تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْأَنْعَامِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَهَذَا كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ . . . . "

ج 11
ص 530

الآية المفسَّرة

وَهَذَا كِتَابٌ أَنْـزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 11 · ص 530

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْـزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا ( 92 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَهَذَا الْقُرْآنُ ، يَا مُحَمَّدُ (نبي)" كِتَابٌ " .
وَهُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ ، قَدْ بَيَّنْتُهُ وَبَيَّنْتُ مَعْنَاهُ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ ، وَمَعْنَاهُ مَكْتُوبٌ ، فَوَضْعَ " الْكِتَابَ " مَكَانَ " الْمَكْتُوبِ " .
" أَنْزَلْنَاهُ " يَقُولُ : أَوْحَيْنَاهُ إِلَيْكَ " مُبَارَكٌ " وَهُوَ " مُفَاعَلٌ " مِنَ " الْبَرَكَةِ " " مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ " يَقُولُ : صَدَّقَ هَذَا الْكِتَابُ مَا قَبْلَهُ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى أَنْبِيَائِهِ قَبْلَكَ ، لَمْ يُخَالِفْهَا [ دَلَالَةً وَمَعْنًى ] " نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ " يَقُولُ : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكَ ، يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)هَذَا الْكِتَابَ مُبَارَكًا ، مُصَدِّقًا كِتَابَ مُوسَى (نبي)وَعِيسَى (نبي)وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ . وَلَكِنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَنْهُ ، إِذْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ [ مِنَ ] الْخَبَرِ عَنْ ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ [ لَهُ ] مُوَاصِلٌ ، فَقَالَ : " وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ " وَمَعْنَاهُ : وَكَذَلِكَ أنْزَلْتُ إِلَيْكَ كِتَابِي هَذَا مُبَارَكًا ، كَالَّذِي أَنْزَلْتُ مِنَ التَّوْرَاةِ إِلَى مُوسَى (نبي)هُدًى وَنُورًا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا " فَإِنَّهُ يَقُولُ : أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ، يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)[11/531]هَذَا الْكِتَابَ مُصَدِّقًا مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ ، وَلِتُنْذِرَ بِهِ عَذَابَ اللَّهِ وَبَأْسَهُ مَنْ فِي أُمِّ الْقُرَى ، (مكان)وَهِيَ مَكَّةُ (مكان)" وَمَنْ حَوْلَهَا " شَرْقًا وَغَرْبًا ، مِنَ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمْ غَيْرَهُ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ ، وَالْجَاحِدِينَ بِرُسُلِهِ ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْنَافِ الْكُفَّارِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13550 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : " وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى (مكان)وَمَنْ حَوْلَهَا " يَعْنِي بِ " أُمِّ الْقُرَى (مكان)" مَكَّةَ (مكان)" وَمَنْ حَوْلَهَا " مِنَ الْقُرَى إِلَى الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ .
13551 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : " وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى (مكان)وَمَنْ حَوْلَهَا " وَ " أُمُّ الْقُرَى (مكان)" مَكَّةُ (مكان)" وَمَنْ حَوْلَهَا " الْأَرْضُ كُلُّهَا .
13552 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى (مكان)" قَالَ : هِيَ مَكَّةُ (مكان)وَبِهِ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ الْأَرْضَ دُحِيَتْ مِنْ مَكَّةَ (مكان).
13553 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : " وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى (مكان)وَمَنْ حَوْلَهَا " كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّ أُمَّ الْقُرَى (مكان)مَكَّةُ (مكان)، وَكُنَّا نُحَدَّثُ أَنْ مِنْهَا دُحِيَتِ الْأَرْضُ .
13554 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : " وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى (مكان)وَمَنْ حَوْلَهَا " أَمَّا " أُمُّ الْقُرَى (مكان)" فَهِيَ مَكَّةُ ، (مكان)وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ " أُمَّ الْقُرَى (مكان)" لِأَنَّهَا أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ بِهَا . [11/532]
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى الْعِلَّةَ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا سُمِّيَتْ مَكَّةُ (مكان)" أُمَّ الْقُرَى (مكان)" بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ( 92 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِقِيَامِ السَّاعَةِ وَالْمَعَادِ فِي الْآخِرَةِ إِلَى اللَّهِ ، وَيُصَدِّقُ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ ، فَإِنَّهُ يُؤْمِنُ بِهَذَا الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ ، يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)وَيُصَدِّقُ بِهِ ، وَيُقِرُّ بِأَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهُ ، وَيُحَافِظُ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ الَّتِي أَمَرَهُ اللَّهُ بِإِقَامَتِهَا ، لِأَنَّهُ مُنْذِرُ مَنْ بَلَغَهُ وَعِيدَ اللَّهِ عَلَى الْكُفْرِ بِهِ وَعَلَى مَعَاصِيهِ ، وَإِنَّمَا يَجْحَدُ بِهِ وَبِمَا فِيهِ وَيُكَذِّبُ ، أَهْلُ التَّكْذِيبِ بِالْمُعَادِ ، وَالْجُحُودِ لِقِيَامِ السَّاعَةِ ، لِأَنَّهُ لَا يَرْجُو مِنَ اللَّهِ إِنْ عَمِلَ بِمَا فِيهِ ثَوَابًا ، وَلَا يَخَافُ إِنْ لَمْ يَجْتَنِبْ مَا يَأْمُرُهُ بِاجْتِنَابِهِ عِقَابًا .