النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ( 108 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ : وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُو الْمُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ ، فَيَسُبَّ الْمُشْرِكُونَ اللَّهَ جَهْلًا مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ ، وَاعْتِدَاءً بِغَيْرِ عِلْمٍ ، كَمَا : -
13738 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [12/34]، قَالَ : قَالُوا : يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)لَتَنْتَهِيَنَّ عَنْ سَبِّ آلِهَتِنَا ، أَوْ لَنَهْجُوَنَّ رَبَّكَ ! فَنَهَاهُمُ اللَّهُ أَنْ يَسُبُّوا أَوْثَانَهُمْ ، فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ .
13739 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ، كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسُبُّونَ أَوْثَانَ الْكُفَّارِ ، فَيَرُدُّونَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ أَنْ يَسْتَسِبُّوا لِرَبِّهِمْ ، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ جَهَلَةٌ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِاللَّهِ .
13740 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ، قَالَ : لَمَّا حَضَرَ أَبَا طَالِبٍ الْمَوْتُ ، قَالَتْ قُرَيْشٌ : انْطَلِقُوا بِنَا فَلْنَدْخُلْ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ ، فَلْنَأْمُرْهُ أَنْ يَنْهَى عَنَّا ابْنَ أَخِيهِ ، فَإِنَّا نَسْتَحِي أَنْ نَقْتُلَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَتَقُولَ الْعَرَبُ : " كَانَ يَمْنَعُهُ فَلَمَّا مَاتَ قَتَلُوهُ " ! فَانْطَلَقَ أَبُو سُفْيَانَ ، وَأَبُو جَهْلٍ ، وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَأُمَيَّةُ وَأُبَيٌّ ابْنَا خَلَفٍ ، وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْبَخْتَرِيِّ ، وَبَعَثُوا رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ : " الْمُطَّلِبُ " ، قَالُوا : اسْتَأْذِنْ عَلَى أَبِي طَالِبٍ ! فَأَتَى أَبَا طَالِبٍ فَقَالَ : هَؤُلَاءِ مَشْيَخَةُ قَوْمِكَ يُرِيدُونَ الدُّخُولَ عَلَيْكَ ! فَأَذِنَ لَهُمْ ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا : يَا أَبَا طَالِبٍ ، أَنْتَ كَبِيرُنَا وَسَيِّدُنَا ، وَإِنَّ مُحَمَّدًا (نبي)قَدْ آذَانَا وَآذَى آلِهَتَنَا ، فَنُحِبُّ أَنْ تَدْعُوَهُ فَتَنْهَاهُ عَنْ ذِكْرِ آلِهَتِنَا ، وَلْنَدَعْهُ وَإِلَهَهُ ! فَدَعَاهُ ، فَجَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ : هَؤُلَاءِ قَوْمُكَ وَبَنُو عَمِّكَ ! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تُرِيدُونَ ؟ قَالُوا : نُرِيدُ أَنْ تَدَعَنَا وَآلِهَتَنَا ، وَنَدَعَكَ وَإِلَهَكَ ! قَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ : [12/35]قَدْ أَنْصَفَكَ قَوْمُكَ ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَعْطَيْتُكُمْ هَذَا ، هَلْ أَنْتُمْ مُعْطِيَّ كَلِمَةً إِنْ تَكَلَّمْتُمْ بِهَا مَلَكْتُمُ الْعَرَبَ ، وَدَانَتْ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ ، وَأَدَّتْ لَكُمُ الْخَرَاجَ ؟ قَالَ أَبُو جَهْلٍ : نَعَمْ وَأَبِيكَ ، لِنُعْطِيَنَّكَهَا وَعَشْرَ أَمْثَالِهَا ، فَمَا هِيَ ؟ قَالَ : قُولُوا : " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " ! فَأَبَوْا وَاشْمَأَزُّوا . قَالَ أَبُو طَالِبٍ : يَا ابْنَ أَخِي ، قُلْ غَيْرَهَا ، فَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ فَزِعُوا مِنْهَا ! قَالَ : يَا عَمِّ ، مَا أَنَا بِالَّذِي أَقُولُ غَيْرَهَا حَتَّى يَأْتُونِي بِالشَّمْسِ فَيَضَعُوهَا فِي يَدِي ، وَلَوْ أَتَوْنِي بِالشَّمْسِ فَوَضَعُوهَا فِي يَدِي مَا قَلْتُ غَيْرَهَا! إِرَادَةً أَنْ يُؤْيِسَهُمْ ، فَغَضِبُوا وَقَالُوا : لَتَكُفَّنَّ عَنْ شَتْمِكَ آلِهَتَنَا ، أَوْ لَنَشْتُمَنَّكَ وَلَنَشْتُمَنَّ مَنْ يَأْمُرُكَ . فَذَلِكَ قَوْلُهُ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ .
13741 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسُبُّونَ أَصْنَامَ الْكَفَّارِ ، فَيَسُبُّ الْكَفَّارُ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ .
13742 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ قَالَ : إِذَا سَبَبْتَ إِلَهَهُ سَبَّ إِلَهَكَ ، فَلَا تَسُبُّوا آلِهَتَهُمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَجْمَعَتِ الْحُجَّةُ مِنْ قَرَأَةِ الْأَمْصَارِ عَلَى قِرَاءَةِ ذَلِكَ : فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ ، وَتَسْكِينِ الدَّالِ ، وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ مِنْ قَوْلِهِ : ( عَدْوًا ) ، عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " عَدَا فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ " ، [12/36]إِذَا ظَلَمَهُ وَاعْتَدَى عَلَيْهِ ، " يَعْدُو عَدْوًا وَعُدُوًّا وَعُدْوَانًا " . وَ " الِاعْتِدَاءُ " ، إِنَّمَا هُوَ : " افْتِعَالٌ " ، مِنْ ذَلِكَ .
رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ : " عُدُوًّا " مُشَدَّدَةَ الْوَاوِ .
13743 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنْ هَارُونَ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَعْدٍ : فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا ، مَضْمُومَةَ الْعَيْنِ ، مُثَقَّلَةً .
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ : " فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدُوًّا " ، يُوَجِّهُ تَأْوِيلَهُ إِلَى أَنَّهُمْ جَمَاعَةٌ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ ، [ سُورَةُ الشُّعَرَاءِ : 77 ] ، وَكَمَا قَالَ : لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ، [ سُورَةُ الْمُمْتَحِنَةِ : 1 ] وَيَجْعَلُ نَصْبَ " الْعَدُوِّ " حِينَئِذٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ ذِكْرِ " الْمُشْرِكِينَ " فِي قَوْلِهِ : فَيَسُبُّوا ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَلَا تَسُبُّوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَدْعُو الْمُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، فَيَسُبَّ الْمُشْرِكُونَ اللَّهَ ، أَعْدَاءُ اللَّهِ ، بِغَيْرِ عِلْمٍ . وَإِذَا كَانَ التَّأْوِيلُ هَكَذَا ، كَانَ " الْعَدُوُّ " ، مِنْ صِفَةِ " الْمُشْرِكِينَ " وَنَعْتِهِمْ ، كَأَنَّهُ قِيلَ : فَيَسُبَّ الْمُشْرِكُونَ أَعْدَاءُ اللَّهِ ، بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَكِنَّ " الْعَدُوَّ " لَمَّا خَرَجَ مَخْرَجَ النَّكِرَةِ وَهُوَ نَعْتٌ لِلْمَعْرِفَةِ ، نُصِبَ عَلَى الْحَالِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مَنِ الْقَرَأَةِ عَلَى قِرَاءَةِ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ خِلَافُهَا فِيمَا جَاءَتْ بِهِ مُجْمِعَةً عَلَيْهِ .
[12/37]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 108 )
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : كَمَا زَيَّنَّا لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ ، عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ وَطَاعَةَ الشَّيْطَانِ بِخِذْلَانِنَا إِيَّاهُمْ عَنْ طَاعَةِ الرَّحْمَنِ ، كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ جَمَاعَةٍ اجْتَمَعَتْ عَلَى عَمَلٍ مِنَ الْأَعْمَالِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَمَعْصِيَتِهِ ، عَمَلَهُمُ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مُجْتَمِعُونَ ، ثُمَّ مَرْجِعُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَصِيرُهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ " فَيُنْبِئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " . يَقُولُ : فَيُوقِفُهُمْ وَيُخْبِرُهُمْ بِأَعْمَالِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهَا فِي الدُّنْيَا ، ثُمَّ يُجَازِيهِمْ بِهَا ، إِنْ كَانَ خَيْرًا فَخَيْرًا ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَشَرًّا ، أَوْ يَعْفُو بِفَضْلِهِ ، مَا لَمْ يَكُنْ شِرْكًا أَوْ كُفْرًا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ : وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُو الْمُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ ، فَيَسُبَّ الْمُشْرِكُونَ اللَّهَ جَهْلًا مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ ، وَاعْتِدَاءً بِغَيْرِ عِلْمٍ ، كَمَا : -
13738 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [12/34]، قَالَ : قَالُوا : يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)لَتَنْتَهِيَنَّ عَنْ سَبِّ آلِهَتِنَا ، أَوْ لَنَهْجُوَنَّ رَبَّكَ ! فَنَهَاهُمُ اللَّهُ أَنْ يَسُبُّوا أَوْثَانَهُمْ ، فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ .
13739 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ، كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسُبُّونَ أَوْثَانَ الْكُفَّارِ ، فَيَرُدُّونَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ أَنْ يَسْتَسِبُّوا لِرَبِّهِمْ ، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ جَهَلَةٌ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِاللَّهِ .
13740 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ، قَالَ : لَمَّا حَضَرَ أَبَا طَالِبٍ الْمَوْتُ ، قَالَتْ قُرَيْشٌ : انْطَلِقُوا بِنَا فَلْنَدْخُلْ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ ، فَلْنَأْمُرْهُ أَنْ يَنْهَى عَنَّا ابْنَ أَخِيهِ ، فَإِنَّا نَسْتَحِي أَنْ نَقْتُلَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَتَقُولَ الْعَرَبُ : " كَانَ يَمْنَعُهُ فَلَمَّا مَاتَ قَتَلُوهُ " ! فَانْطَلَقَ أَبُو سُفْيَانَ ، وَأَبُو جَهْلٍ ، وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَأُمَيَّةُ وَأُبَيٌّ ابْنَا خَلَفٍ ، وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْبَخْتَرِيِّ ، وَبَعَثُوا رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ : " الْمُطَّلِبُ " ، قَالُوا : اسْتَأْذِنْ عَلَى أَبِي طَالِبٍ ! فَأَتَى أَبَا طَالِبٍ فَقَالَ : هَؤُلَاءِ مَشْيَخَةُ قَوْمِكَ يُرِيدُونَ الدُّخُولَ عَلَيْكَ ! فَأَذِنَ لَهُمْ ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا : يَا أَبَا طَالِبٍ ، أَنْتَ كَبِيرُنَا وَسَيِّدُنَا ، وَإِنَّ مُحَمَّدًا (نبي)قَدْ آذَانَا وَآذَى آلِهَتَنَا ، فَنُحِبُّ أَنْ تَدْعُوَهُ فَتَنْهَاهُ عَنْ ذِكْرِ آلِهَتِنَا ، وَلْنَدَعْهُ وَإِلَهَهُ ! فَدَعَاهُ ، فَجَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ : هَؤُلَاءِ قَوْمُكَ وَبَنُو عَمِّكَ ! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تُرِيدُونَ ؟ قَالُوا : نُرِيدُ أَنْ تَدَعَنَا وَآلِهَتَنَا ، وَنَدَعَكَ وَإِلَهَكَ ! قَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ : [12/35]قَدْ أَنْصَفَكَ قَوْمُكَ ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَعْطَيْتُكُمْ هَذَا ، هَلْ أَنْتُمْ مُعْطِيَّ كَلِمَةً إِنْ تَكَلَّمْتُمْ بِهَا مَلَكْتُمُ الْعَرَبَ ، وَدَانَتْ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ ، وَأَدَّتْ لَكُمُ الْخَرَاجَ ؟ قَالَ أَبُو جَهْلٍ : نَعَمْ وَأَبِيكَ ، لِنُعْطِيَنَّكَهَا وَعَشْرَ أَمْثَالِهَا ، فَمَا هِيَ ؟ قَالَ : قُولُوا : " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " ! فَأَبَوْا وَاشْمَأَزُّوا . قَالَ أَبُو طَالِبٍ : يَا ابْنَ أَخِي ، قُلْ غَيْرَهَا ، فَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ فَزِعُوا مِنْهَا ! قَالَ : يَا عَمِّ ، مَا أَنَا بِالَّذِي أَقُولُ غَيْرَهَا حَتَّى يَأْتُونِي بِالشَّمْسِ فَيَضَعُوهَا فِي يَدِي ، وَلَوْ أَتَوْنِي بِالشَّمْسِ فَوَضَعُوهَا فِي يَدِي مَا قَلْتُ غَيْرَهَا! إِرَادَةً أَنْ يُؤْيِسَهُمْ ، فَغَضِبُوا وَقَالُوا : لَتَكُفَّنَّ عَنْ شَتْمِكَ آلِهَتَنَا ، أَوْ لَنَشْتُمَنَّكَ وَلَنَشْتُمَنَّ مَنْ يَأْمُرُكَ . فَذَلِكَ قَوْلُهُ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ .
13741 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسُبُّونَ أَصْنَامَ الْكَفَّارِ ، فَيَسُبُّ الْكَفَّارُ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ .
13742 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ قَالَ : إِذَا سَبَبْتَ إِلَهَهُ سَبَّ إِلَهَكَ ، فَلَا تَسُبُّوا آلِهَتَهُمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَجْمَعَتِ الْحُجَّةُ مِنْ قَرَأَةِ الْأَمْصَارِ عَلَى قِرَاءَةِ ذَلِكَ : فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ ، وَتَسْكِينِ الدَّالِ ، وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ مِنْ قَوْلِهِ : ( عَدْوًا ) ، عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " عَدَا فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ " ، [12/36]إِذَا ظَلَمَهُ وَاعْتَدَى عَلَيْهِ ، " يَعْدُو عَدْوًا وَعُدُوًّا وَعُدْوَانًا " . وَ " الِاعْتِدَاءُ " ، إِنَّمَا هُوَ : " افْتِعَالٌ " ، مِنْ ذَلِكَ .
رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ : " عُدُوًّا " مُشَدَّدَةَ الْوَاوِ .
13743 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنْ هَارُونَ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَعْدٍ : فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا ، مَضْمُومَةَ الْعَيْنِ ، مُثَقَّلَةً .
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ : " فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدُوًّا " ، يُوَجِّهُ تَأْوِيلَهُ إِلَى أَنَّهُمْ جَمَاعَةٌ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ ، [ سُورَةُ الشُّعَرَاءِ : 77 ] ، وَكَمَا قَالَ : لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ، [ سُورَةُ الْمُمْتَحِنَةِ : 1 ] وَيَجْعَلُ نَصْبَ " الْعَدُوِّ " حِينَئِذٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ ذِكْرِ " الْمُشْرِكِينَ " فِي قَوْلِهِ : فَيَسُبُّوا ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَلَا تَسُبُّوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَدْعُو الْمُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، فَيَسُبَّ الْمُشْرِكُونَ اللَّهَ ، أَعْدَاءُ اللَّهِ ، بِغَيْرِ عِلْمٍ . وَإِذَا كَانَ التَّأْوِيلُ هَكَذَا ، كَانَ " الْعَدُوُّ " ، مِنْ صِفَةِ " الْمُشْرِكِينَ " وَنَعْتِهِمْ ، كَأَنَّهُ قِيلَ : فَيَسُبَّ الْمُشْرِكُونَ أَعْدَاءُ اللَّهِ ، بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَكِنَّ " الْعَدُوَّ " لَمَّا خَرَجَ مَخْرَجَ النَّكِرَةِ وَهُوَ نَعْتٌ لِلْمَعْرِفَةِ ، نُصِبَ عَلَى الْحَالِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مَنِ الْقَرَأَةِ عَلَى قِرَاءَةِ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ خِلَافُهَا فِيمَا جَاءَتْ بِهِ مُجْمِعَةً عَلَيْهِ .
[12/37]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 108 )
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : كَمَا زَيَّنَّا لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ ، عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ وَطَاعَةَ الشَّيْطَانِ بِخِذْلَانِنَا إِيَّاهُمْ عَنْ طَاعَةِ الرَّحْمَنِ ، كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ جَمَاعَةٍ اجْتَمَعَتْ عَلَى عَمَلٍ مِنَ الْأَعْمَالِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَمَعْصِيَتِهِ ، عَمَلَهُمُ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مُجْتَمِعُونَ ، ثُمَّ مَرْجِعُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَصِيرُهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ " فَيُنْبِئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " . يَقُولُ : فَيُوقِفُهُمْ وَيُخْبِرُهُمْ بِأَعْمَالِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهَا فِي الدُّنْيَا ، ثُمَّ يُجَازِيهِمْ بِهَا ، إِنْ كَانَ خَيْرًا فَخَيْرًا ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَشَرًّا ، أَوْ يَعْفُو بِفَضْلِهِ ، مَا لَمْ يَكُنْ شِرْكًا أَوْ كُفْرًا .