تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْأَنْعَامِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ . . . . "

ج 11
ص 504

الآية المفسَّرة

وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 11 · ص 504

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ( 83 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : " وَتِلْكَ حُجَّتُنَا " قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ (نبي)لِمُخَاصِمِيهِ مِنْ قَوْمِهِ الْمُشْرِكِينَ : " أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ " أَمَنْ يَعْبُدُ رَبًّا وَاحِدًا مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ وَالْعِبَادَةَ ، أَمْ مَنْ يَعْبُدُ أَرْبَابًا كَثِيرَةً ؟ وَإِجَابَتُهُمْ إِيَّاهُ بِقَوْلِهِمْ : " بَلْ مَنْ يَعْبُدُ رَبًّا وَاحِدًا أَحَقُّ بِالْأَمْنِ " وَقَضَاؤُهُمْ لَهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ قَطْعُ عُذْرِهِمْ وَانْقِطَاعُ حُجَّتِهِمْ ، وَاسْتِعْلَاءُ حُجَّةِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)عَلَيْهِمْ . فَهِيَ الْحُجَّةُ [11/505]الَّتِي آتَاهَا اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ (نبي)عَلَى قَوْمِهِ ، كَالَّذِي : -
13513 - حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ " قَالَ : هِيَ " الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ " .
13514 - حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : قَالَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)حِينَ سَأَلَ : " أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ " قَالَ : هِيَ حَجَّةُ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَقَوْلُهُ : " آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ " يَقُولُ : لَقَّنَّاهَا إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَبَصَّرْنَاهُ إِيَّاهَا وَعَرَّفْنَاهُ " عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ " .
وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ .
فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْحِجَازِ (مكان)وَالْبَصْرَةِ (مكان): " نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ " بِإِضَافَةِ " الدَّرَجَاتِ " إِلَى " مِنْ " بِمَعْنَى : نَرْفَعُ الدَّرَجَاتِ لِمَنْ نَشَاءُ .
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْكُوفَةِ (مكان)نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ بِتَنْوِينِ " الدَّرَجَاتِ " بِمَعْنَى : نَرْفَعُ مَنْ نَشَاءُ دَرَجَاتٍ .
وَ " الدَّرَجَاتُ " جَمْعُ " دَرَجَةٍ " وَهِيَ الْمَرْتَبَةُ . وَأَصْلُ ذَلِكَ مَرَاقِي السُّلَّمِ وَدَرَجُهُ ، ثُمَّ تُسْتَعْمَلُ فِي ارْتِفَاعِ الْمَنَازِلِ وَالْمَرَاتِبِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ : هُمَا قِرَاءَتَانِ قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَئِمَّةٌ مِنَ الْقَرَأَةِ ، مُتَقَارِبٌ مَعْنَاهُمَا . وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ رُفِعَتْ دَرَجَتُهُ ، فَقَدْ رُفِعَ فِي الدَّرَجِ وَمَنْ رُفِعَ فِي الدَّرَجِ ، فَقَدْ رُفِعَتْ دَرَجَتُهُ . فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ الصَّوَابَ فِي ذَلِكَ . [11/506]
فَمَعْنَى الْكَلَامِ إذًا : " وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ (نبي)عَلَى قَوْمِهِ " فَرَفَعْنَا بِهَا دَرَجَتَهُ عَلَيْهِمْ ، وَشَرَّفْنَاهُ بِهَا عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا ، فَآتَيْنَاهُ فِيهَا أَجْرَهُ وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ ، فَهُوَ مِنَ الصَّالِحِينَ " نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ " أَيْ بِمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ " فَإِنَّهُ يَعْنِي : إِنَّ رَبَّكَ ، يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)" حَكِيمٌ " فِي سِيَاسَتِهِ خَلْقَهُ ، وَتَلْقِينِهِ أَنْبِيَاءَهُ الْحُجَجَ عَلَى أُمَمِهِمُ الْمُكَذِّبَةِ لَهُمْ ، الْجَاحِدَةِ تَوْحِيدَ رَبِّهِمْ ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تَدْبِيرِهِ " عَلِيمٌ " بِمَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُ رُسُلِهِ وَالْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ ، مِنْ ثَبَاتِ الْأُمَمِ عَلَى تَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُمْ ، وَهَلَاكِهِمْ عَلَى ذَلِكَ ، أَوْ إِنَابَتِهِمْ وَتَوْبَتِهِمْ مِنْهُ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ ، وَالرُّجُوعِ إِلَى طَاعَتِهِ .
يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَأْتَسِ ، يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)فِي نَفْسِكَ وَقَوْمِكَ الْمُكَذِّبِيكَ ، وَالْمُشْرِكِينَ ، بِأَبِيكَ خَلِيلِي إِبْرَاهِيمَ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَنُوبُكَ مِنْهُمْ صَبْرَهُ ، فَإِنِّي بِالَّذِي يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُكَ وَأَمْرُهُمْ عَالِمٌ ، وَبِالتَّدْبِيرِ فِيكَ وَفِيهِمْ حَكِيمٌ .