تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْأَعْرَافِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لِأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ "

ج 12
ص 332

الآية المفسَّرة

قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 12 · ص 332

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ( 16 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قَالَ إِبْلِيسُ لِرَبِّهِ : فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي ، يَقُولُ : فَبِمَا أَضْلَلْتَنِي ، كَمَا : -
14361 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي ، يَقُولُ : أَضْلَلْتَنِي .
14362 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي [12/333]قَوْلِهِ : فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي ، قَالَ : فَبِمَا أَضْلَلْتَنِي .
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ : فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي ، بِمَا أَهْلَكْتَنِي ، مِنْ قَوْلِهِمْ : " غَوِيَ الْفَصِيلُ يَغوَى غَوًى " ، وَذَلِكَ إِذَا فَقَدَ اللَّبَنَ فَمَاتَ ، مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ :
مُعَطَّفَةُ الْأَثْنَاءِ لَيْسَ فَصِيلُهَا بِرَازِئِهَا دَرًّا وَلَا مَيِّتٍ غَوَى
وَأَصْلُ الْإِغْوَاءِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : تَزْيِينُ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ الشَّيْءَ حَتَّى يُحَسِّنَهُ عِنْدَهُ ، غَارًّا لَهُ .
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ قَبَائِلِ طَيِّئٍ ، أَنَّهَا تَقُولُ : " أَصْبَحَ فُلَانٌ غَاوِيًا " ، أَيْ : أَصْبَحَ مَرِيضًا .
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّهُ بِمَعْنَى الْقَسَمِ ، كَأَنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَهُ : فَبِإِغْوَائِكَ إِيَّايَ ، لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ، كَمَا يُقَالُ : " بِاللَّهِ لِأَفْعَلَنَّ كَذَا " .
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ بِمَعْنَى الْمُجَازَاةِ ، كَأَنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَهُ : فَلِأَنَّكَ أَغْوَيْتَنِي أَوْ : فَبِأَنَّكَ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [12/334]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَفِي هَذَا بَيَانٌ وَاضِحٌ عَلَى فَسَادِ مَا يَقُولُ الْقَدَرِيَّةُ ، مِنْ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَفَرَ أَوْ آمَنَ فَبِتَفْوِيضِ اللَّهِ أَسْبَابَ ذَلِكَ إِلَيْهِ ، وَأَنَّ السَّبَبَ الَّذِي بِهِ يَصِلُ الْمُؤْمِنُ إِلَى الْإِيمَانِ ، هُوَ السَّبَبُ الَّذِي بِهِ يَصِلُ الْكَافِرُ إِلَى الْكُفْرِ . وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَمَا قَالُوا : لَكَانَ الْخَبِيثُ قَدْ قَالَ بِقَوْلِهِ : فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي ، " فَبِمَا أَصْلَحْتَنِي " ، إِذْ كَانَ سَبَبُ " الْإِغْوَاءِ " هُوَ سَبَبُ " الْإِصْلَاحِ " ، وَكَانَ فِي إِخْبَارِهِ عَنِ الْإِغْوَاءِ إِخْبَارٌ عَنِ الْإِصْلَاحِ ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ سَبَبَاهُمَا مُخْتَلِفَيْنِ ، وَكَانَ السَّبَبُ الَّذِي بِهِ غَوَى وَهَلَكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . أَضَافَ ذَلِكَ إِلَيْهِ فَقَالَ : فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي .
وَكَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ ، فِيمَا : -
14363 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو مَوْدُودٍ ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ يَقُولُ : قَاتَلَ اللَّهُ الْقَدَرِيَّةَ ، لَإِبْلِيسُ أَعْلَمُ بِاللَّهِ مِنْهُمْ !
وَأَمَّا قَوْلُهُ : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ، فَإِنَّهُ يَقُولُ : لَأَجْلِسَنَّ لِبَنِي آدَمَ " صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ " ، يَعْنِي : طَرِيقَكَ الْقَوِيمَ ، وَذَلِكَ دِينُ اللَّهِ الْحَقُّ ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَشَرَائِعُهُ . وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ : لَأَصُدَّنَ بَنِي آدَمَ عَنْ عِبَادَتِكَ وَطَاعَتِكَ ، وَلِأُغْوِيَنَّهُمْ كَمَا أَغْوَيْتَنِي ، وَلِأُضِلَّنَّهُمْ كَمَا أَضْلَلْتَنِي .
وَذَلِكَ كَمَا رُوِيَ عَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي الْفَاكِهِ : -
14364 - أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ [12/335]بِأَطْرِقَةٍ ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ : أَتَسْلَمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ؟ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ . ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ فَقَالَ : أَتُهَاجِرُ وَتَذَرُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ ، وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ كَالْفَرَسِ فِي الطِّوَلِ؟ فَعَصَاهُ وَهَاجَرَ . ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ ، وَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ ، فَقَالَ : أَتَقَاتَلُ فَتُقْتَلُ ، فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ ، وَيُقَسَّمُ الْمَالُ؟ قَالَ : فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ .
وَرُوِيَ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ مَا : -
14365 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا حَبَّوَيْهِ أَبُو يَزِيدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ، قَالَ : طَرِيقُ مَكَّةَ (مكان). [12/336]
وَالَّذِي قَالَهُ عَوْنٌ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ صِرَاطِ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمِ ، فَلَيْسَ هُوَ الصِّرَاطَ كُلَّهُ . وَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَدُوُّ اللَّهِ أَنَّهُ يَقْعُدُ لَهُمْ صِرَاطَ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمَ ، وَلَمْ يُخَصِّصْ مِنْهُ شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ . فَالَّذِي رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَشْبَهُ بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ ، وَأَوْلَى بِالتَّأْوِيلِ ، لِأَنَّ الْخَبِيثَ لَا يَأْلُو عِبَادَ اللَّهِ الصَّدَّ عَنْ كُلِّ مَا كَانَ لَهُمْ قُرْبَةً إِلَى اللَّهِ .
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى " الْمُسْتَقِيمَ " ، فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
14366 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ، قَالَ : الْحَقُّ .
14367 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .
14368 - حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعْدٍ الْمَدَنِيُّ قَالَ ، سَمِعَتْ مُجَاهِدًا يَقُولُ : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ، قَالَ : سَبِيلُ الْحَقِّ ، فَلْأُضِلَّنَّهُمْ إِلَّا قَلِيلًا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي ذَلِكَ .
فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْبَصْرَةِ (مكان): مَعْنَاهُ : لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ عَلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ ، كَمَا [12/337]يُقَالُ : " تَوَجَّهَ مَكَّةَ (مكان)" ، أَيْ إِلَى مَكَّةَ (مكان)، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
كَأَنِّي إِذْ أَسْعَى لِأَظْفَرَ طَائِرًا مَعَ النَّجْمِ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ
بِمَعْنَى : لِأَظْفَرَ بِطَائِرٍ ، فَأَلْقَى " الْبَاءَ " ، وَكَمَا قَالَ : أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ، [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 150 ] ، بِمَعْنَى : أَعْجَلْتُمْ عَنْ أَمْرِ رَبِّكُمْ .
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْكُوفَةِ ، (مكان)الْمَعْنَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ : لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ عَلَى طَرِيقِهِمْ ، وَفِي طَرِيقِهِمْ . قَالَ : وَإِلْقَاءُ الصِّفَةِ مِنْ هَذَا جَائِزٌ ، كَمَا تَقُولُ : " قَعَدْتُ لَكَ وَجْهَ الطَّرِيقِ " وَ " عَلَى وَجْهِ الطَّرِيقِ " ، لِأَنَّ الطَّرِيقَ صِفَةٌ فِي الْمَعْنَى ، فَاحْتَمَلَ مَا يَحْتَمِلُهُ " الْيَوْمُ " وَ " اللَّيْلَةُ " وَ " الْعَامُ " ، إِذَا قِيلَ : " آتِيكَ غَدًا " ، وَ " آتِيكَ فِي غَدٍ " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ ، لِأَنَّ " الْقُعُودَ " مُقْتَضٍ مَكَانًا يَقْعُدُ فِيهِ ، فَكَمَا يُقَالُ : " قَعَدْتُ فِي مَكَانِكَ " ، يُقَالُ : " قَعَدْتُ عَلَى صِرَاطِكَ " ، وَ " فِي صِرَاطِكَ " ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
لَدْنٌ بِهَزِّ الْكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ فِيهِ ، كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ
[12/338]فَلَا تَكَادُ الْعَرَبُ تَقُولُ ذَلِكَ فِي أَسْمَاءِ الْبُلْدَانِ ، لَا يَكَادُونَ يَقُولُونَ : " جَلَسْتُ مَكَّةَ (مكان)" ، وَ " قُمْتُ بَغْدَادَ (مكان)" .