تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْأَنْعَامِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ . . . . "

ج 11
ص 465

الآية المفسَّرة

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 11 · ص 465

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ ( 74 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَاذْكُرْ ، يَا مُحَمَّدُ (نبي)لِحُجَّاجِكَ الَّذِي تُحَاجُّ بِهِ قَوْمَكَ ، وَخُصُومَتَكَ إِيَّاهُمْ فِي آلِهَتِهِمْ ، وَمَا تُرَاجِعُهُمْ فِيهَا ، مِمَّا نُلْقِيهِ إِلَيْكَ وَنُعَلِّمُكَهُ مِنَ الْبُرْهَانِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى بَاطِلِ مَا عَلَيْهِ قَوْمُكَ مُقِيمُونَ ، وَصِحَّةِ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مُقِيمٌ مِنَ الدِّينِ ، وَحَقِيقَةِ مَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِهِ مُحْتَجٌّ حِجَاجَ إِبْرَاهِيمَ (نبي)خَلِيلِي قَوْمَهُ ، وَمُرَاجَعَتِهِ إِيَّاهُمْ فِي بَاطِلِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مُقِيمِينَ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ ، وَانْقِطَاعِهِ إِلَى اللَّهِ وَالرِّضَا بِهِ وَلِيًّا وَنَاصِرًا دُونَ الْأَصْنَامِ ، فَاتَّخِذْهُ إِمَامًا وَاقْتَدِ بِهِ ، وَاجْعَلْ سِيرَتَهُ فِي قَوْمِكَ لِنَفْسِكَ مِثَالًا ، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ مُفَارِقًا لِدِينِهِ ، وَعَائِبًا عِبَادَتَهُ الْأَصْنَامَ دُونَ بَارِئِهِ وَخَالِقِهِ : يَا آزَرُ . [11/466]
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمَعْنِيِّ بِ " آزَرَ " وَمَا هُوَ ، اسْمٌ هُوَ أَمْ صِفَةٌ ؟ وَإِنْ كَانَ اسْمًا ، فَمَنِ الْمُسَمَّى بِهِ ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ اسْمُ أَبِيهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13434 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ " قَالَ : اسْمُ أَبِيهِ " آزَرُ " .
13435 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : " آزَرُ " أَبُو إِبْرَاهِيمَ (نبي). وَكَانَ ، فِيمَا ذُكِرَ لَنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، رَجُلًا مِنْ أَهْلِ كُوثَى ، مِنْ قَرْيَةٍ بِالسَّوَادِ (مكان)، سَوَادِ الْكُوفَةِ (مكان).
13436 - حَدَّثَنِي ابْنُ الْبَرْقِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَذْكُرُ قَالَ : هُوَ " آزَرُ " وَهُوَ " تَارَحُ " مِثْلَ " إِسْرَائِيلَ (نبي)" وَ " يَعْقُوبَ (نبي)" .
وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّهُ لَيْسَ أَبَا إِبْرَاهِيمَ (نبي).
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13437 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَسُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ قَالَا : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : لَيْسَ " آزَرُ " أَبَا إِبْرَاهِيمَ (نبي).
13437 - حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا الثَّوْرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي رَجُلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)لِأَبِيهِ آزَرَ " قَالَ : " آزَرُ " لَمْ يَكُنْ بِأَبِيهِ ، إِنَّمَا هُوَ صَنَمٌ .
13439 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، [11/467]عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : " آزَرُ " اسْمُ صَنَمٍ .
13440 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : " وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ " قَالَ : اسْمُ أَبِيهِ ، وَيُقَالُ : لَا بَلِ اسْمُهُ " تَارَحُ " وَاسْمُ الصَّنَمِ " آزَرُ " . يَقُولُ : أَتَتَّخِذُ آزَرَ أَصْنَامًا آلِهَةً .
وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ سَبٌّ وَعَيْبٌ بِكَلَامِهِمْ ، وَمَعْنَاهُ : مُعْوَجٌّ . كَأَنَّهُ تَأَوَّلَ أَنَّهُ عَابَهُ بِزَيْغِهِ وَاعْوِجَاجِهِ عَنِ الْحَقِّ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ .
فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْأَمْصَارِ : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ بِفَتْحِ " آزَرَ " عَلَى إتْبَاعِهِ " الْأَبَ " فِي الْخَفْضِ ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ اسْمًا أَعْجَمِيًّا فَتَحُوهُ ، إِذْ لَمْ يَجُرُّوهُ ، وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ .
وَذُكِرَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْمَدِينِيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُمَا كَانَا يَقْرَآنِ ذَلِكَ : آزَرَ بِالرَّفْعِ عَلَى النِّدَاءِ ، بِمَعْنَى : يَا آزَرُ .
فَأَمَّا الَّذِي ذُكِرَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنْ حِكَايَتِهِ أَنَّ " آزَرَ " اسْمُ صَنَمٍ ، وَإِنَّمَا نَصَبَهُ بِمَعْنَى : أَتَتَّخِذُ آزَرَ أَصْنَامًا آلِهَةً ، فَقَوْلٌ مِنَ الصَّوَابِ مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ بَعِيدٌ . وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ لَا تَنْصِبُ اسْمًا بِفِعْلٍ بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ ، لَا تَقُولُ : " أَخَاكَ أَكَلَّمْتَ " ؟ وَهِيَ تُرِيدُ : أَكَلَّمْتَ أَخَاكَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِفَتْحِ [11/468]" الرَّاءِ " مِنْ آزَرَ ، عَلَى إِتْبَاعِهِ إِعْرَابَ " الْأَبِ " وَأَنَّهُ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ فَفَتْحٍ ، إِذْ لَمْ يَكُنْ جَارِيًا ، لِأَنَّهُ اسْمٌ عَجَمِيٌّ . وَإِنَّمَا اخْتَرْتُ قِرَاءَةَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقَرَأَةِ عَلَيْهِ .
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ هُوَ الصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ ، وَكَانَ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِالْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ ، صَحَّ لَكَ فَتْحُهُ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ :
إِمَّا أَنْ يَكُونَ اسْمًا لِأَبِي إِبْرَاهِيمَ (نبي)صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَلَى جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ ، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ رَدًّا عَلَى " الْأَبِ " وَلَكِنَّهُ فَتَحَ لِمَا ذَكَرْتُ مِنْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ اسْمًا أَعْجَمِيًّا تُرِكَ إِجْرَاؤُهُ فَفُتِحَ ، كَمَا تَفْعَلُ الْعَرَبُ فِي أَسْمَاءِ الْعَجَمِ .
أَوْ يَكُونُ نَعْتًا لَهُ ، فَيَكُونُ أَيْضًا خَفْضًا بِمَعْنَى تَكْرِيرِ اللَّامِ عَلَيْهِ ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا خَرَجَ مَخْرَجَ " أَحْمَرَ " وَ " أَسْوَدَ " تُرِكَ إِجْرَاؤُهُ ، وَفُعِلَ بِهِ كَمَا يُفْعَلُ بِأَشْكَالِهِ . فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ حِينَئِذٍ : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)لِأَبِيهِ الزَّائِغِ : أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً .
وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وِجْهَةٌ فِي الصَّوَابِ إِلَّا أَحَدُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ، فَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ مِنْهُمَا عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ : " هُوَ اسْمُ أَبِيهِ " لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَخْبَرَ أَنَّهُ أَبُوهُ ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْمَحْفُوظُ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، دُونَ الْقَوْلِ الْآخَرِ الَّذِي زَعَمَ قَائِلُهُ أَنَّهُ نَعْتٌ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَإِنَّ أَهْلَ الْأَنْسَابِ إِنَّمَا يَنْسُبُونَ إِبْرَاهِيمَ (نبي)إِلَى " تَارَحَ " فَكَيْفَ يَكُونُ " آزَرُ " اسْمًا لَهُ ، وَالْمَعْرُوفُ بِهِ مِنَ الِاسْمِ " تَارَحُ " ؟ [11/469]
قِيلَ لَهُ : غَيْرُ مُحَالٍ أَنْ يَكُونَ لَهُ اسْمَانِ ، كَمَا لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فِي دَهْرِنَا هَذَا ، وَكَانَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى لِكَثِيرٍ مِنْهُمْ . وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ لَقَبًا يُلَقَّبُ بِهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 74 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - عَنْ قِيلِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)لِأَبِيهِ آزَرَ أَنَّهُ قَالَ : " أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً " تَعْبُدُهَا وَتَتَّخِذُهَا رَبًّا دُونَ اللَّهِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ وَرَزَقَكَ ؟
وَ " الْأَصْنَامُ " : جَمْعُ " صَنَمٍ " وَ " الصَّنَمُ " التِّمْثَالُ مِنْ حَجَرٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ فِي صُورَةِ إِنْسَانٍ ، وَهُوَ " الْوَثَنُ " . وَقَدْ يُقَالُ لِلصُّورَةِ الْمُصَوَّرَةِ عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ فِي الْحَائِطِ وَغَيْرِهِ : " صَنَمٌ " وَ " وَثَنٌ " .
" إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ " يَقُولُ : " إِنِّي أَرَاكَ " يَا آزَرُ ، " وَقَوْمَكَ " الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مَعَكَ الْأَصْنَامَ وَيَتَّخِذُونَهَا آلِهَةً " فِي ضَلَالٍ " يَقُولُ : فِي زَوَالٍ عَنْ مَحَجَّةِ الْحَقِّ ، وَعُدُولٍ عَنْ سَبِيلِ الصَّوَابِ " مُبِينٍ " يَقُولُ : يَتَبَيَّنُ لِمَنْ أَبْصَرَهُ أَنَّهُ جَوْرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ ، وَزَوَالٌ عَنْ مَحَجَّةِ الطَّرِيقِ الْقَوِيمِ . يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ ضَلَّ هُوَ وَهُمْ عَنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ ، الَّذِي اسْتَوْجَبَ عَلَيْهِمْ إِخْلَاصَ الْعِبَادَةِ لَهُ بِآلَائِهِ عِنْدَهُمْ ، دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ .