النص
[11/521]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ( 91 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ " وَمَا أَجَلُّوا اللَّهَ حَقَّ إِجْلَالِهِ ، وَلَا عَظَّمُوهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ " إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ " يَقُولُ : حِينَ قَالُوا : لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ عَلَى آدَمِيٍّ كِتَابًا وَلَا وَحْيًا .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِقَوْلِهِ : " إِذْ قَالُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ " وَفِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ قَائِلُ ذَلِكَ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ .
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي اسْمِ ذَلِكَ الرَّجُلِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ اسْمُهُ : مَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ اسْمُهُ فِنْحَاصُ .
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ قَالَ ذَلِكَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ : كَانَ قَائِلُ ذَلِكَ : مَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ .
13535 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ مَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ يُخَاصِمُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنْشُدُكَ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى (نبي)، أَمَا تَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْحَبْرَ السَّمِينَ ؟ وَكَانَ حَبْرًا سَمِينًا ، فَغَضِبَ فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ! فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ الَّذِينَ مَعَهُ : وَيْحَكَ ! وَلَا مُوسَى (نبي)! فَقَالَ : [11/522]وَاللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ : " وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْـزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى " الْآيَةَ .
13536 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَوْلَهُ : " وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ " قَالَ : نَزَلَتْ فِي مَالِكِ بْنِ الصَّيْفِ ، كَانَ مِنْ قُرَيْظَةَ ، مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ ، " قُلْ " يَا مُحَمَّدُ (نبي)" مَنْ أَنْـزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ " الْآيَةَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ : نَزَلَتْ فِي فِنْحَاصَ الْيَهُودِيُّ .
13537 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ " قَالَ : قَالَ فِنْحَاصُ الْيَهُودِيُّ : مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ (نبي)مِنْ شَيْءٍ !
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ جَمَاعَةً مِنَ الْيَهُودِ ، سَأَلُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آيَاتٍ مِثْلَ آيَاتِ مُوسَى (نبي).
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13538 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ الْمَدَنِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ قَالَ : جَاءَ نَاسٌ مِنْ يَهُودَ (نبي)إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُحْتَبٍ ، فَقَالُوا : يَا أَبَا الْقَاسِمِ (نبي)، أَلَا تَأْتِينَا بِكِتَابٍ مِنَ السَّمَاءِ ، كَمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى (نبي)أَلْوَاحًا يَحْمِلُهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً الْآيَةَ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 153 ] . فَجَثَا رَجُلٌ مَنْ يَهُودَ فَقَالَ : مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ [11/523]وَلَا عَلَى مُوسَى (نبي)وَلَا عَلَى عِيسَى (نبي)وَلَا عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ : " وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ " . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ : مَا عَلِمُوا كَيْفَ اللَّهُ " إِذْ قَالُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْـزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا " فَحَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُبْوَتَهُ ، وَجَعَلَ يَقُولُ : " وَلَا عَلَى أَحَدٍ " .
13539 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ " إِلَى قَوْلِهِ : " فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ " هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، قَوْمٌ آتَاهُمُ اللَّهُ عِلْمًا فَلَمْ يَقْتَدُوا بِهِ ، وَلَمْ يَأْخُذُوا بِهِ ، وَلَمْ يَعْمَلُوا بِهِ ، فَذَمَّهُمُ اللَّهُ فِي عَمَلِهِمْ ذَلِكَ . ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَانَ يَقُولُ : إِنَّ مِنْ أَكْثَرِ مَا أَنَا مُخَاصَمٌ بِهِ غَدًا أَنْ يُقَالَ : يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ ، قَدْ عَلِمْتَ ، فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ ؟
13540 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : " وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ " يَعْنِي مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، قَالَتِ الْيَهُودُ : يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ كِتَابًا ؟ قَالَ : نَعَمْ ! قَالُوا : وَاللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ كِتَابًا ! قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ : " قُلْ " يَا مُحَمَّدُ (نبي)" مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ " إِلَى قَوْلِهِ : " وَلَا آبَاؤُكُمْ " قَالَ : اللَّهُ أَنْزَلَهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ أَنَّهُمْ قَالُوا : " مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ " . [11/524]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13541 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ : إِنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُولُ : " وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ " قَالَهَا مُشْرِكُو قُرَيْشٍ . قَالَ : وَقَوْلُهُ : ( قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا ) ، قَالَ : هُمْ يَهُودُ ، الَّذِينَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا . قَالَ : وَقَوْلُهُ : " وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ " قَالَ : هَذِهِ لِلْمُسْلِمِينَ .
13542 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : " وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ " قَالَ : هُمُ الْكُفَّارُ ، لَمْ يُؤْمِنُوا بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، فَمَنْ آمَنَ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، فَقَدْ قَدَرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ . وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِذَلِكَ ، فَلَمْ يَقْدِرِ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ .
13543 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ " يَقُولُ : مُشْرِكُو قُرَيْشٍ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : عَنَى بِقَوْلِهِ " وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ " مُشْرِكُو قُرَيْشٍ . وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ أَوَّلًا فَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَيْضًا خَبَرًا عَنْهُمْ ، أَشْبَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ الْيَهُودِ وَلَمْ يَجْرِ لَهُمْ ذِكْرٌ يَكُونُ هَذَا بِهِ مُتَّصِلًا مَعَ مَا فِي الْخَبَرِ عَمَّنْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، مِنْ إِنْكَارِهِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَنْزَلَ عَلَى بَشَرٍ شَيْئًا مِنَ الْكُتُبِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا تَدِينُ بِهِ الْيَهُودُ ، بَلِ الْمَعْرُوفُ مِنْ دِينِ الْيَهُودِ : الْإِقْرَارُ [11/525]بِصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَمُوسَى (نبي)وَزَبُورِ دَاوُدَ (نبي). وَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِمَا رُوِيَ مِنَ الْخَبَرِ ، بِأَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ كَانَ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ ، خَبَرٌ صَحِيحٌ مُتَّصِلُ السَّنَدِ وَلَا كَانَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ كَذَلِكَ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ إِجْمَاعٌ ، وَكَانَ الْخَبَرُ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ وَمُبْتَدَئِهَا إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ خَبَرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَكَانَ قَوْلُهُ : " وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ " مَوْصُولًا بِذَلِكَ غَيْرَ مَفْصُولٍ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ لَنَا أَنْ نَدَّعِيَ أَنَّ ذَلِكَ مَصْرُوفٌ عَمَّا هُوَ بِهِ مَوْصُولٌ ، إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا مِنْ خَبَرٍ أَوْ عَقْلٍ .
وَلَكِنِّي أَظُنُّ أَنَّ الَّذِينَ تأوَّلُوا ذَلِكَ خَبَرًا عَنِ الْيَهُودِ ، وَجَدُوا قَوْلَهُ " قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ " فَوَجَّهُوا تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ لِأَهْلِ التَّوْرَاةِ ، فَقَرَءُوهُ عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ لَهُمْ : تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ، فَجَعَلُوا ابْتِدَاءَ الْآيَةِ خَبَرًا عَنْهُمْ ، إِذْ كَانَتْ خَاتِمَتُهَا خِطَابًا لَهُمْ عِنْدَهُمْ . وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ وَالْقِرَاءَةِ أَشْبَهُ بالتَّنْزِيلِ ، لِمَا وَصَفْتُ قَبْلُ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ : " وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ " فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ عَنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَهُوَ بِهِ مُتَّصِلٌ ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا عَنْهُمْ .
وَالْأَصْوَبُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي قَوْلِهِ : ( يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا ) ، أَنْ يَكُونَ بِالْيَاءِ لَا بِالتَّاءِ ، عَلَى مَعْنَى : أَنَّ الْيَهُودَ يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا ، وَيَكُونُ الْخِطَابُ بِقَوْلِهِ : " قُلْ مَنْ أَنْـزَلَ الْكِتَابَ " لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ . وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدَهُ مُجَاهِدٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَقْرَأُ .
13544 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ : حَدَّثَنَا [11/526]حَمَّادٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ هَذَا الْحَرْفَ : ( يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا ) .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ قُلْ مَنْ أَنْـزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا
يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " قُلْ " يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)لِمُشْرِكِي قَوْمِكَ الْقَائِلِينَ لَكَ : " مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ " قُلْ : " مَنْ أَنْـزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا " يَعْنِي : جَلَاءً وَضِيَاءً مِنْ ظُلْمَةِ الضَّلَالَةِ " وَهُدًى لِلنَّاسِ " يَقُولُ : بَيَانًا لِلنَّاسِ ، يُبَيِّنُ لَهُمْ بِهِ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ فِيمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مَنْ أَمْرِ دِينِهِمْ " تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا " .
فَمَنْ قَرَأَ ذَلِكَ : تَجْعَلُونَهُ ، جَعَلَهُ خِطَابًا لِلْيَهُودِ عَلَى مَا بَيَّنْتُ مِنْ تَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ .
وَمَنْ قَرَأَهُ بِالْيَاءِ : ( يَجْعَلُونَهُ ) ، فَتَأْوِيلُهُ فِي قِرَاءَتِهِ : يَجْعَلُهُ أَهْلُهُ قَرَاطِيسَ ، وَجَرَى الْكَلَامُ فِي " يُبْدُونَهَا " بِذِكْرِ " الْقَرَاطِيسِ " وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْمَكْتُوبُ فِي الْقَرَاطِيسِ ، يُرَادُ : يُبْدُونَ كَثِيرًا مِمَّا يَكْتُبُونَ فِي الْقَرَاطِيسِ فَيُظْهِرُونَهُ لِلنَّاسِ ، وَيُخْفُونَ كَثِيرًا مِمَّا يُثْبِتُونَهُ فِي الْقَرَاطِيسِ فَيُسِرُّونَهُ وَيَكْتُمُونَهُ النَّاسَ . [11/527]
وَمِمَّا كَانُوا يَكْتُمُونَهُ إِيَّاهُمْ ، مَا فِيهَا مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنُبُوَّتِهِ ، كَالَّذِي : -
13545 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا " الْيَهُودُ .
13546 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : " قُلْ " يَا مُحَمَّدُ (نبي)" مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى (نبي)نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا " يَعْنِي يَهُودَ ، لِمَا أَظْهَرُوا مِنَ التَّوْرَاةِ " وَيُخْفُونَ كَثِيرًا " مِمَّا أَخْفَوْا مِنْ ذِكْرِ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ : إِنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُولُ : " يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا " قَالَ : هُمْ يَهُودُ ، الَّذِينَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ( 91 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَعَلَّمَكُمُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ ، مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ مِنْ أَخْبَارِ مَنْ قَبْلَكُمْ ، وَمِنْ أَنْبَاءِ مَنْ بَعْدَكُمْ ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ فِي مَعَادِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " وَلَا آبَاؤُكُمْ " يَقُولُ : وَلَمْ يَعْلَمْهُ آبَاؤُكُمْ ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ مِنَ الْعَرَبِ وَبِرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، كَالَّذِي : -
13547 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَعُلِّمْتُمْ " مَعْشَرَ الْعَرَبِ " مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ " . [11/528]
13548 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ : أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : " وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قَالَ : هَذِهِ لِلْمُسْلِمِينَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " قُلِ اللَّهُ " فَإِنَّهُ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُجِيبَ اسْتِفْهَامَهُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ عَمَّا أَمَرَهُ بِاسْتِفْهَامِهِمْ عَنْهُ بِقَوْلِهِ : " قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا " بِقِيلِ اللَّهِ ، كَأَمْرِهِ إِيَّاهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ : قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ، [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 63 ] . فَأَمَرَهُ بِاسْتِفْهَامِ الْمُشْرِكِينَ عَنْ ذَلِكَ ، كَمَا أَمَرَهُ بِاسْتِفْهَامِهِمْ إِذْ قَالُوا : " مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ " عَمَّنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى (نبي)نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ . ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْإِجَابَةِ عَنْهُ هُنَالِكَ بِقِيلِهِ : قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 64 ] ، كَمَا أَمَرَهُ بِالْإِجَابَةِ هَاهُنَا عَنْ ذَلِكَ بِقِيلِهِ : اللَّهُ أَنْزَلَهُ عَلَى مُوسَى ، (نبي)كَمَا : -
13549 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ " قَالَ : اللَّهُ أَنْزَلَهُ .
وَلَوْ قِيلَ : مَعْنَاهُ : " قُلْ : هُوَ اللَّهُ " عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ مِنَ اللَّهِ لَهُ بِالْخَبَرِ عَنْ [11/529]ذَلِكَ لَا عَلَى وَجْهِ الْجَوَابِ ، إِذْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ : " قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ " مَسْأَلَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ لِمُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ : " قُلِ اللَّهُ " جَوَابًا لَهُمْ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ ، وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِمُحَمَّدٍ (نبي)بِمَسْأَلَةِ الْقَوْمِ : " مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ " ؟ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ تَأْوِيلِهِ كَانَ جَائِزًا ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ ، وَلَا يَكُونُ لِلِاسْتِفْهَامِ جَوَابٌ ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَرْنَا مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ لِمَا بَيَّنَّا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ " فَإِنَّهُ يَقُولُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ثُمَّ ذَرْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ ، بَعْدَ احْتِجَاجِكَ عَلَيْهِمْ فِي قِيلِهِمْ : " مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ " بِقَوْلِكَ : " مَنْ أَنْـزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ " وَإِجَابَتُكَ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِي أَنْزَلَهُ : اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ كِتَابَهُ " فِي خَوْضِهِمْ " يَعْنِي : فِيمَا يَخُوضُونَ فِيهِ مِنْ بَاطِلِهِمْ وَكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَآيَاتِهِ " يَلْعَبُونَ " يَقُولُ : يَسْتَهْزِئُونَ وَيَسْخَرُونَ .
وَهَذَا مِنَ اللَّهِ وَعِيدٌ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَتَهَدُّدٌ لَهُمْ : يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ثُمَّ دَعْهُمْ لَاعِبِينَ ، يَا مُحَمَّدُ (نبي). فَإِنِّي مِنْ وَرَاءِ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ اسْتِهْزَائِهِمْ بِآيَاتِي بِالْمِرْصَادِ ، وَأُذِيقُهُمْ بَأْسِي ، وَأَحِلُّ بِهِمْ إِنْ تَمَادَوْا فِي غَيِّهِمْ سَخَطِي . [11/530]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ " وَمَا أَجَلُّوا اللَّهَ حَقَّ إِجْلَالِهِ ، وَلَا عَظَّمُوهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ " إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ " يَقُولُ : حِينَ قَالُوا : لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ عَلَى آدَمِيٍّ كِتَابًا وَلَا وَحْيًا .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِقَوْلِهِ : " إِذْ قَالُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ " وَفِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ قَائِلُ ذَلِكَ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ .
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي اسْمِ ذَلِكَ الرَّجُلِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ اسْمُهُ : مَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ اسْمُهُ فِنْحَاصُ .
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ قَالَ ذَلِكَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ : كَانَ قَائِلُ ذَلِكَ : مَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ .
13535 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ مَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ يُخَاصِمُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنْشُدُكَ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى (نبي)، أَمَا تَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْحَبْرَ السَّمِينَ ؟ وَكَانَ حَبْرًا سَمِينًا ، فَغَضِبَ فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ! فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ الَّذِينَ مَعَهُ : وَيْحَكَ ! وَلَا مُوسَى (نبي)! فَقَالَ : [11/522]وَاللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ : " وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْـزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى " الْآيَةَ .
13536 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَوْلَهُ : " وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ " قَالَ : نَزَلَتْ فِي مَالِكِ بْنِ الصَّيْفِ ، كَانَ مِنْ قُرَيْظَةَ ، مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ ، " قُلْ " يَا مُحَمَّدُ (نبي)" مَنْ أَنْـزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ " الْآيَةَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ : نَزَلَتْ فِي فِنْحَاصَ الْيَهُودِيُّ .
13537 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ " قَالَ : قَالَ فِنْحَاصُ الْيَهُودِيُّ : مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ (نبي)مِنْ شَيْءٍ !
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ جَمَاعَةً مِنَ الْيَهُودِ ، سَأَلُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آيَاتٍ مِثْلَ آيَاتِ مُوسَى (نبي).
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13538 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ الْمَدَنِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ قَالَ : جَاءَ نَاسٌ مِنْ يَهُودَ (نبي)إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُحْتَبٍ ، فَقَالُوا : يَا أَبَا الْقَاسِمِ (نبي)، أَلَا تَأْتِينَا بِكِتَابٍ مِنَ السَّمَاءِ ، كَمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى (نبي)أَلْوَاحًا يَحْمِلُهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً الْآيَةَ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 153 ] . فَجَثَا رَجُلٌ مَنْ يَهُودَ فَقَالَ : مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ [11/523]وَلَا عَلَى مُوسَى (نبي)وَلَا عَلَى عِيسَى (نبي)وَلَا عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ : " وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ " . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ : مَا عَلِمُوا كَيْفَ اللَّهُ " إِذْ قَالُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْـزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا " فَحَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُبْوَتَهُ ، وَجَعَلَ يَقُولُ : " وَلَا عَلَى أَحَدٍ " .
13539 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ " إِلَى قَوْلِهِ : " فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ " هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، قَوْمٌ آتَاهُمُ اللَّهُ عِلْمًا فَلَمْ يَقْتَدُوا بِهِ ، وَلَمْ يَأْخُذُوا بِهِ ، وَلَمْ يَعْمَلُوا بِهِ ، فَذَمَّهُمُ اللَّهُ فِي عَمَلِهِمْ ذَلِكَ . ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَانَ يَقُولُ : إِنَّ مِنْ أَكْثَرِ مَا أَنَا مُخَاصَمٌ بِهِ غَدًا أَنْ يُقَالَ : يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ ، قَدْ عَلِمْتَ ، فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ ؟
13540 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : " وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ " يَعْنِي مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، قَالَتِ الْيَهُودُ : يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ كِتَابًا ؟ قَالَ : نَعَمْ ! قَالُوا : وَاللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ كِتَابًا ! قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ : " قُلْ " يَا مُحَمَّدُ (نبي)" مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ " إِلَى قَوْلِهِ : " وَلَا آبَاؤُكُمْ " قَالَ : اللَّهُ أَنْزَلَهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ أَنَّهُمْ قَالُوا : " مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ " . [11/524]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13541 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ : إِنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُولُ : " وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ " قَالَهَا مُشْرِكُو قُرَيْشٍ . قَالَ : وَقَوْلُهُ : ( قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا ) ، قَالَ : هُمْ يَهُودُ ، الَّذِينَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا . قَالَ : وَقَوْلُهُ : " وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ " قَالَ : هَذِهِ لِلْمُسْلِمِينَ .
13542 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : " وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ " قَالَ : هُمُ الْكُفَّارُ ، لَمْ يُؤْمِنُوا بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، فَمَنْ آمَنَ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، فَقَدْ قَدَرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ . وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِذَلِكَ ، فَلَمْ يَقْدِرِ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ .
13543 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ " يَقُولُ : مُشْرِكُو قُرَيْشٍ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : عَنَى بِقَوْلِهِ " وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ " مُشْرِكُو قُرَيْشٍ . وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ أَوَّلًا فَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَيْضًا خَبَرًا عَنْهُمْ ، أَشْبَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ الْيَهُودِ وَلَمْ يَجْرِ لَهُمْ ذِكْرٌ يَكُونُ هَذَا بِهِ مُتَّصِلًا مَعَ مَا فِي الْخَبَرِ عَمَّنْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، مِنْ إِنْكَارِهِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَنْزَلَ عَلَى بَشَرٍ شَيْئًا مِنَ الْكُتُبِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا تَدِينُ بِهِ الْيَهُودُ ، بَلِ الْمَعْرُوفُ مِنْ دِينِ الْيَهُودِ : الْإِقْرَارُ [11/525]بِصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَمُوسَى (نبي)وَزَبُورِ دَاوُدَ (نبي). وَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِمَا رُوِيَ مِنَ الْخَبَرِ ، بِأَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ كَانَ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ ، خَبَرٌ صَحِيحٌ مُتَّصِلُ السَّنَدِ وَلَا كَانَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ كَذَلِكَ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ إِجْمَاعٌ ، وَكَانَ الْخَبَرُ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ وَمُبْتَدَئِهَا إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ خَبَرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَكَانَ قَوْلُهُ : " وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ " مَوْصُولًا بِذَلِكَ غَيْرَ مَفْصُولٍ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ لَنَا أَنْ نَدَّعِيَ أَنَّ ذَلِكَ مَصْرُوفٌ عَمَّا هُوَ بِهِ مَوْصُولٌ ، إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا مِنْ خَبَرٍ أَوْ عَقْلٍ .
وَلَكِنِّي أَظُنُّ أَنَّ الَّذِينَ تأوَّلُوا ذَلِكَ خَبَرًا عَنِ الْيَهُودِ ، وَجَدُوا قَوْلَهُ " قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ " فَوَجَّهُوا تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ لِأَهْلِ التَّوْرَاةِ ، فَقَرَءُوهُ عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ لَهُمْ : تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ، فَجَعَلُوا ابْتِدَاءَ الْآيَةِ خَبَرًا عَنْهُمْ ، إِذْ كَانَتْ خَاتِمَتُهَا خِطَابًا لَهُمْ عِنْدَهُمْ . وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ وَالْقِرَاءَةِ أَشْبَهُ بالتَّنْزِيلِ ، لِمَا وَصَفْتُ قَبْلُ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ : " وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ " فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ عَنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَهُوَ بِهِ مُتَّصِلٌ ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا عَنْهُمْ .
وَالْأَصْوَبُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي قَوْلِهِ : ( يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا ) ، أَنْ يَكُونَ بِالْيَاءِ لَا بِالتَّاءِ ، عَلَى مَعْنَى : أَنَّ الْيَهُودَ يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا ، وَيَكُونُ الْخِطَابُ بِقَوْلِهِ : " قُلْ مَنْ أَنْـزَلَ الْكِتَابَ " لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ . وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدَهُ مُجَاهِدٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَقْرَأُ .
13544 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ : حَدَّثَنَا [11/526]حَمَّادٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ هَذَا الْحَرْفَ : ( يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا ) .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ قُلْ مَنْ أَنْـزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا
يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " قُلْ " يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)لِمُشْرِكِي قَوْمِكَ الْقَائِلِينَ لَكَ : " مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ " قُلْ : " مَنْ أَنْـزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا " يَعْنِي : جَلَاءً وَضِيَاءً مِنْ ظُلْمَةِ الضَّلَالَةِ " وَهُدًى لِلنَّاسِ " يَقُولُ : بَيَانًا لِلنَّاسِ ، يُبَيِّنُ لَهُمْ بِهِ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ فِيمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مَنْ أَمْرِ دِينِهِمْ " تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا " .
فَمَنْ قَرَأَ ذَلِكَ : تَجْعَلُونَهُ ، جَعَلَهُ خِطَابًا لِلْيَهُودِ عَلَى مَا بَيَّنْتُ مِنْ تَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ .
وَمَنْ قَرَأَهُ بِالْيَاءِ : ( يَجْعَلُونَهُ ) ، فَتَأْوِيلُهُ فِي قِرَاءَتِهِ : يَجْعَلُهُ أَهْلُهُ قَرَاطِيسَ ، وَجَرَى الْكَلَامُ فِي " يُبْدُونَهَا " بِذِكْرِ " الْقَرَاطِيسِ " وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْمَكْتُوبُ فِي الْقَرَاطِيسِ ، يُرَادُ : يُبْدُونَ كَثِيرًا مِمَّا يَكْتُبُونَ فِي الْقَرَاطِيسِ فَيُظْهِرُونَهُ لِلنَّاسِ ، وَيُخْفُونَ كَثِيرًا مِمَّا يُثْبِتُونَهُ فِي الْقَرَاطِيسِ فَيُسِرُّونَهُ وَيَكْتُمُونَهُ النَّاسَ . [11/527]
وَمِمَّا كَانُوا يَكْتُمُونَهُ إِيَّاهُمْ ، مَا فِيهَا مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنُبُوَّتِهِ ، كَالَّذِي : -
13545 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا " الْيَهُودُ .
13546 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : " قُلْ " يَا مُحَمَّدُ (نبي)" مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى (نبي)نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا " يَعْنِي يَهُودَ ، لِمَا أَظْهَرُوا مِنَ التَّوْرَاةِ " وَيُخْفُونَ كَثِيرًا " مِمَّا أَخْفَوْا مِنْ ذِكْرِ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ : إِنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُولُ : " يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا " قَالَ : هُمْ يَهُودُ ، الَّذِينَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ( 91 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَعَلَّمَكُمُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ ، مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ مِنْ أَخْبَارِ مَنْ قَبْلَكُمْ ، وَمِنْ أَنْبَاءِ مَنْ بَعْدَكُمْ ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ فِي مَعَادِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " وَلَا آبَاؤُكُمْ " يَقُولُ : وَلَمْ يَعْلَمْهُ آبَاؤُكُمْ ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ مِنَ الْعَرَبِ وَبِرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، كَالَّذِي : -
13547 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَعُلِّمْتُمْ " مَعْشَرَ الْعَرَبِ " مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ " . [11/528]
13548 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ : أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : " وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قَالَ : هَذِهِ لِلْمُسْلِمِينَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " قُلِ اللَّهُ " فَإِنَّهُ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُجِيبَ اسْتِفْهَامَهُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ عَمَّا أَمَرَهُ بِاسْتِفْهَامِهِمْ عَنْهُ بِقَوْلِهِ : " قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا " بِقِيلِ اللَّهِ ، كَأَمْرِهِ إِيَّاهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ : قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ، [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 63 ] . فَأَمَرَهُ بِاسْتِفْهَامِ الْمُشْرِكِينَ عَنْ ذَلِكَ ، كَمَا أَمَرَهُ بِاسْتِفْهَامِهِمْ إِذْ قَالُوا : " مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ " عَمَّنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى (نبي)نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ . ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْإِجَابَةِ عَنْهُ هُنَالِكَ بِقِيلِهِ : قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 64 ] ، كَمَا أَمَرَهُ بِالْإِجَابَةِ هَاهُنَا عَنْ ذَلِكَ بِقِيلِهِ : اللَّهُ أَنْزَلَهُ عَلَى مُوسَى ، (نبي)كَمَا : -
13549 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ " قَالَ : اللَّهُ أَنْزَلَهُ .
وَلَوْ قِيلَ : مَعْنَاهُ : " قُلْ : هُوَ اللَّهُ " عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ مِنَ اللَّهِ لَهُ بِالْخَبَرِ عَنْ [11/529]ذَلِكَ لَا عَلَى وَجْهِ الْجَوَابِ ، إِذْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ : " قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ " مَسْأَلَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ لِمُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ : " قُلِ اللَّهُ " جَوَابًا لَهُمْ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ ، وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِمُحَمَّدٍ (نبي)بِمَسْأَلَةِ الْقَوْمِ : " مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ " ؟ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ تَأْوِيلِهِ كَانَ جَائِزًا ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ ، وَلَا يَكُونُ لِلِاسْتِفْهَامِ جَوَابٌ ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَرْنَا مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ لِمَا بَيَّنَّا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ " فَإِنَّهُ يَقُولُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ثُمَّ ذَرْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ ، بَعْدَ احْتِجَاجِكَ عَلَيْهِمْ فِي قِيلِهِمْ : " مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ " بِقَوْلِكَ : " مَنْ أَنْـزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ " وَإِجَابَتُكَ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِي أَنْزَلَهُ : اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ كِتَابَهُ " فِي خَوْضِهِمْ " يَعْنِي : فِيمَا يَخُوضُونَ فِيهِ مِنْ بَاطِلِهِمْ وَكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَآيَاتِهِ " يَلْعَبُونَ " يَقُولُ : يَسْتَهْزِئُونَ وَيَسْخَرُونَ .
وَهَذَا مِنَ اللَّهِ وَعِيدٌ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَتَهَدُّدٌ لَهُمْ : يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ثُمَّ دَعْهُمْ لَاعِبِينَ ، يَا مُحَمَّدُ (نبي). فَإِنِّي مِنْ وَرَاءِ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ اسْتِهْزَائِهِمْ بِآيَاتِي بِالْمِرْصَادِ ، وَأُذِيقُهُمْ بَأْسِي ، وَأَحِلُّ بِهِمْ إِنْ تَمَادَوْا فِي غَيِّهِمْ سَخَطِي . [11/530]