النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ( 109 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَحَلِفَ بِاللَّهِ هَؤُلَاءِ الْعَادِلُونَ بِاللَّهِ جَهْدَ حَلِفِهِمْ ، وَذَلِكَ أَوْكَدُ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الْأَيْمَانِ وَأَصْعَبُهَا وَأَشَدُّهَا ( لَئِنْ جَاءَتْهُمْ [12/38]آيَةٌ ) ، يَقُولُ : قَالُوا : نُقْسِمُ بِاللَّهِ لَئِنْ جَاءَتْنَا آيَةٌ تُصَدِّقُ مَا تَقُولُ ، يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)مِثْلُ الَّذِي جَاءَ مَنْ قَبْلَنَا مِنَ الْأُمَمِ ( لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا ) ، يَقُولُ : قَالُوا : لَنُصَدِّقَنَّ بِمَجِيئِهَا بِكَ ، وَأَنَّكَ لِلَّهِ رَسُولٌ مُرْسَلٌ ، وَأَنَّ مَا جِئْتَنَا بِهِ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ .
وَقِيلَ : " لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا " ، فَأُخْرِجَ الْخَبَرُ عَنْ " الْآيَةِ " ، وَالْمَعْنَى لِمَجِيءِ الْآيَةِ .
يَقُولُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ ، وَهُوَ الْقَادِرُ عَلَى إِتْيَانِكُمْ بِهَا دُونَ كُلِّ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ ( وَمَا يُشْعِرُكُمْ ) ، يَقُولُ : وَمَا يُدْرِيكُمْ ( أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ) ؟
وَذُكِرَ أَنَّ الَّذِينَ سَأَلُوهُ الْآيَةَ مِنْ قَوْمِهِ ، هُمُ الَّذِينَ آيَسَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنْ إِيمَانِهِمْ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِهِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13744 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا ، إِلَى قَوْلِهِ : ( يَجْهَلُونَ ) ، سَأَلَتْ قُرَيْشٌ مُحَمَّدًا (نبي)أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ، وَاسْتَحْلَفَهُمْ : لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا .
13745 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ : لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ .
13746 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ : كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا ، فَقَالُوا : [12/39]يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)تُخْبِرُنَا أَنَّ مُوسَى (نبي)كَانَ مَعَهُ عَصًا يَضْرِبُ بِهَا الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ، وَتُخْبِرُنَا أَنَّ عِيسَى (نبي)كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى ، وَتُخْبِرُنَا أَنَّ ثَمُودَ كَانَتْ لَهُمْ نَاقَةٌ ، فَأْتِنَا بِشَيْءٍ مِنَ الْآيَاتِ حَتَّى نُصَدِّقَكَ ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيَّ شَيْءٍ تُحِبُّونَ أَنْ آتِيَكُمْ بِهِ ؟ قَالُوا : تَجْعَلُ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا . فَقَالَ لَهُمْ : فَإِنْ فَعَلْتُ تُصَدِّقُونِي ؟ قَالُوا : نَعَمْ وَاللَّهِ ، لَئِنْ فَعَلْتَ لَنَتَّبِعَنَّكَ أَجْمَعِينَ ! فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو ، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ لَهُ : لَكَ مَا شِئْتَ ، إِنْ شِئْتَ أَصْبَحَ ذَهَبًا ، وَلَئِنْ أَرْسَلَ آيَةً فَلَمْ يُصَدِّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ لَنُعَذِّبَنَّهُمْ ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَنْدِحْهُمْ حَتَّى يَتُوبَ تَائِبُهُمْ . فَقَالَ : بَلْ يَتُوبُ تَائِبُهُمْ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( يَجْهَلُونَ ) .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمُخَاطَبِينَ بِقَوْلِهِ : وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : خُوطِبَ بِقَوْلِهِ : ( وَمَا يُشْعِرُكُمْ ) الْمُشْرِكُونَ الْمُقْسِمُونَ بِاللَّهِ ، [12/40]لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ وَانْتَهَى الْخَبَرُ عِنْدَ قَوْلِهِ : ( وَمَا يُشْعِرُكُمْ ) ، ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ الْحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ عِنْدَ مَجِيئِهَا اسْتِئْنَافًا مُبْتَدَأً .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13747 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ( وَمَا يُشْعِرُكُمْ ) ، قَالَ : مَا يُدْرِيكُمْ . قَالَ : ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ .
13748 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( وَمَا يُشْعِرُكُمْ ) ، وَمَا يُدْرِيكُمْ " أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ " ، قَالَ : أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ .
13749 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ : " إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ " ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ فَيَقُولُ : إِنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ .
13750 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ : إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ، وَمَا يُدْرِيكُمْ أَنَّكُمْ تُؤْمِنُونَ إِذَا جَاءَتْ . ثُمَّ اسْتَقْبَلَ يُخْبِرُ عَنْهُمْ فَقَالَ : إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ .
وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِكَسْرِ أَلِفِ " إِنَّهَا " ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ : " إِنَّهَا إِذَا جَاءَتَ لَا يُؤْمِنُونَ " ، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُنْقَطِعٌ عَنِ الْأَوَّلِ .
وَمِمَّنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، بَعْضُ قَرَأَةِ الْمَكِّيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ ذَلِكَ خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ . قَالُوا : وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ ، الْمُؤْمِنُونَ بِهِ . قَالُوا : وَإِنَّمَا كَانَ سَبَبُ مَسْأَلَتِهِمْ إِيَّاهُ ذَلِكَ ، أَنَّ الْمُشْرِكِينَ حَلَفُوا أَنَّ الْآيَةَ [12/41]إِذَا جَاءَتْ آمَنُوا وَاتَّبَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَبَّكَ ذَلِكَ ! فَسَأَلَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ وَفِي مَسْأَلَتِهِمْ إِيَّاهُ ذَلِكَ : " قُلْ " لِلْمُؤْمِنِينَ بِكَ يَا مُحَمَّدُ (نبي)" إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ " ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِأَنَّ الْآيَاتِ إِذَا جَاءَتْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ ، أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ فَفَتَحُوا " الْأَلِفَ " مِنْ " أَنَّ " .
وَمَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، عَامَّةُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ (مكان)، وَقَالُوا : أُدْخِلَتْ " لَا " فِي قَوْلِهِ : ( لَا يُؤْمِنُونَ ) صِلَةً ، كَمَا أُدْخِلَتْ فِي قَوْلِهِ : مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ ، [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 12 ] ، وَفِي قَوْلِهِ : وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ ، [ سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ : 95 ] ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى : وَحَرَامٌ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْجِعُوا وَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ .
وَقَدْ تَأَوَّلَ قَوْمٌ قَرَءُوا ، ذَلِكَ بِفَتْحِ " الْأَلِفِ " مِنْ ( أَنَّهَا ) بِمَعْنَى : لَعَلَّهَا . وَذَكَرُوا أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ .
وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ الْعَرَبِ سَمَاعًا مِنْهَا : " اذْهَبْ إِلَى السُّوقِ أَنَّكَ تَشْتَرِي لِي شَيْئًا " ، بِمَعْنَى : لَعَلَّكَ تَشْتَرِي .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ قَوْلَ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ الْعِبَادِيِّ :
أَعَاذِلُ ، مَا يُدْرِيكِ أَنَّ مَنِيَّتِي إِلَى سَاعَةٍ فِي الْيَوْمِ أَوْ فِي ضُحَى الْغَدِ
[12/42]بِمَعْنَى : لَعَلَّ مَنِيَّتِي; وَقَدْ أَنْشَدُوا فِي بَيْتِ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ :
ذَرِينِي أُطَوِّفْ فِي الْبِلَادِ لِأَنَّنِي أَرَى مَا تَرَيْنَ أَوْ بَخِيلًا مُخَلَّدَا
بِمَعْنَى : لَعَلَّنِي . وَالَّذِي أَنْشَدَنِي أَصْحَابُنَا عَنِ الْفَرَّاءِ : " لَعَلَّنِي أَرَى مَا تَرَيْنَ " . وَقَدْ أُنْشِدَ أَيْضًا بَيْتُ تَوْبَةَ بْنِ الْحُمَيِّرِ :
لَهَنَّكَ يَا تَيْسًا نَزَا فِي مَرِيرَةٍ مُعَذِّبُ لَيْلَى أَنْ تَرَانِي أَزُورُهَا [12/43]
" لَهَنَّكَ يَا تَيْسًا " ، بِمَعْنَى : " لَأَنَّكَ " الَّتِي فِي مَعْنَى " لَعَلَّكَ " ، وَأَنْشَدَ بَيْتَ أَبِي النَّجْمِ الْعِجْلِيِّ :
قُلْتُ لِشَيْبَانَ ادْنُ مِنْ لِقَائِهِ أَنَّا نُغَدِّي الْقَوْمَ مِنْ شِوَائِهِ
بِمَعْنَى : لَعَلَّنَا نُغَدِّي الْقَوْمَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ فِي ذَلِكَ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : ذَلِكَ خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِهِ أَعْنِي قَوْلَهُ : وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ وَأَنَّ قَوْلَهُ : " أَنَّهَا " ، بِمَعْنَى : لَعَلَّهَا .
وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى تَأْوِيلَاتِهِ بِالصَّوَابِ ، لِاسْتِفَاضَةِ الْقِرَاءَةِ فِي قَرَأَةِ الْأَمْصَارِ بِالْيَاءِ مِنْ قَوْلِهِ : ( لَا يُؤْمِنُونَ ) .
وَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ : ( وَمَا يُشْعِرُكُمْ ) خِطَابًا لِلْمُشْرِكِينَ ، لَكَانَتِ الْقِرَاءَةُ فِي قَوْلِهِ : ( لَا يُؤْمِنُونَ ) ، بِالتَّاءِ ، وَذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَرَأَهُ بَعْضُ قَرَأَةِ الْمَكِّيِّينَ كَذَلِكَ ، فَقِرَاءَةٌ خَارِجَةٌ عَمَّا عَلَيْهِ قَرَأَةُ الْأَمْصَارِ ، وَكَفَى بِخِلَافِ جَمِيعِهِمْ لَهَا دَلِيلًا عَلَى ذَهَابِهَا وَشُذُوذِهَا .
وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ : وَمَا يُدْرِيكُمْ ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، لَعَلَّ الْآيَاتِ إِذَا جَاءَتْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ، فَيُعَاجَلُوا بِالنِّقْمَةِ وَالْعَذَابِ عِنْدَ ذَلِكَ ، وَلَا يُؤَخَّرُوا بِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَحَلِفَ بِاللَّهِ هَؤُلَاءِ الْعَادِلُونَ بِاللَّهِ جَهْدَ حَلِفِهِمْ ، وَذَلِكَ أَوْكَدُ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الْأَيْمَانِ وَأَصْعَبُهَا وَأَشَدُّهَا ( لَئِنْ جَاءَتْهُمْ [12/38]آيَةٌ ) ، يَقُولُ : قَالُوا : نُقْسِمُ بِاللَّهِ لَئِنْ جَاءَتْنَا آيَةٌ تُصَدِّقُ مَا تَقُولُ ، يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)مِثْلُ الَّذِي جَاءَ مَنْ قَبْلَنَا مِنَ الْأُمَمِ ( لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا ) ، يَقُولُ : قَالُوا : لَنُصَدِّقَنَّ بِمَجِيئِهَا بِكَ ، وَأَنَّكَ لِلَّهِ رَسُولٌ مُرْسَلٌ ، وَأَنَّ مَا جِئْتَنَا بِهِ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ .
وَقِيلَ : " لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا " ، فَأُخْرِجَ الْخَبَرُ عَنْ " الْآيَةِ " ، وَالْمَعْنَى لِمَجِيءِ الْآيَةِ .
يَقُولُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ ، وَهُوَ الْقَادِرُ عَلَى إِتْيَانِكُمْ بِهَا دُونَ كُلِّ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ ( وَمَا يُشْعِرُكُمْ ) ، يَقُولُ : وَمَا يُدْرِيكُمْ ( أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ) ؟
وَذُكِرَ أَنَّ الَّذِينَ سَأَلُوهُ الْآيَةَ مِنْ قَوْمِهِ ، هُمُ الَّذِينَ آيَسَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنْ إِيمَانِهِمْ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِهِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13744 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا ، إِلَى قَوْلِهِ : ( يَجْهَلُونَ ) ، سَأَلَتْ قُرَيْشٌ مُحَمَّدًا (نبي)أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ، وَاسْتَحْلَفَهُمْ : لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا .
13745 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ : لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ .
13746 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ : كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا ، فَقَالُوا : [12/39]يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)تُخْبِرُنَا أَنَّ مُوسَى (نبي)كَانَ مَعَهُ عَصًا يَضْرِبُ بِهَا الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ، وَتُخْبِرُنَا أَنَّ عِيسَى (نبي)كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى ، وَتُخْبِرُنَا أَنَّ ثَمُودَ كَانَتْ لَهُمْ نَاقَةٌ ، فَأْتِنَا بِشَيْءٍ مِنَ الْآيَاتِ حَتَّى نُصَدِّقَكَ ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيَّ شَيْءٍ تُحِبُّونَ أَنْ آتِيَكُمْ بِهِ ؟ قَالُوا : تَجْعَلُ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا . فَقَالَ لَهُمْ : فَإِنْ فَعَلْتُ تُصَدِّقُونِي ؟ قَالُوا : نَعَمْ وَاللَّهِ ، لَئِنْ فَعَلْتَ لَنَتَّبِعَنَّكَ أَجْمَعِينَ ! فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو ، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ لَهُ : لَكَ مَا شِئْتَ ، إِنْ شِئْتَ أَصْبَحَ ذَهَبًا ، وَلَئِنْ أَرْسَلَ آيَةً فَلَمْ يُصَدِّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ لَنُعَذِّبَنَّهُمْ ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَنْدِحْهُمْ حَتَّى يَتُوبَ تَائِبُهُمْ . فَقَالَ : بَلْ يَتُوبُ تَائِبُهُمْ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( يَجْهَلُونَ ) .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمُخَاطَبِينَ بِقَوْلِهِ : وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : خُوطِبَ بِقَوْلِهِ : ( وَمَا يُشْعِرُكُمْ ) الْمُشْرِكُونَ الْمُقْسِمُونَ بِاللَّهِ ، [12/40]لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ وَانْتَهَى الْخَبَرُ عِنْدَ قَوْلِهِ : ( وَمَا يُشْعِرُكُمْ ) ، ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ الْحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ عِنْدَ مَجِيئِهَا اسْتِئْنَافًا مُبْتَدَأً .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13747 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ( وَمَا يُشْعِرُكُمْ ) ، قَالَ : مَا يُدْرِيكُمْ . قَالَ : ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ .
13748 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( وَمَا يُشْعِرُكُمْ ) ، وَمَا يُدْرِيكُمْ " أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ " ، قَالَ : أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ .
13749 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ : " إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ " ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ فَيَقُولُ : إِنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ .
13750 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ : إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ، وَمَا يُدْرِيكُمْ أَنَّكُمْ تُؤْمِنُونَ إِذَا جَاءَتْ . ثُمَّ اسْتَقْبَلَ يُخْبِرُ عَنْهُمْ فَقَالَ : إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ .
وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِكَسْرِ أَلِفِ " إِنَّهَا " ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ : " إِنَّهَا إِذَا جَاءَتَ لَا يُؤْمِنُونَ " ، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُنْقَطِعٌ عَنِ الْأَوَّلِ .
وَمِمَّنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، بَعْضُ قَرَأَةِ الْمَكِّيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ ذَلِكَ خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ . قَالُوا : وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ ، الْمُؤْمِنُونَ بِهِ . قَالُوا : وَإِنَّمَا كَانَ سَبَبُ مَسْأَلَتِهِمْ إِيَّاهُ ذَلِكَ ، أَنَّ الْمُشْرِكِينَ حَلَفُوا أَنَّ الْآيَةَ [12/41]إِذَا جَاءَتْ آمَنُوا وَاتَّبَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَبَّكَ ذَلِكَ ! فَسَأَلَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ وَفِي مَسْأَلَتِهِمْ إِيَّاهُ ذَلِكَ : " قُلْ " لِلْمُؤْمِنِينَ بِكَ يَا مُحَمَّدُ (نبي)" إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ " ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِأَنَّ الْآيَاتِ إِذَا جَاءَتْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ ، أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ فَفَتَحُوا " الْأَلِفَ " مِنْ " أَنَّ " .
وَمَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، عَامَّةُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ (مكان)، وَقَالُوا : أُدْخِلَتْ " لَا " فِي قَوْلِهِ : ( لَا يُؤْمِنُونَ ) صِلَةً ، كَمَا أُدْخِلَتْ فِي قَوْلِهِ : مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ ، [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 12 ] ، وَفِي قَوْلِهِ : وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ ، [ سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ : 95 ] ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى : وَحَرَامٌ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْجِعُوا وَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ .
وَقَدْ تَأَوَّلَ قَوْمٌ قَرَءُوا ، ذَلِكَ بِفَتْحِ " الْأَلِفِ " مِنْ ( أَنَّهَا ) بِمَعْنَى : لَعَلَّهَا . وَذَكَرُوا أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ .
وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ الْعَرَبِ سَمَاعًا مِنْهَا : " اذْهَبْ إِلَى السُّوقِ أَنَّكَ تَشْتَرِي لِي شَيْئًا " ، بِمَعْنَى : لَعَلَّكَ تَشْتَرِي .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ قَوْلَ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ الْعِبَادِيِّ :
أَعَاذِلُ ، مَا يُدْرِيكِ أَنَّ مَنِيَّتِي إِلَى سَاعَةٍ فِي الْيَوْمِ أَوْ فِي ضُحَى الْغَدِ
[12/42]بِمَعْنَى : لَعَلَّ مَنِيَّتِي; وَقَدْ أَنْشَدُوا فِي بَيْتِ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ :
ذَرِينِي أُطَوِّفْ فِي الْبِلَادِ لِأَنَّنِي أَرَى مَا تَرَيْنَ أَوْ بَخِيلًا مُخَلَّدَا
بِمَعْنَى : لَعَلَّنِي . وَالَّذِي أَنْشَدَنِي أَصْحَابُنَا عَنِ الْفَرَّاءِ : " لَعَلَّنِي أَرَى مَا تَرَيْنَ " . وَقَدْ أُنْشِدَ أَيْضًا بَيْتُ تَوْبَةَ بْنِ الْحُمَيِّرِ :
لَهَنَّكَ يَا تَيْسًا نَزَا فِي مَرِيرَةٍ مُعَذِّبُ لَيْلَى أَنْ تَرَانِي أَزُورُهَا [12/43]
" لَهَنَّكَ يَا تَيْسًا " ، بِمَعْنَى : " لَأَنَّكَ " الَّتِي فِي مَعْنَى " لَعَلَّكَ " ، وَأَنْشَدَ بَيْتَ أَبِي النَّجْمِ الْعِجْلِيِّ :
قُلْتُ لِشَيْبَانَ ادْنُ مِنْ لِقَائِهِ أَنَّا نُغَدِّي الْقَوْمَ مِنْ شِوَائِهِ
بِمَعْنَى : لَعَلَّنَا نُغَدِّي الْقَوْمَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ فِي ذَلِكَ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : ذَلِكَ خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِهِ أَعْنِي قَوْلَهُ : وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ وَأَنَّ قَوْلَهُ : " أَنَّهَا " ، بِمَعْنَى : لَعَلَّهَا .
وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى تَأْوِيلَاتِهِ بِالصَّوَابِ ، لِاسْتِفَاضَةِ الْقِرَاءَةِ فِي قَرَأَةِ الْأَمْصَارِ بِالْيَاءِ مِنْ قَوْلِهِ : ( لَا يُؤْمِنُونَ ) .
وَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ : ( وَمَا يُشْعِرُكُمْ ) خِطَابًا لِلْمُشْرِكِينَ ، لَكَانَتِ الْقِرَاءَةُ فِي قَوْلِهِ : ( لَا يُؤْمِنُونَ ) ، بِالتَّاءِ ، وَذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَرَأَهُ بَعْضُ قَرَأَةِ الْمَكِّيِّينَ كَذَلِكَ ، فَقِرَاءَةٌ خَارِجَةٌ عَمَّا عَلَيْهِ قَرَأَةُ الْأَمْصَارِ ، وَكَفَى بِخِلَافِ جَمِيعِهِمْ لَهَا دَلِيلًا عَلَى ذَهَابِهَا وَشُذُوذِهَا .
وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ : وَمَا يُدْرِيكُمْ ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، لَعَلَّ الْآيَاتِ إِذَا جَاءَتْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ، فَيُعَاجَلُوا بِالنِّقْمَةِ وَالْعَذَابِ عِنْدَ ذَلِكَ ، وَلَا يُؤَخَّرُوا بِهِ .