تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْأَعْرَافِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ . . . . "

ج 12
ص 317

الآية المفسَّرة

وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 12 · ص 317

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ( 11 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَأْوِيلُ ذَلِكَ : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ) ، فِي ظَهْرِ آدَمَ ، (نبي)أَيُّهَا النَّاسُ ( ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ) ، فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ . خَلْقًا مَخْلُوقًا وَمِثَالًا مُمَثَّلًا فِي صُورَةِ آدَمَ (نبي).
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : [12/318]
14338 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ، قَوْلُهُ : ( خَلَقْنَاكُمْ ) ، يَعْنِي آدَمَ (نبي)وَأَمَّا " صَوَّرْنَاكُمْ " ، فَذُرِّيَّتَهُ .
14339 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ ، حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ الْآيَةَ ، قَالَ : أَمَّا " خَلَقْنَاكُمْ " ، فَآدَمُ (نبي). وَأَمَّا " صَوَّرْنَاكُمْ " ، فَذُرِّيَّةُ آدَمَ مِنْ بَعْدِهِ .
14340 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ) ، يَعْنِي : آدَمَ (نبي)( ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ) ، يَعْنِي : فِي الْأَرْحَامِ .
14341 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدٍ قَالَ ، أَخْبَرْنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ فِي قَوْلِهِ : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ، يَقُولُ : خَلَقْنَاكُمْ خَلْقَ آدَمَ (نبي)، ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ .
14342 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ، يَقُولُ : خَلَقْنَا آدَمَ ، (نبي)ثُمَّ صَوَّرْنَا الذُّرِّيَّةَ فِي الْأَرْحَامِ .
14343 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ، قَالَ : خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ (نبي)مِنْ طِينٍ " ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ " ، فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ : عَلَقَةً ، ثُمَّ مُضْغَةً ، ثُمَّ عِظَامًا ، ثُمَّ كَسَا الْعِظَامَ لَحْمًا ، ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ .
14344 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ [12/319]مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ ، (نبي)ثُمَّ صَوَّرَ ذُرِّيَّتَهُ مِنْ بَعْدِهِ .
14345 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ نَصْرِ بْنِ مُشَارِسٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ : خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ، قَالَ : ذُرِّيَّتُهُ .
14346 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ ، سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ ، أَخْبَرْنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، قَوْلُهُ : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ) ، يَعْنِي آدَمَ (نبي)( ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ) ، يَعْنِي : ذُرِّيَّتَهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : " وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ " ، فِي أَصْلَابِ آبَائِكُمْ " ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ " ، فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
14347 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ، قَالَ : خَلَقْنَاكُمْ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ ، وَصَوَّرْنَاكُمْ فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ .
14348 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحِمَّانِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، مِثْلَهُ .
14349 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ قَالَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ ، سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ يَقْرَأُ : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ، قَالَ : خَلَقْنَاكُمْ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ ، ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : ( خَلَقْنَاكُمْ ) ، يَعْنِي آدَمَ (نبي)( ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ) ، يَعْنِي فِي ظَهْرِهِ . [12/320]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
14350 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ) ، قَالَ : آدَمَ (نبي)( ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ) ، قَالَ : فِي ظَهْرِ آدَمَ (نبي).
14351 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ، فِي ظَهْرِ آدَمَ (نبي).
14352 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ، قَالَ : صَوَّرْنَاكُمْ فِي ظَهْرِ آدَمَ (نبي).
14353 - حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعْدٍ الْمَدَنِيُّ قَالَ ، سَمِعْتُ مُجَاهِدًا فِي قَوْلِهِ : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ، قَالَ : فِي ظَهْرِ آدَمَ ، (نبي)لِمَا تَصِيرُونَ إِلَيْهِ مِنَ الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : " وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ " ، فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ " ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ " ، فِيهَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
14354 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدَ الْأَعْلَى قَالَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ قَالَ : خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ، قَالَ : خَلَقَ اللَّهُ الْإِنْسَانَ فِي الرَّحِمِ ، ثُمَّ صَوَّرَهُ ، فَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَأَصَابِعَهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : تَأْوِيلُهُ : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ) ، وَلَقَدْ خَلَقْنَا آدَمَ (نبي)( ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ) ، بِتَصْوِيرِنَا آدَمَ (نبي)، كَمَا قَدْ بَيَّنَّا [12/321]فِيمَا مَضَى مِنْ خِطَابِ الْعَرَبِ الرَّجُلَ بِالْأَفْعَالِ تُضِيفُهَا إِلَيْهِ ، وَالْمَعْنِيُّ فِي ذَلِكَ سَلَفُهُ ، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِمَنْ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ، [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 63 ] . وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْخِطَابِ الْمُوَجَّهِ إِلَى الْحَيِّ الْمَوْجُودِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ السَّلَفُ الْمَعْدُومُ ، فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ، مَعْنَاهُ : وَلَقَدْ خَلَقْنَا أَبَاكُمْ آدَمَ (نبي)ثُمَّ صَوَّرْنَاهُ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا : هَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ، لِأَنَّ الَّذِي يَتْلُو ذَلِكَ قَوْلُهُ : ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ ، (نبي)قَبْلَ أَنْ يُصَوِّرَ ذُرِّيَّتَهُ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ ، بَلْ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ أُمَّهَاتَهُمْ .
وَ " ثُمَّ " فِي كَلَامِ الْعَرَبِ لَا تَأْتِي إِلَّا بِإِيذَانِ انْقِطَاعِ مَا بَعْدَهَا عَمَّا قَبِلَهَا ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ : " قُمْتُ ثُمَّ قَعَدْتُ " ، لَا يَكُونُ " الْقُعُودُ " إِذْ عُطِفَ بِهِ بِ " ثُمَّ " عَلَى قَوْلِهِ : " قُمْتُ " إِلَّا بَعْدَ الْقِيَامِ ، وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْكَلَامِ . وَلَوْ كَانَ الْعَطْفُ فِي ذَلِكَ بِالْوَاوِ ، جَازَ أَنْ يَكُونَ الَّذِي بَعْدَهَا قَدْ كَانَ قَبْلَ الَّذِي قَبِلَهَا ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ : " قُمْتُ وَقَعَدْتُ " ، فَجَائِزٌ أَنَّ يَكُونَ " الْقُعُودُ " فِي هَذَا الْكَلَامِ قَدْ كَانَ قَبْلَ " الْقِيَامِ " ، لِأَنَّ الْوَاوَ تَدْخُلُ فِي الْكَلَامِ إِذَا كَانَتْ عَطْفًا ، لِتُوجِبَ لِلَّذِي بَعْدَهَا مِنَ الْمَعْنَى مَا وَجَبَ لِلَّذِي قَبْلَهَا ، مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ مِنْهَا بِنَفْسِهَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ أَوْ وَقْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، أَوْ إِنْ كَانَا فِي وَقْتَيْنِ ، أَيُّهُمَا [12/322]الْمُتَقَدِّمُ وَأَيُّهُمَا الْمُتَأَخِّرُ . فَلَمَّا وَصَفْنَا قُلْنَا إِنَّ قَوْلَهُ : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ، لَا يَصِحُّ تَأْوِيلُهُ إِلَّا عَلَى مَا ذَكَرْنَا .
فَإِنَّ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ الْعَرَبَ ، إِذْ كَانَتْ رُبَّمَا نَطَقَتْ بِ " ثُمَّ " فِي مَوْضِعِ " الْوَاوِ " فِي ضَرُورَةِ شِعْرِهِ ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ :
سَأَلْتُ رَبِيعَةَ : مَنْ خَيْرُهَا أَبًا ثُمَّ أُمًّا؟ فَقَالَتْ : لِمَهْ؟
بِمَعْنَى : أَبًا وَأُمًّا ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ نَظِيرَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا ظَنَّ . وَذَلِكَ أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَزَلَ بِأَفْصَحِ لُغَاتِ الْعَرَبِ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ تَوْجِيهُ شَيْءٍ مِنْهُ إِلَى الشَّاذِّ مِنْ لُغَاتِهَا ، وَلَهُ فِي الْأَفْصَحِ الْأَشْهَرِ مَعْنًى مَفْهُومٌ وَوَجْهٌ مَعْرُوفٌ .
وَقَدْ وَجَّهَ بَعْضُ مَنْ ضَعُفَتْ مَعْرِفَتُهُ بِكَلَامِ الْعَرَبِ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ مِنَ الْمُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ ، وَزَعَمَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ، ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ (نبي)، ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ . وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ " ثُمَّ " فِي الْكَلَامِ وَهِيَ مُرَادٌ بِهَا التَّقْدِيمُ عَلَى مَا قَبْلِهَا مِنَ الْخَبَرِ ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ يُقَدِّمُونَهَا فِي الْكَلَامِ ، إِذَا كَانَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهَا التَّأْخِيرُ ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ : " قَامَ ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ عَمْرٌو " ، فَأَمَّا إِذَا قِيلَ : " قَامَ عَبْدُ اللَّهِ ثُمَّ قَعَدَ عَمْرٌو " ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ قُعُودُ عَمْرٍو كَانَ إِلَّا بَعْدَ قِيَامِ عَبْدِ اللَّهِ ، إِذَا كَانَ الْخَبَرُ صِدْقًا ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا ، نَظِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ : " قَامَ عَبْدُ اللَّهِ ثُمَّ قَعَدَ عَمْرٌو " ، فِي أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ أَمْرُ اللَّهِ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ (نبي)كَانَ إِلَّا بَعْدَ الْخَلْقِ وَالتَّصْوِيرِ ، لِمَا وَصَفْنَا قَبْلُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ لِلْمَلَائِكَةِ : ( اسْجُدُوا لِآدَمَ ) ، فَإِنَّهُ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَلَمَّا صَوَّرْنَا [12/323]آدَمَ (نبي)وَجَعَلْنَاهُ خَلْقًا سَوِيًّا ، وَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا ، قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ : " اسْجُدُوا لِآدَمَ " ، ابْتِلَاءً مِنَّا وَاخْتِبَارًا لَهُمْ بِالْأَمْرِ ، لِيُعْلَمَ الطَّائِعُ مِنْهُمْ مَنِ الْعَاصِي ، ( فَسَجَدُوا ) ، يَقُولُ : فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ إِلَّا إِبْلِيسَ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ لِآدَمَ (نبي)حِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ مَعَ مَنْ أَمَرَ مِنْ سَائِرِ الْمَلَائِكَةِ غَيْرِهِ بِالسُّجُودِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى ، الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ امْتَحَنَ جَلَّ جَلَالُهُ مَلَائِكَتَهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ (نبي)، وَأَمْرَ إِبْلِيسَ وَقَصَصَهُ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .