تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْأَعْرَافِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ "

ج 12
ص 342

الآية المفسَّرة

قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 12 · ص 342

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا ( 18 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ إِحْلَالِهِ بِالْخَبِيثِ عَدُوِّ اللَّهِ مَا أَحَلَّ بِهِ مِنْ نِقْمَتِهِ وَلَعْنَتِهِ ، وَطَرْدِهِ إِيَّاهُ عَنْ جَنَّتِهِ ، إِذْ عَصَاهُ وَخَالَفَ أَمْرَهُ ، وَرَاجَعَهُ مِنَ الْجَوَابِ بِمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُرَاجَعَتُهُ بِهِ . يَقُولُ : قَالَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ : ( اخْرُجْ مِنْهَا ) ، أَيْ مِنَ الْجَنَّةِ مَذْءُومًا مَدْحُورًا ، يَقُولُ : مَعِيبًا .
وَ " الذَّأْمُ " ، الْعَيْبُ . يُقَالُ مِنْهُ : " ذَأَمَهُ يَذْأَمُهُ ذَأْمًا فَهُوَ مَذْءُومٌ " ، وَيَتْرُكُونَ الْهَمْزَ فَيَقُولُونَ : ذِمْتُهُ أَذَيَمُهُ ذَيْمًا وَذَامًا " ، وَ " الذَّأْمُ " وَ " الذَّيْمُ " ، أَبْلَغُ فِي الْعَيْبِ مِنَ " الذَّمِّ " ، وَقَدْ أَنْشَدَ بَعْضُهُمْ هَذَا الْبَيْتَ :
[12/343]صَحِبْتُكَ إِذْ عَيْنِي عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ فَلَمَّا انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نَفْسِي أَذِيمُهَا
وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَلَى إِنْشَادِهِ " أَلُومُهَا " .
وَأَمَّا الْمَدْحُورُ : فَهُوَ الْمُقْصَى ، يُقَالُ : " دَحْرَهُ يَدْحَرُهُ دَحْرًا وَدُحُورًا " ، إِذَا أَقْصَاهُ وَأَخْرَجَهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : " ادْحَرْ عَنْكَ الشَّيْطَانَ " .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
14384 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا ، يَقُولُ : اخْرُجْ مِنْهَا لَعِينًا مَنْفِيًّا .
14385 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " مَذْءُومًا " مَمْقُوتًا .
14386 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبَى قَالَ ، حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا ، يَقُولُ : صَغِيرًا مَنْفِيًّا .
14387 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلُهُ : اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا ، أَمَّا " مَذْءُومًا " ، فَمَنْفِيًّا ، وَأَمَّا " مَدْحُورًا " ، فَمَطْرُودًا .
14388 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( مَذْءُومًا ) ، قَالَ : مَنْفِيًّا ( مَدْحُورًا ) ، قَالَ : مَطْرُودًا .
14389 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي [12/344]جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلُهُ : اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا ، قَالَ : مَنْفِيًّا . وَ " الْمَدْحُورُ " ، قَالَ : الْمُصَغَّرُ .
14390 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يُونُسَ وَإِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ التَّمِيمِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا ، قَالَ : مَنْفِيًّا .
14391 - حَدَّثَنِي أَبُو عَمْرٍو الْقُرْقُسَانِيُّ عُثْمَانُ بْنُ يَحْيَى قَالَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ التَّمِيمِيِّ ، سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ : مَا اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا ، قَالَ : مَقِيتًا .
14392 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا ، فَقَالَ : مَا نَعْرِفُ " الْمَذْءُومَ " وَ " الْمَذْمُومَ " إِلَّا وَاحِدًا ، وَلَكِنْ تَكُونُ حُرُوفٌ مُنْتَقِصَةٌ ، وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ لِعَامِرٍ : يَا " عَامِ " ، وَلِحَارِثٍ : " يَا حَارِ " ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى كَلَامِ الْعَرَبِ .
[12/345]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ( 18 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ . أَقْسَمَ أَنَّ مَنِ اتَّبَعَ مِنْ بَنِي آدَمَ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ وَأَطَاعَهُ وَصَدَّقَ ظَنَّهُ عَلَيْهِ ، أَنْ يَمْلَأَ مِنْ جَمِيعِهِمْ - يَعْنِي : مِنْ كَفَرَةِ بَنِي آدَمَ تُبَّاعِ إِبْلِيسَ ، وَمِنْ إِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتِهِ - جَهَنَّمَ . فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً كَذَّبَ ظَنَّ عَدُوِّ اللَّهِ فِي نَفْسِهِ ، وَخَيَّبَ فِيهَا أَمَلَهُ وَأُمْنِيَتَهُ ، وَلَمْ يُمَكِّنْ مَنْ " طَمِعَ طَمَع " فِيهَا عَدُوَّهُ ، وَاسْتَغَشَّهُ وَلَمْ يَسْتَنْصِحْهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا نَبَّهَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ عِبَادَهُ عَلَى قِدَمِ عَدَاوَةِ عَدُوِّهِ وَعَدُوِّهِمْ إِبْلِيسَ لَهُمْ ، وَسَالِفِ مَا سَلَفَ مِنْ حَسَدِهِ لِأَبِيهِمْ ، وَبَغْيِهِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ ، وَعَرَّفَهُمْ مَوَاقِعَ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ قَدِيمًا فِي أَنْفُسِهِمْ وَوَالِدِهِمْ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ، فَيَنْزَجِرُوا عَنْ طَاعَةِ عَدْوِهِ وَعَدْوِهِمْ إِلَى طَاعَتِهِ وَيُنِيبُوا إِلَيْهَا .