْ عَوْرَاتِهِمَا فَغَطَّاهُ بِسِتْرِهِ الَّذِي سَتَرَهُ عَلَيْهِمَا .
وَكَانَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ يَقُولُ فِي السِّتْرِ الَّذِي كَانَ اللَّهُ سَتَرَهُمَا بِهِ ، مَا : -
14393 - حَدَّثَنِي بِهِ حُوْثَرَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِنْقَرِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنِ ابْنِ مُنَبِّهٍ ، فِي قَوْلِهِ : فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا ، قَالَ : كَانَ عَلَيْهِمَا نُورٌ ، لَا تُرَى سَوْآتُهُمَا .
[12/348]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ( 20 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَقَالَ الشَّيْطَانُ لِآدَمَ (نبي)وَزَوْجَتِهِ حَوَّاءَ : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ أَنْ تَأْكُلَا ثَمَرَهَا ، إِلَّا لِئَلَّا تَكُونَا مَلَكَيْنِ .
وَأُسْقِطَتْ " لَا " مِنَ الْكَلَامِ ، لِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ عَلَيْهَا ، كَمَا أُسْقِطَتْ مِنْ قَوْلِهِ : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ، [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 176 ] . وَالْمَعْنَى : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ لَا تَضِلُّوا .
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَزْعُمُ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا كَرَاهَةَ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ ، كَمَا يُقَالُ : " إِيَّاكَ أَنْ تَفْعَلَ " كَرَاهِيَةَ أَنْ تَفْعَلَ .
" أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ " ، فِي الْجَنَّةِ ، الْمَاكِثِيْنَ فِيهَا أَبَدًا ، فَلَا تَمُوتَا .
وَالْقِرَاءَةُ عَلَى فَتْحِ " اللَّامِ " ، بِمَعْنَى : مَلَكَيْنِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ .
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مَا : -
14394 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَمَّادٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِيسَى الْأَعْمَى ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ : " إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلِكَيْنِ " ، بِكَسْرِ " اللَّامِ " .
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، مَا : - [12/349]
14395 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ ، حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنْ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ حَكِيمٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّهُ قَرَأَهَا : " مَلِكَيْنِ " ، بِكَسْرِ " اللَّامِ " .
وَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَيَحْيَى وَجَّهَا تَأْوِيلَ الْكَلَامِ إِلَى أَنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ لَهُمَا : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنَّ تَكُونَا مَلِكَيْنِ مِنَ الْمُلُوكِ وَأَنَّهُمَا تَأَوَّلَا فِي ذَلِكَ قَوْلَ اللَّهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى ، [ سُورَةُ طه : 120 ] .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا أَسْتَجِيزُ الْقِرَاءَةَ فِي ذَلِكَ بِغَيْرِهَا ، الْقِرَاءَةُ الَّتِي عَلَيْهَا قَرَأَةُ الْأَمْصَارِ وَهِيَ ، فَتْحُ " اللَّامِ " مِنْ : " مَلَكَيْنِ " ، بِمَعْنَى : مَلَكَيْنِ ، مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، لِمَا قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ بَيَانِنَا فِي أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مُسْتَفِيضًا فِي قَرَأَةِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْقِرَاءَةِ ، فَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ .