النص
[12/98]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ( 125 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَيَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ لِلْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ ، فَيُوَفِّقَهُ لَهُ ( يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ) ، يَقُولُ : فَسَحَ صَدْرَهُ لِذَلِكَ وَهَوَّنَهُ عَلَيْهِ ، وَسَهَّلَهُ لَهُ ، بِلُطْفِهِ وَمَعُونَتِهِ ، حَتَّى يَسْتَنِيرَ الْإِسْلَامُ فِي قَلْبِهِ ، فَيُضِيءَ لَهُ ، وَيَتَّسِعَ لَهُ صَدْرُهُ بِالْقَبُولِ ، كَالَّذِي جَاءَ الْأَثَرُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، الَّذِي : -
13852 - حَدَّثَنَا سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ : لِمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ، قَالُوا : كَيْفَ يَشْرَحُ الصَّدْرَ ؟ قَالَ : إِذَا نَزَلَ النُّورُ فِي الْقَلْبِ انْشَرَحَ لَهُ الصَّدْرُ وَانْفَسَحَ . قَالُوا : فَهَلْ لِذَلِكَ آيَةٌ يُعْرَفُ بِهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ الْفَوْتِ . [12/99]
13853 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ : سُئِلَ [12/100]النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ ؟ قَالَ : أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا ، وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا . قَالَ : وَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ، قَالُوا : كَيْفَ يَشْرَحُ صَدْرَهُ ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : نُورٌ يُقْذَفُ فِيهِ ، فَيَنْشَرِحُ لَهُ وَيَنْفَسِحُ . قَالُوا : فَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ أَمَارَةٍ يُعْرَفُ بِهَا ؟ قَالَ : " الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ الْمَوْتِ .
13854 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ : حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ رَجُلٍ يُكْنَى " أَبَا جَعْفَرٍ " ، كَانَ يَسْكُنُ الْمَدَائِنَ (مكان)قَالَ : سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ، قَالَ : نُورٌ يُقْذَفُ فِي الْقَلْبِ فَيَنْشَرِحُ وَيَنْفَسِخُ . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ لَهُ مِنْ أَمَارَةٍ يُعْرَفُ بِهَا ؟ ثُمَّ ذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ مِثْلَهُ .
15855 - حَدَّثَنِي هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ وَاقِدٍ الْحَرَّانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ، قَالَ : إِذَا دَخَلَ النُّورُ الْقَلْبَ انْفَسَحَ وَانْشَرَحَ . قَالُوا : فَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ أَمَارَةٍ يُعْرَفُ بِهَا ؟ قَالَ : الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ ، وَالتَّنَحِّي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ الْمَوْتِ . [12/101]
13856 - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ الرَّازِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمِسْوَرِ قَالَ : قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا دَخَلَ النُّورُ الْقَلْبَ انْفَسَحَ وَانْشَرَحَ . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ عَلَامَةٍ تُعْرَفُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ الْمَوْتِ .
[12/102]13857 - حَدَّثَنِي ابْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ قَالَ : حَدَّثَنَا مَحْبُوبُ بْنُ الْحَسَنِ الْهَاشِمِيُّ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَكَيْفَ يَشْرَحُ صَدْرَهُ ؟ قَالَ : يُدْخِلُ فِيهِ النُّورَ فَيَنْفَسِحُ . قَالُوا : وَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ عَلَامَةٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : التَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ ، وَالْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ الْمَوْتُ . [12/103]
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13859 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ، أَمَّا " يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ " ، فَيُوَسِّعْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ .
13860 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَوْلُهُ : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ، بِ " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " .
13861 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قِرَاءَةُ : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ، بِ " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " يَجْعَلْ لَهَا فِي صَدْرِهِ مُتَّسَعًا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَمَنْ أَرَادَ اللَّهُ إِضْلَالَهُ عَنْ سَبِيلِ الْهُدَى ، يَشْغَلْهُ بِكُفْرِهِ وَصَدِّهِ عَنْ سَبِيلِهِ ، وَيَجْعَلْ صَدْرَهُ بِخِذْلَانِهِ وَغَلَبَةِ الْكُفْرِ عَلَيْهِ ، حَرَجًا .
وَ " الْحَرَجُ " أَشَدُّ الضِّيقِ ، وَهُوَ الَّذِي لَا يُنْفِذُهُ ، مِنْ شِدَّةِ ضِيقِهِ ، وَهُوَ هَهُنَا الصَّدْرُ الَّذِي لَا تَصِلُ إِلَيْهِ الْمَوْعِظَةُ ، وَلَا يَدْخُلُهُ نُورُ الْإِيمَانِ ، لِرَيْنِ الشِّرْكِ عَلَيْهِ . وَأَصْلُهُ مِنَ " الْحَرَجِ " ، وَ " الْحَرَجُ " جَمْعُ " حَرَجَةٍ " ، وَهِيَ الشَّجَرَةُ الْمُلْتَفُّ بِهَا [12/104]الْأَشْجَارُ ، لَا يَدْخُلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهَا شَيْءٌ لِشِدَّةِ الْتِفَافِهَا بِهَا ، كَمَا : -
13862 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمَّارٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ عَنْ أَبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : ( وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ) بِنَصْبِ الرَّاءِ . قَالَ : وَقَرَأَ بَعْضُ مَنْ عِنْدَهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ضَيِّقًا حَرِجًا " . قَالَ صَفْوَانُ : فَقَالَ عُمَرُ : ابْغُونِي رَجُلًا مِنْ كِنَانَةَ وَاجْعَلُوهُ رَاعِيًا ، وَلْيَكُنْ مُدْلِجِيًّا . قَالَ : فَأَتَوْهُ بِهِ . فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : يَا فَتَى ، مَا الْحَرَجَةُ ؟ قَالَ : " الْحَرَجَةُ " فِينَا ، الشَّجَرَةُ تَكُونُ بَيْنَ الْأَشْجَارِ الَّتِي لَا تَصِلُ إِلَيْهَا رَاعِيَةٌ وَلَا وَحْشِيَّةٌ وَلَا شَيْءٌ . قَالَ : فَقَالَ عُمَرُ : كَذَلِكَ قَلْبُ الْمُنَافِقِ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْخَيْرِ .
13863 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ، يَقُولُ : مَنْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُضِلَّهُ يُضَيِّقْ عَلَيْهِ صَدْرَهُ حَتَّى يَجْعَلَ الْإِسْلَامَ عَلَيْهِ ضَيِّقًا ، وَالْإِسْلَامُ وَاسِعٌ . وَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ، [ سُورَةُ الْحَجِّ : 78 ] ، يَقُولُ : مَا جَعَلَ [12/105]عَلَيْكُمْ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ ضِيقٍ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ .
فَقَالَ : بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ : شَاكًّا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13864 - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( ضَيِّقًا حَرَجًا ) قَالَ : شَاكًّا .
13865 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : ( ضَيِّقًا حَرَجًا ) أَمَّا " حَرَجًا " ، فَشَاكًّا .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : مُلْتَبِسًا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13866 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ، قَالَ : ضَيِّقًا مُلْتَبِسًا .
13867 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : ( ضَيِّقًا حَرَجًا ) ، يَقُولُ : مُلْتَبِسًا .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : أَنَّهُ مِنْ شِدَّةِ الضِّيقِ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ الْإِيمَانُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13868 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ، قَالَ : لَا يَجِدُ مَسْلَكًا إِلَّا صُعُدًا .
13869 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ : ( ضَيِّقًا حَرَجًا ) ، قَالَ : لَيْسَ لِلْخَيْرِ فِيهِ مَنْفَذٌ . [12/106]
13870 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، مِثْلَهُ .
13871 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَوْلُهُ : وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ، بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، لَا يَجِدُ لَهَا فِي صَدْرِهِ مَسَاغًا .
13872 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قِرَاءَةً فِي قَوْلِهِ : وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا ، بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، حَتَّى لَا تَسْتَطِيعَ أَنْ تَدْخُلَهُ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ .
فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ : ( ضَيِّقًا حَرَجًا ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ مِنْ ( حَرَجًا ) ، وَهِيَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ الْمَكِّيِّينَ وَالْعِرَاقِيِّينَ ، بِمَعْنَى جَمْعِ " حَرَجَةٍ " ، عَلَى مَا وَصَفْتُ .
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْمَدِينَةِ (مكان): " ضَيِّقًا حَرِجًا " ، بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ فِي مَعْنَاهُ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ بِمَعْنَى : " الْحَرَجِ " . وَقَالُوا : " الْحَرَجُ " بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ ، وَ " الْحَرِجُ " بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ، بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَهُمَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، مِثْلُ : " الدَّنَفِ " وَ " الدَّنِفِ " ، وَ " الْوَحَدِ " وَ " الْوَحِدِ " ، وَ " الْفَرَدِ " وَ " الْفَرِدِ " .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ هُوَ بِمَعْنَى الْإِثْمِ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : " فُلَانٌ آثِمٌ حَرِجٌ " ، وَذُكِرَ عَنِ الْعَرَبِ سَمَاعًا مِنْهَا : " حَرِجٌ عَلَيْكَ ظُلْمِي " ، بِمَعْنَى : ضِيقٌ وَإِثْمٌ . [12/107]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْقَوْلُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، وَلُغَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَهُوَ مُصِيبٌ ، لِاتِّفَاقِ مَعْنَيْهِمَا . وَذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا مِنَ الرِّوَايَاتِ عَنِ الْعَرَبِ فِي " الْوَحَدِ " وَ " الْفَرَدِ " بِفَتْحِ الْحَاءِ مِنَ " الْوَحَدِ " وَالرَّاءِ مِنَ " الْفَرَدِ " ، وَكَسْرِهِمَا ، بِمَعْنًى وَاحِدٍ .
وَأَمَّا " الضَّيِّقُ " ، فَإِنَّ عَامَّةَ الْقَرَأَةِ عَلَى فَتْحِ ضَادِهِ وَتَشْدِيدِ يَائِهِ ، خَلَا بَعْضِ الْمَكِّيِّينَ فَإِنَّهُ قَرَأَهُ : " ضَيْقًا " ، بِفَتْحِ الضَّادِ وَتَسْكِينِ الْيَاءِ ، وَتَخْفِيفِهِ .
وَقَدْ يَتَّجِهُ لِتَسْكِينِهِ ذَلِكَ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ سَكَّنَهُ وَهُوَ يَنْوِي مَعْنَى التَّحْرِيكِ وَالتَّشْدِيدِ ، كَمَا قِيلَ : " هِينٌ لِينٌ " ، بِمَعْنَى : هَيِّنٌ لَيِّنٌ .
وَالْآخَرُ : أَنْ يَكُونَ سَكَّنَهُ بِنِيَّةِ الْمَصْدَرِ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : " ضَاقَ هَذَا الْأَمْرُ يَضِيقُ ضَيْقًا " ، كَمَا قَالَ رُؤْبَةُ :
قَدْ عَلِمْنَا عِنْدَ كُلِّ مَأْزِقِ ضَيْقٍ بِوَجْهِ الْأَمْرِ أَوْ مُضَيَّقِ
وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ : وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ، [ سُورَةُ النَّحْلِ : 127 ] . وَقَالَ رُؤْبَةُ أَيْضًا وَشَفَّهَا اللَّوْحُ بِمَأْزُولٍ ضَيْقِ
[12/108]بِمَعْنَى : ضَيِّقٍ . وَحُكِيَ عَنِ الْكِسَائِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : " الضِّيقُ " ، بِالْكَسْرِ : فِي الْمَعَاشِ وَالْمَوْضِعِ ، وَفِي الْأَمْرِ " الضَّيْقُ " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ أَبْيَنُ الْبَيَانِ لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِمَا ، عَنْ أَنَّ السَّبَبَ الَّذِي بِهِ يُوصَلُ إِلَى الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ ، غَيْرُ السَّبَبِ الَّذِي بِهِ يُوصَلُ إِلَى الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ ، وَأَنَّ كِلَا السَّبَبَيْنِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يَشْرَحُ صَدْرَ مَنْ أَرَادَ هِدَايَتَهُ لِلْإِسْلَامِ ، وَيَجْعَلُ صَدْرَ مَنْ أَرَادَ إِضْلَالَهُ ضَيِّقًا عَنِ الْإِسْلَامِ حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَدُ فِي السَّمَاءِ . وَمَعْلُومٌ أَنْ شَرْحَ الصَّدْرِ لِلْإِيمَانِ خِلَافُ تَضْيِيقِهِ لَهُ ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ يُوصَلُ بِتَضْيِيقِ الصَّدْرِ عَنِ الْإِيمَانِ إِلَيْهِ ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَ تَضْيِيقِهِ عَنْهُ وَبَيْنَ شَرْحِهِ لَهُ فَرْقٌ ، وَلَكَانَ مَنْ ضُيِّقَ صَدْرُهُ عَنِ الْإِيمَانِ ، قَدْ شُرِحَ صَدْرُهُ لَهُ ، وَمَنْ شُرِحَ صَدْرُهُ لَهُ ، فَقَدْ ضُيِّقَ عَنْهُ ، إِذْ كَانَ مَوْصُولًا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَعْنِي مِنَ التَّضْيِيقِ وَالشَّرْحِ إِلَى مَا يُوصَلُ بِهِ إِلَى الْآخَرِ . وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ كَانَ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي جَهْلٍ لِلْإِيمَانِ بِهِ ، وَضَيَّقَ صَدْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ . وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ . وَفِي فَسَادِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ ، الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّ السَّبَبَ الَّذِي بِهِ آمَنَ الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ، وَأَطَاعَهُ الْمُطِيعُونَ ، غَيْرُ السَّبَبِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ الْكَافِرُونَ بِاللَّهِ وَعَصَاهُ الْعَاصُونَ ، وَأَنَّ كِلَا السَّبَبَيْنِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَبِيَدِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ هُوَ [12/109]الَّذِي يَشْرَحُ صَدْرَ هَذَا الْمُؤْمِنِ بِهِ لِلْإِيمَانِ إِذَا أَرَادَ هِدَايَتَهُ ، وَيُضَيِّقُ صَدْرَ هَذَا الْكَافِرِ عَنْهُ إِذَا أَرَادَ إِضْلَالَهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا مَثَلٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ ، ضَرَبَهُ لِقَلْبِ هَذَا الْكَافِرِ فِي شِدَّةِ تَضْيِيقِهِ إِيَّاهُ عَنْ وُصُولِهِ إِلَيْهِ ، مِثْلَ امْتِنَاعِهِ مِنَ الصُّعُودِ إِلَى السَّمَاءِ وَعَجْزِهِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13873 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ : كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ، يَقُولُ : مَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصَّعَدَ فِي السَّمَاءِ .
13874 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، مِثْلَهُ .
13875 - وَبِهِ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قِرَاءَةً : " يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا " ، بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، حَتَّى لَا تَسْتَطِيعَ أَنْ تَدْخُلَهُ ، " كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ " ، مِنْ شِدَّةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ .
13876 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، مِثْلَهُ .
13877 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ، مِنْ ضِيقِ صَدْرِهِ . [12/110]
وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ .
فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْعِرَاقِ (مكان): ( كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ ) ، بِمَعْنَى : " يَتَصَعَّدُ " ، فَأَدْغَمُوا التَّاءَ فِي الصَّادِ ، فَلِذَلِكَ شَدَّدُوا الصَّادَ .
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ : " يَصَّاعَدُ " ، بِمَعْنَى : " يَتَصَاعَدُ " ، فَأَدْغَمَ التَّاءَ فِي الصَّادِ ، وَجَعَلَهَا صَادًا مُشَدَّدَةً .
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قَرَأَةِ الْمَكِّيِّينَ : " كَأَنَّمَا يَصْعَدُ " ، مِنْ " صَعِدَ يَصْعَدُ " .
وَكُلُّ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ مُتَقَارِبَاتُ الْمُعَانِي ، وَبِأَيِّهَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَهُوَ مُصِيبٌ ، غَيْرَ أَنِّي أَخْتَارُ الْقِرَاءَةَ فِي ذَلِكَ بِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَهُ : ( كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ ) ، بِتَشْدِيدِ الصَّادِ بِغَيْرِ أَلِفٍ ، بِمَعْنَى : " يَتَصَعَّدُ " ، لِكَثْرَةِ الْقَرَأَةِ بِهَا ، وَلِقِيلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " مَا تَصَعَّدَنِي شَيْءٌ مَا تَصَعَّدَتْنِي خُطْبَةُ النِّكَاحِ " .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ( 125 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : كَمَا يَجْعَلُ اللَّهُ صَدْرَ مَنْ أَرَادَ إِضْلَالَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ، كَأَنَّمَا يَصَّعَدُ فِي السَّمَاءِ مِنْ ضِيقِهِ عَنِ الْإِيمَانِ فَيَجْزِيهِ بِذَلِكَ ، كَذَلِكَ يُسَلِّطُ اللَّهُ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَمْثَالِهِ مِمَّنْ أَبَى الْإِيمَانَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، فَيُغْوِيهِ وَيَصُدُّهُ عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ . [12/111]
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى " الرِّجْسِ " .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ كُلُّ مَا لَا خَيْرَ فِيهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13878 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : " الرِّجْسُ " ، مَا لَا خَيْرَ فِيهِ .
13879 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَحِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ، قَالَ : مَا لَا خَيْرَ فِيهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : " الرِّجْسُ " ، الْعَذَابُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13880 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ، قَالَ : الرِّجْسُ عَذَابُ اللَّهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : " الرِّجْسُ " الشَّيْطَانُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13881 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : ( الرِّجْسُ ) ، قَالَ : الشَّيْطَانُ .
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِلُغَاتِ الْعَرَبِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ يَقُولُ : " الرِّجْسُ " ، " وَالنِّجْسُ " لُغَتَانِ . وَيُحْكَى عَنِ الْعَرَبِ أَنَّهَا تَقُولُ : " مَا كَانَ رِجْسًا ، وَلَقَدْ رَجُسَ رَجَاسَةً " وَ " نَجُسَ نَجَاسَةً " . [12/112]
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرِيِّينَ يَقُولُ : " الرِّجْسُ " وَ " الرِّجْزُ " ، سَوَاءٌ ، وَهُمَا الْعَذَابُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمَنْ قَالَ إِنَّ " الرِّجْسَ " وَ " النِّجْسَ " وَاحِدٌ ، لِلْخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ : " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ النِّجْسِ الْخَبِيثِ الْمُخْبِثِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " .
13882 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَدْ بَيَّنَ هَذَا الْخَبَرُ أَنَّ " الرِّجْسَ " هُوَ " النِّجْسُ " ، الْقَذِرُ الَّذِي لَا خَيْرَ فِيهِ ، وَأَنَّهُ مِنْ صِفَةِ الشَّيْطَانِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَيَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ لِلْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ ، فَيُوَفِّقَهُ لَهُ ( يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ) ، يَقُولُ : فَسَحَ صَدْرَهُ لِذَلِكَ وَهَوَّنَهُ عَلَيْهِ ، وَسَهَّلَهُ لَهُ ، بِلُطْفِهِ وَمَعُونَتِهِ ، حَتَّى يَسْتَنِيرَ الْإِسْلَامُ فِي قَلْبِهِ ، فَيُضِيءَ لَهُ ، وَيَتَّسِعَ لَهُ صَدْرُهُ بِالْقَبُولِ ، كَالَّذِي جَاءَ الْأَثَرُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، الَّذِي : -
13852 - حَدَّثَنَا سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ : لِمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ، قَالُوا : كَيْفَ يَشْرَحُ الصَّدْرَ ؟ قَالَ : إِذَا نَزَلَ النُّورُ فِي الْقَلْبِ انْشَرَحَ لَهُ الصَّدْرُ وَانْفَسَحَ . قَالُوا : فَهَلْ لِذَلِكَ آيَةٌ يُعْرَفُ بِهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ الْفَوْتِ . [12/99]
13853 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ : سُئِلَ [12/100]النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ ؟ قَالَ : أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا ، وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا . قَالَ : وَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ، قَالُوا : كَيْفَ يَشْرَحُ صَدْرَهُ ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : نُورٌ يُقْذَفُ فِيهِ ، فَيَنْشَرِحُ لَهُ وَيَنْفَسِحُ . قَالُوا : فَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ أَمَارَةٍ يُعْرَفُ بِهَا ؟ قَالَ : " الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ الْمَوْتِ .
13854 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ : حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ رَجُلٍ يُكْنَى " أَبَا جَعْفَرٍ " ، كَانَ يَسْكُنُ الْمَدَائِنَ (مكان)قَالَ : سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ، قَالَ : نُورٌ يُقْذَفُ فِي الْقَلْبِ فَيَنْشَرِحُ وَيَنْفَسِخُ . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ لَهُ مِنْ أَمَارَةٍ يُعْرَفُ بِهَا ؟ ثُمَّ ذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ مِثْلَهُ .
15855 - حَدَّثَنِي هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ وَاقِدٍ الْحَرَّانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ، قَالَ : إِذَا دَخَلَ النُّورُ الْقَلْبَ انْفَسَحَ وَانْشَرَحَ . قَالُوا : فَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ أَمَارَةٍ يُعْرَفُ بِهَا ؟ قَالَ : الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ ، وَالتَّنَحِّي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ الْمَوْتِ . [12/101]
13856 - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ الرَّازِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمِسْوَرِ قَالَ : قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا دَخَلَ النُّورُ الْقَلْبَ انْفَسَحَ وَانْشَرَحَ . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ عَلَامَةٍ تُعْرَفُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ الْمَوْتِ .
[12/102]13857 - حَدَّثَنِي ابْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ قَالَ : حَدَّثَنَا مَحْبُوبُ بْنُ الْحَسَنِ الْهَاشِمِيُّ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَكَيْفَ يَشْرَحُ صَدْرَهُ ؟ قَالَ : يُدْخِلُ فِيهِ النُّورَ فَيَنْفَسِحُ . قَالُوا : وَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ عَلَامَةٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : التَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ ، وَالْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ الْمَوْتُ . [12/103]
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13859 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ، أَمَّا " يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ " ، فَيُوَسِّعْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ .
13860 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَوْلُهُ : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ، بِ " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " .
13861 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قِرَاءَةُ : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ، بِ " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " يَجْعَلْ لَهَا فِي صَدْرِهِ مُتَّسَعًا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَمَنْ أَرَادَ اللَّهُ إِضْلَالَهُ عَنْ سَبِيلِ الْهُدَى ، يَشْغَلْهُ بِكُفْرِهِ وَصَدِّهِ عَنْ سَبِيلِهِ ، وَيَجْعَلْ صَدْرَهُ بِخِذْلَانِهِ وَغَلَبَةِ الْكُفْرِ عَلَيْهِ ، حَرَجًا .
وَ " الْحَرَجُ " أَشَدُّ الضِّيقِ ، وَهُوَ الَّذِي لَا يُنْفِذُهُ ، مِنْ شِدَّةِ ضِيقِهِ ، وَهُوَ هَهُنَا الصَّدْرُ الَّذِي لَا تَصِلُ إِلَيْهِ الْمَوْعِظَةُ ، وَلَا يَدْخُلُهُ نُورُ الْإِيمَانِ ، لِرَيْنِ الشِّرْكِ عَلَيْهِ . وَأَصْلُهُ مِنَ " الْحَرَجِ " ، وَ " الْحَرَجُ " جَمْعُ " حَرَجَةٍ " ، وَهِيَ الشَّجَرَةُ الْمُلْتَفُّ بِهَا [12/104]الْأَشْجَارُ ، لَا يَدْخُلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهَا شَيْءٌ لِشِدَّةِ الْتِفَافِهَا بِهَا ، كَمَا : -
13862 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمَّارٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ عَنْ أَبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : ( وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ) بِنَصْبِ الرَّاءِ . قَالَ : وَقَرَأَ بَعْضُ مَنْ عِنْدَهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ضَيِّقًا حَرِجًا " . قَالَ صَفْوَانُ : فَقَالَ عُمَرُ : ابْغُونِي رَجُلًا مِنْ كِنَانَةَ وَاجْعَلُوهُ رَاعِيًا ، وَلْيَكُنْ مُدْلِجِيًّا . قَالَ : فَأَتَوْهُ بِهِ . فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : يَا فَتَى ، مَا الْحَرَجَةُ ؟ قَالَ : " الْحَرَجَةُ " فِينَا ، الشَّجَرَةُ تَكُونُ بَيْنَ الْأَشْجَارِ الَّتِي لَا تَصِلُ إِلَيْهَا رَاعِيَةٌ وَلَا وَحْشِيَّةٌ وَلَا شَيْءٌ . قَالَ : فَقَالَ عُمَرُ : كَذَلِكَ قَلْبُ الْمُنَافِقِ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْخَيْرِ .
13863 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ، يَقُولُ : مَنْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُضِلَّهُ يُضَيِّقْ عَلَيْهِ صَدْرَهُ حَتَّى يَجْعَلَ الْإِسْلَامَ عَلَيْهِ ضَيِّقًا ، وَالْإِسْلَامُ وَاسِعٌ . وَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ، [ سُورَةُ الْحَجِّ : 78 ] ، يَقُولُ : مَا جَعَلَ [12/105]عَلَيْكُمْ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ ضِيقٍ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ .
فَقَالَ : بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ : شَاكًّا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13864 - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( ضَيِّقًا حَرَجًا ) قَالَ : شَاكًّا .
13865 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : ( ضَيِّقًا حَرَجًا ) أَمَّا " حَرَجًا " ، فَشَاكًّا .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : مُلْتَبِسًا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13866 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ، قَالَ : ضَيِّقًا مُلْتَبِسًا .
13867 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : ( ضَيِّقًا حَرَجًا ) ، يَقُولُ : مُلْتَبِسًا .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : أَنَّهُ مِنْ شِدَّةِ الضِّيقِ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ الْإِيمَانُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13868 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ، قَالَ : لَا يَجِدُ مَسْلَكًا إِلَّا صُعُدًا .
13869 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ : ( ضَيِّقًا حَرَجًا ) ، قَالَ : لَيْسَ لِلْخَيْرِ فِيهِ مَنْفَذٌ . [12/106]
13870 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، مِثْلَهُ .
13871 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَوْلُهُ : وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ، بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، لَا يَجِدُ لَهَا فِي صَدْرِهِ مَسَاغًا .
13872 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قِرَاءَةً فِي قَوْلِهِ : وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا ، بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، حَتَّى لَا تَسْتَطِيعَ أَنْ تَدْخُلَهُ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ .
فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ : ( ضَيِّقًا حَرَجًا ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ مِنْ ( حَرَجًا ) ، وَهِيَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ الْمَكِّيِّينَ وَالْعِرَاقِيِّينَ ، بِمَعْنَى جَمْعِ " حَرَجَةٍ " ، عَلَى مَا وَصَفْتُ .
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْمَدِينَةِ (مكان): " ضَيِّقًا حَرِجًا " ، بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ فِي مَعْنَاهُ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ بِمَعْنَى : " الْحَرَجِ " . وَقَالُوا : " الْحَرَجُ " بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ ، وَ " الْحَرِجُ " بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ، بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَهُمَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، مِثْلُ : " الدَّنَفِ " وَ " الدَّنِفِ " ، وَ " الْوَحَدِ " وَ " الْوَحِدِ " ، وَ " الْفَرَدِ " وَ " الْفَرِدِ " .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ هُوَ بِمَعْنَى الْإِثْمِ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : " فُلَانٌ آثِمٌ حَرِجٌ " ، وَذُكِرَ عَنِ الْعَرَبِ سَمَاعًا مِنْهَا : " حَرِجٌ عَلَيْكَ ظُلْمِي " ، بِمَعْنَى : ضِيقٌ وَإِثْمٌ . [12/107]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْقَوْلُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، وَلُغَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَهُوَ مُصِيبٌ ، لِاتِّفَاقِ مَعْنَيْهِمَا . وَذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا مِنَ الرِّوَايَاتِ عَنِ الْعَرَبِ فِي " الْوَحَدِ " وَ " الْفَرَدِ " بِفَتْحِ الْحَاءِ مِنَ " الْوَحَدِ " وَالرَّاءِ مِنَ " الْفَرَدِ " ، وَكَسْرِهِمَا ، بِمَعْنًى وَاحِدٍ .
وَأَمَّا " الضَّيِّقُ " ، فَإِنَّ عَامَّةَ الْقَرَأَةِ عَلَى فَتْحِ ضَادِهِ وَتَشْدِيدِ يَائِهِ ، خَلَا بَعْضِ الْمَكِّيِّينَ فَإِنَّهُ قَرَأَهُ : " ضَيْقًا " ، بِفَتْحِ الضَّادِ وَتَسْكِينِ الْيَاءِ ، وَتَخْفِيفِهِ .
وَقَدْ يَتَّجِهُ لِتَسْكِينِهِ ذَلِكَ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ سَكَّنَهُ وَهُوَ يَنْوِي مَعْنَى التَّحْرِيكِ وَالتَّشْدِيدِ ، كَمَا قِيلَ : " هِينٌ لِينٌ " ، بِمَعْنَى : هَيِّنٌ لَيِّنٌ .
وَالْآخَرُ : أَنْ يَكُونَ سَكَّنَهُ بِنِيَّةِ الْمَصْدَرِ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : " ضَاقَ هَذَا الْأَمْرُ يَضِيقُ ضَيْقًا " ، كَمَا قَالَ رُؤْبَةُ :
قَدْ عَلِمْنَا عِنْدَ كُلِّ مَأْزِقِ ضَيْقٍ بِوَجْهِ الْأَمْرِ أَوْ مُضَيَّقِ
وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ : وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ، [ سُورَةُ النَّحْلِ : 127 ] . وَقَالَ رُؤْبَةُ أَيْضًا وَشَفَّهَا اللَّوْحُ بِمَأْزُولٍ ضَيْقِ
[12/108]بِمَعْنَى : ضَيِّقٍ . وَحُكِيَ عَنِ الْكِسَائِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : " الضِّيقُ " ، بِالْكَسْرِ : فِي الْمَعَاشِ وَالْمَوْضِعِ ، وَفِي الْأَمْرِ " الضَّيْقُ " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ أَبْيَنُ الْبَيَانِ لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِمَا ، عَنْ أَنَّ السَّبَبَ الَّذِي بِهِ يُوصَلُ إِلَى الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ ، غَيْرُ السَّبَبِ الَّذِي بِهِ يُوصَلُ إِلَى الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ ، وَأَنَّ كِلَا السَّبَبَيْنِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يَشْرَحُ صَدْرَ مَنْ أَرَادَ هِدَايَتَهُ لِلْإِسْلَامِ ، وَيَجْعَلُ صَدْرَ مَنْ أَرَادَ إِضْلَالَهُ ضَيِّقًا عَنِ الْإِسْلَامِ حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَدُ فِي السَّمَاءِ . وَمَعْلُومٌ أَنْ شَرْحَ الصَّدْرِ لِلْإِيمَانِ خِلَافُ تَضْيِيقِهِ لَهُ ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ يُوصَلُ بِتَضْيِيقِ الصَّدْرِ عَنِ الْإِيمَانِ إِلَيْهِ ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَ تَضْيِيقِهِ عَنْهُ وَبَيْنَ شَرْحِهِ لَهُ فَرْقٌ ، وَلَكَانَ مَنْ ضُيِّقَ صَدْرُهُ عَنِ الْإِيمَانِ ، قَدْ شُرِحَ صَدْرُهُ لَهُ ، وَمَنْ شُرِحَ صَدْرُهُ لَهُ ، فَقَدْ ضُيِّقَ عَنْهُ ، إِذْ كَانَ مَوْصُولًا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَعْنِي مِنَ التَّضْيِيقِ وَالشَّرْحِ إِلَى مَا يُوصَلُ بِهِ إِلَى الْآخَرِ . وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ كَانَ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي جَهْلٍ لِلْإِيمَانِ بِهِ ، وَضَيَّقَ صَدْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ . وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ . وَفِي فَسَادِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ ، الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّ السَّبَبَ الَّذِي بِهِ آمَنَ الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ، وَأَطَاعَهُ الْمُطِيعُونَ ، غَيْرُ السَّبَبِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ الْكَافِرُونَ بِاللَّهِ وَعَصَاهُ الْعَاصُونَ ، وَأَنَّ كِلَا السَّبَبَيْنِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَبِيَدِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ هُوَ [12/109]الَّذِي يَشْرَحُ صَدْرَ هَذَا الْمُؤْمِنِ بِهِ لِلْإِيمَانِ إِذَا أَرَادَ هِدَايَتَهُ ، وَيُضَيِّقُ صَدْرَ هَذَا الْكَافِرِ عَنْهُ إِذَا أَرَادَ إِضْلَالَهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا مَثَلٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ ، ضَرَبَهُ لِقَلْبِ هَذَا الْكَافِرِ فِي شِدَّةِ تَضْيِيقِهِ إِيَّاهُ عَنْ وُصُولِهِ إِلَيْهِ ، مِثْلَ امْتِنَاعِهِ مِنَ الصُّعُودِ إِلَى السَّمَاءِ وَعَجْزِهِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13873 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ : كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ، يَقُولُ : مَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصَّعَدَ فِي السَّمَاءِ .
13874 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، مِثْلَهُ .
13875 - وَبِهِ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قِرَاءَةً : " يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا " ، بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، حَتَّى لَا تَسْتَطِيعَ أَنْ تَدْخُلَهُ ، " كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ " ، مِنْ شِدَّةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ .
13876 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، مِثْلَهُ .
13877 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ، مِنْ ضِيقِ صَدْرِهِ . [12/110]
وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ .
فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْعِرَاقِ (مكان): ( كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ ) ، بِمَعْنَى : " يَتَصَعَّدُ " ، فَأَدْغَمُوا التَّاءَ فِي الصَّادِ ، فَلِذَلِكَ شَدَّدُوا الصَّادَ .
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ : " يَصَّاعَدُ " ، بِمَعْنَى : " يَتَصَاعَدُ " ، فَأَدْغَمَ التَّاءَ فِي الصَّادِ ، وَجَعَلَهَا صَادًا مُشَدَّدَةً .
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قَرَأَةِ الْمَكِّيِّينَ : " كَأَنَّمَا يَصْعَدُ " ، مِنْ " صَعِدَ يَصْعَدُ " .
وَكُلُّ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ مُتَقَارِبَاتُ الْمُعَانِي ، وَبِأَيِّهَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَهُوَ مُصِيبٌ ، غَيْرَ أَنِّي أَخْتَارُ الْقِرَاءَةَ فِي ذَلِكَ بِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَهُ : ( كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ ) ، بِتَشْدِيدِ الصَّادِ بِغَيْرِ أَلِفٍ ، بِمَعْنَى : " يَتَصَعَّدُ " ، لِكَثْرَةِ الْقَرَأَةِ بِهَا ، وَلِقِيلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " مَا تَصَعَّدَنِي شَيْءٌ مَا تَصَعَّدَتْنِي خُطْبَةُ النِّكَاحِ " .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ( 125 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : كَمَا يَجْعَلُ اللَّهُ صَدْرَ مَنْ أَرَادَ إِضْلَالَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ، كَأَنَّمَا يَصَّعَدُ فِي السَّمَاءِ مِنْ ضِيقِهِ عَنِ الْإِيمَانِ فَيَجْزِيهِ بِذَلِكَ ، كَذَلِكَ يُسَلِّطُ اللَّهُ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَمْثَالِهِ مِمَّنْ أَبَى الْإِيمَانَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، فَيُغْوِيهِ وَيَصُدُّهُ عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ . [12/111]
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى " الرِّجْسِ " .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ كُلُّ مَا لَا خَيْرَ فِيهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13878 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : " الرِّجْسُ " ، مَا لَا خَيْرَ فِيهِ .
13879 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَحِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ، قَالَ : مَا لَا خَيْرَ فِيهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : " الرِّجْسُ " ، الْعَذَابُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13880 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ، قَالَ : الرِّجْسُ عَذَابُ اللَّهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : " الرِّجْسُ " الشَّيْطَانُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13881 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : ( الرِّجْسُ ) ، قَالَ : الشَّيْطَانُ .
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِلُغَاتِ الْعَرَبِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ يَقُولُ : " الرِّجْسُ " ، " وَالنِّجْسُ " لُغَتَانِ . وَيُحْكَى عَنِ الْعَرَبِ أَنَّهَا تَقُولُ : " مَا كَانَ رِجْسًا ، وَلَقَدْ رَجُسَ رَجَاسَةً " وَ " نَجُسَ نَجَاسَةً " . [12/112]
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرِيِّينَ يَقُولُ : " الرِّجْسُ " وَ " الرِّجْزُ " ، سَوَاءٌ ، وَهُمَا الْعَذَابُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمَنْ قَالَ إِنَّ " الرِّجْسَ " وَ " النِّجْسَ " وَاحِدٌ ، لِلْخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ : " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ النِّجْسِ الْخَبِيثِ الْمُخْبِثِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " .
13882 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَدْ بَيَّنَ هَذَا الْخَبَرُ أَنَّ " الرِّجْسَ " هُوَ " النِّجْسُ " ، الْقَذِرُ الَّذِي لَا خَيْرَ فِيهِ ، وَأَنَّهُ مِنْ صِفَةِ الشَّيْطَانِ .