النص
[11/543]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ( 94 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّا هُوَ قَائِلٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِهِ الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ ، يُخْبِرُ عِبَادَهُ أَنَّهُ يَقُولُ لَهُمْ عِنْدَ وُرُودِهِمْ عَلَيْهِ : " لَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى " .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " فُرَادَى " وُحْدَانًا لَا مَالَ مَعَهُمْ ، وَلَا إِنَاثَ ، وَلَا رَقِيقَ ، وَلَا شَيْءَ مِمَّا كَانَ اللَّهُ خَوَّلَهُمْ فِي الدُّنْيَا " كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةً " عُرَاةً غُلْفًا غُرْلًا حُفَاةً ، كَمَا وَلَّدَتْهُمْ أُمَّهَاتُهُمْ ، وَكَمَا خَلَقَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ وَلَا مَعَهُمْ مِمَّا كَانُوا يَتَبَاهَوْنَ بِهِ فِي الدُّنْيَا .
وَ " فُرَادَى " جَمْعٌ ، يُقَالُ لِوَاحِدِهَا : " فَرْدٌ " كَمَا قَالَ نَابِغَةُ بَنِي ذُبْيَانَ :
مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مَوْشِيٍّ أَكَارِعُهُ طَاوِي الْمَصِيرِ كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ الْفَرِدِ [11/544]
وَ " فَرَدٌ " وَ " فَرِيدٌ " كَمَا يُقَالُ : " وَحَدٌ " وَ " وَحِدٌ " وَ " وَحِيدٌ " فِي وَاحِدِ " الْأَوْحَادِ " . وَقَدْ يُجْمَعُ " الْفَرَدُ " " الْفُرَادُ " كَمَا يُجْمَعُ " الْوَحَدُ " " الْوُحَادُ " وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
تَرَى النَّعَرَاتِ الزُّرْقَ فَوْقَ لَبَانِهِ فُرَادَى وَمَثْنًى أَصْعَقَتْهَا صَوَاهِلُهْ
وَكَانَ يُونُسُ الْجَرْمِيُّ ، فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ ، يَقُولُ : " فُرَادُ " جَمْعُ " فَرْدٍ " كَمَا قِيلَ : " تُؤْمٌ " وَ " تُؤَامٌ " لِلْجَمِيعِ . وَمِنْهُ : " الْفُرَادَى " وَ " الرُّدَافَى " وَ " الْقُرَانَى " . يُقَالُ : " رَجُلٌ فَرْدٌ " وَ " امْرَأَةٌ فَرْدٌ " إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا أَخٌ . " وَقَدْ فَرَدَ الرَّجُلُ فَهُوَ يَفْرُدُ فُرُودًا " يُرَادُ بِهِ تَفَرَّدَ ، " فَهُوَ فَارِدٌ " .
13570 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ [ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ قَالَ ] ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو : أَنَّ ابْنَ أَبِي هِلَالٍ حَدَّثَهُ : أَنَّهُ سَمِعَ الْقُرَظِيَّ يَقُولُ : قَرَأَتْ عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلَ اللَّهِ : " وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَقَالَتْ : وَاسَوْأَتَاهُ ، إِنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ يُحْشَرُونَ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْأَةِ بَعْضٍ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ " لَا يَنْظُرُ الرِّجَالُ إِلَى النِّسَاءِ ، وَلَا النِّسَاءُ إِلَى الرِّجَالِ ، شُغِلَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ . [11/545]
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ " فَإِنَّهُ يَقُولُ : خَلَّفْتُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ مَا مَكَّنَّاكُمْ فِي الدُّنْيَا مِمَّا كُنْتُمْ تَتَبَاهَوْنَ بِهِ فِيهَا ، خَلْفَكُمْ فِي الدُّنْيَا فَلَمْ تَحْمِلُوهُ مَعَكُمْ .
وَهَذَا تَعْيِيرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِمُبَاهَاتِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَتَبَاهَوْنَ بِهَا فِي الدُّنْيَا بِأَمْوَالِهِمْ .
وَكُلُّ مَا مَلَّكْتَهُ غَيْرَكَ وَأَعْطَيْتَهُ : " فَقَدْ خَوَّلْتَهُ " يُقَالُ مِنْهُ : " خَالَ الرَّجُلُ يَخَالُ أَشَدَّ الْخِيَالِ " بِكَسْرِ الْخَاءِ " وَهُوَ خَائِلٌ " وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي النَّجْمِ :
أَعْطَى فَلَمْ يَبْخَلْ وَلَمْ يُبَخَّلِ كَوَمَ الذُّرَى مِنْ خَوَلِ الْمُخَوِّلِ [11/546]
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ كَانَ يُنْشِدُ بَيْتَ زُهَيْرٍ :
هُنَالِكَ إِنْ يُسْتَخْوَلُوا الْمَالَ يُخْوِلُوا وَإِنَّ يُسْأَلُوا يُعْطُوا وَإِنْ يَيْسِرُوا يُغْلُوا
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13571 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ " مِنَ الْمَالِ وَالْخَدَمِ " وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ " فِي الدُّنْيَا .
[11/547]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الْأَنْدَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : مَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا تَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَشْفَعُونَ لَكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ ، لِقِيلِهِ : إِنَّ اللَّاتَ وَالْعُزَّى يَشْفَعَانِ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وَقِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ كَانَ قَوْلَ كَافَّةِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13572 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : أَمَّا قَوْلُهُ : " وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْآلِهَةَ ، لِأَنَّهُمْ شُفَعَاءُ يَشْفَعُونَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ ، وَأَنَّ هَذِهِ الْآلِهَةَ شُرَكَاءُ لِلَّهِ .
13573 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : قَالَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ : " سَوْفَ تَشْفَعُ لِيَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى " ! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : " وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ " إِلَى قَوْلِهِ : " شُرَكَاءُ " .
[11/548]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( 94 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - ، مُخْبِرًا عَنْ قِيلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ الْأَنْدَادَ : " لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ " يَعْنِي تَوَاصُلَهُمُ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا ، ذَهَبَ ذَلِكَ الْيَوْمُ ، فَلَا تَوَاصُلَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَوَادَّ وَلَا تَنَاصُرَ ، وَقَدْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا يَتَوَاصَلُونَ وَيَتَنَاصَرُونَ ، فَاضْمَحَلَّ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْآخِرَةِ ، فَلَا أَحَدَ مِنْهُمْ يَنْصُرُ صَاحِبَهُ ، وَلَا يُوَاصِلُهُ .
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13574 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ " " الْبَيْنُ " تَوَاصُلُهُمْ .
13575 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ " قَالَ : تَوَاصُلُهُمْ فِي الدُّنْيَا .
13576 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : " لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ " قَالَ : وَصْلَكُمْ .
13577 - وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ " قَالَ : مَا كَانَ بَيْنَكُمْ مِنَ الْوَصْلِ .
13578 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي [11/549]مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ " يَعْنِي الْأَرْحَامَ وَالْمَنَازِلَ .
13579 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ " يَقُولُ : تَقْطَعَ مَا بَيْنَكُمْ .
13580 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ : " لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ " التَّوَاصُلُ فِي الدُّنْيَا .
وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي [ قِرَاءَةِ ] قَوْلِهِ : " بَيْنَكُمْ " .
فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ (مكان)نَصْبًا ، بِمَعْنَى : لَقَدْ تَقَطَّعَ مَا بَيْنَكُمْ .
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ مَكَّةَ (مكان)وَالْعِرَاقَيْنِ : لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ، رَفْعًا ، بِمَعْنَى : لَقَدْ تَقَطَّعَ وَصْلُكُمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ بِاتِّفَاقِ الْمَعْنَى ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ الصَّوَابَ .
وَذَلِكَ أَنْ الْعَرَبَ قَدْ تَنْصِبُ " بَيْنَ " فِي مَوْضِعِ الِاسْمِ . ذُكِرَ سَمَاعًا مِنْهَا : " أَتَانِي نَحْوَكَ ، وَدُونَكَ ، وَسِوَاءَكَ " نَصْبًا فِي مَوْضِعِ الرَّفْعِ . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْهَا سَمَاعًا الرَّفْعُ فِي " بَيْنَ " إِذَا كَانَ الْفِعْلُ لَهَا ، وَجُعِلَتِ اسْمًا ، وَيُنْشِدُ بَيْتَ مُهَلْهَلٍ :
كَأَنَّ رِماحَهُمْ أَشْطَانُ بِئْرٍ بَعِيدٍ بَيْنُ جَالَيْهَا جَرُورِ [11/550]
بِرَفْعِ " بَيْنُ " إِذْ كَانَتِ اسْمًا ، غَيْرَ أَنَّ الْأَغْلَبَ عَلَيْهِمْ فِي كَلَامِهِمُ النَّصْبُ فِيهَا فِي حَالِ كَوْنِهَا صِفَةً ، وَفِي حَالِ كَوْنِهَا اسْمًا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ " فَإِنَّهُ يَقُولُ : وَحَادَ عَنْ طَرِيقِكُمْ وَمِنْهَاجِكُمْ مَا كُنْتُمْ مِنْ آلِهَتِكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّهُ شَرِيكُ رَبِّكُمْ ، وَأَنَّهُ لَكُمْ شَفِيعٌ عِنْدَ رَبِّكُمْ ، فَلَا يَشْفَعُ لَكُمُ الْيَوْمَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّا هُوَ قَائِلٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِهِ الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ ، يُخْبِرُ عِبَادَهُ أَنَّهُ يَقُولُ لَهُمْ عِنْدَ وُرُودِهِمْ عَلَيْهِ : " لَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى " .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " فُرَادَى " وُحْدَانًا لَا مَالَ مَعَهُمْ ، وَلَا إِنَاثَ ، وَلَا رَقِيقَ ، وَلَا شَيْءَ مِمَّا كَانَ اللَّهُ خَوَّلَهُمْ فِي الدُّنْيَا " كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةً " عُرَاةً غُلْفًا غُرْلًا حُفَاةً ، كَمَا وَلَّدَتْهُمْ أُمَّهَاتُهُمْ ، وَكَمَا خَلَقَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ وَلَا مَعَهُمْ مِمَّا كَانُوا يَتَبَاهَوْنَ بِهِ فِي الدُّنْيَا .
وَ " فُرَادَى " جَمْعٌ ، يُقَالُ لِوَاحِدِهَا : " فَرْدٌ " كَمَا قَالَ نَابِغَةُ بَنِي ذُبْيَانَ :
مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مَوْشِيٍّ أَكَارِعُهُ طَاوِي الْمَصِيرِ كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ الْفَرِدِ [11/544]
وَ " فَرَدٌ " وَ " فَرِيدٌ " كَمَا يُقَالُ : " وَحَدٌ " وَ " وَحِدٌ " وَ " وَحِيدٌ " فِي وَاحِدِ " الْأَوْحَادِ " . وَقَدْ يُجْمَعُ " الْفَرَدُ " " الْفُرَادُ " كَمَا يُجْمَعُ " الْوَحَدُ " " الْوُحَادُ " وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
تَرَى النَّعَرَاتِ الزُّرْقَ فَوْقَ لَبَانِهِ فُرَادَى وَمَثْنًى أَصْعَقَتْهَا صَوَاهِلُهْ
وَكَانَ يُونُسُ الْجَرْمِيُّ ، فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ ، يَقُولُ : " فُرَادُ " جَمْعُ " فَرْدٍ " كَمَا قِيلَ : " تُؤْمٌ " وَ " تُؤَامٌ " لِلْجَمِيعِ . وَمِنْهُ : " الْفُرَادَى " وَ " الرُّدَافَى " وَ " الْقُرَانَى " . يُقَالُ : " رَجُلٌ فَرْدٌ " وَ " امْرَأَةٌ فَرْدٌ " إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا أَخٌ . " وَقَدْ فَرَدَ الرَّجُلُ فَهُوَ يَفْرُدُ فُرُودًا " يُرَادُ بِهِ تَفَرَّدَ ، " فَهُوَ فَارِدٌ " .
13570 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ [ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ قَالَ ] ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو : أَنَّ ابْنَ أَبِي هِلَالٍ حَدَّثَهُ : أَنَّهُ سَمِعَ الْقُرَظِيَّ يَقُولُ : قَرَأَتْ عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلَ اللَّهِ : " وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَقَالَتْ : وَاسَوْأَتَاهُ ، إِنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ يُحْشَرُونَ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْأَةِ بَعْضٍ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ " لَا يَنْظُرُ الرِّجَالُ إِلَى النِّسَاءِ ، وَلَا النِّسَاءُ إِلَى الرِّجَالِ ، شُغِلَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ . [11/545]
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ " فَإِنَّهُ يَقُولُ : خَلَّفْتُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ مَا مَكَّنَّاكُمْ فِي الدُّنْيَا مِمَّا كُنْتُمْ تَتَبَاهَوْنَ بِهِ فِيهَا ، خَلْفَكُمْ فِي الدُّنْيَا فَلَمْ تَحْمِلُوهُ مَعَكُمْ .
وَهَذَا تَعْيِيرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِمُبَاهَاتِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَتَبَاهَوْنَ بِهَا فِي الدُّنْيَا بِأَمْوَالِهِمْ .
وَكُلُّ مَا مَلَّكْتَهُ غَيْرَكَ وَأَعْطَيْتَهُ : " فَقَدْ خَوَّلْتَهُ " يُقَالُ مِنْهُ : " خَالَ الرَّجُلُ يَخَالُ أَشَدَّ الْخِيَالِ " بِكَسْرِ الْخَاءِ " وَهُوَ خَائِلٌ " وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي النَّجْمِ :
أَعْطَى فَلَمْ يَبْخَلْ وَلَمْ يُبَخَّلِ كَوَمَ الذُّرَى مِنْ خَوَلِ الْمُخَوِّلِ [11/546]
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ كَانَ يُنْشِدُ بَيْتَ زُهَيْرٍ :
هُنَالِكَ إِنْ يُسْتَخْوَلُوا الْمَالَ يُخْوِلُوا وَإِنَّ يُسْأَلُوا يُعْطُوا وَإِنْ يَيْسِرُوا يُغْلُوا
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13571 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ " مِنَ الْمَالِ وَالْخَدَمِ " وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ " فِي الدُّنْيَا .
[11/547]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الْأَنْدَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : مَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا تَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَشْفَعُونَ لَكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ ، لِقِيلِهِ : إِنَّ اللَّاتَ وَالْعُزَّى يَشْفَعَانِ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وَقِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ كَانَ قَوْلَ كَافَّةِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13572 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : أَمَّا قَوْلُهُ : " وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْآلِهَةَ ، لِأَنَّهُمْ شُفَعَاءُ يَشْفَعُونَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ ، وَأَنَّ هَذِهِ الْآلِهَةَ شُرَكَاءُ لِلَّهِ .
13573 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : قَالَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ : " سَوْفَ تَشْفَعُ لِيَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى " ! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : " وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ " إِلَى قَوْلِهِ : " شُرَكَاءُ " .
[11/548]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( 94 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - ، مُخْبِرًا عَنْ قِيلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ الْأَنْدَادَ : " لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ " يَعْنِي تَوَاصُلَهُمُ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا ، ذَهَبَ ذَلِكَ الْيَوْمُ ، فَلَا تَوَاصُلَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَوَادَّ وَلَا تَنَاصُرَ ، وَقَدْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا يَتَوَاصَلُونَ وَيَتَنَاصَرُونَ ، فَاضْمَحَلَّ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْآخِرَةِ ، فَلَا أَحَدَ مِنْهُمْ يَنْصُرُ صَاحِبَهُ ، وَلَا يُوَاصِلُهُ .
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13574 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ " " الْبَيْنُ " تَوَاصُلُهُمْ .
13575 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ " قَالَ : تَوَاصُلُهُمْ فِي الدُّنْيَا .
13576 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : " لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ " قَالَ : وَصْلَكُمْ .
13577 - وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ " قَالَ : مَا كَانَ بَيْنَكُمْ مِنَ الْوَصْلِ .
13578 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي [11/549]مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ " يَعْنِي الْأَرْحَامَ وَالْمَنَازِلَ .
13579 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ " يَقُولُ : تَقْطَعَ مَا بَيْنَكُمْ .
13580 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ : " لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ " التَّوَاصُلُ فِي الدُّنْيَا .
وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي [ قِرَاءَةِ ] قَوْلِهِ : " بَيْنَكُمْ " .
فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ (مكان)نَصْبًا ، بِمَعْنَى : لَقَدْ تَقَطَّعَ مَا بَيْنَكُمْ .
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ مَكَّةَ (مكان)وَالْعِرَاقَيْنِ : لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ، رَفْعًا ، بِمَعْنَى : لَقَدْ تَقَطَّعَ وَصْلُكُمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ بِاتِّفَاقِ الْمَعْنَى ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ الصَّوَابَ .
وَذَلِكَ أَنْ الْعَرَبَ قَدْ تَنْصِبُ " بَيْنَ " فِي مَوْضِعِ الِاسْمِ . ذُكِرَ سَمَاعًا مِنْهَا : " أَتَانِي نَحْوَكَ ، وَدُونَكَ ، وَسِوَاءَكَ " نَصْبًا فِي مَوْضِعِ الرَّفْعِ . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْهَا سَمَاعًا الرَّفْعُ فِي " بَيْنَ " إِذَا كَانَ الْفِعْلُ لَهَا ، وَجُعِلَتِ اسْمًا ، وَيُنْشِدُ بَيْتَ مُهَلْهَلٍ :
كَأَنَّ رِماحَهُمْ أَشْطَانُ بِئْرٍ بَعِيدٍ بَيْنُ جَالَيْهَا جَرُورِ [11/550]
بِرَفْعِ " بَيْنُ " إِذْ كَانَتِ اسْمًا ، غَيْرَ أَنَّ الْأَغْلَبَ عَلَيْهِمْ فِي كَلَامِهِمُ النَّصْبُ فِيهَا فِي حَالِ كَوْنِهَا صِفَةً ، وَفِي حَالِ كَوْنِهَا اسْمًا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ " فَإِنَّهُ يَقُولُ : وَحَادَ عَنْ طَرِيقِكُمْ وَمِنْهَاجِكُمْ مَا كُنْتُمْ مِنْ آلِهَتِكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّهُ شَرِيكُ رَبِّكُمْ ، وَأَنَّهُ لَكُمْ شَفِيعٌ عِنْدَ رَبِّكُمْ ، فَلَا يَشْفَعُ لَكُمُ الْيَوْمَ .