تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْأَنْعَامِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا . . . . "

ج 11
ص 441

الآية المفسَّرة

وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 11 · ص 441

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ ( 70 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ذَرْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَ اللَّهِ وَطَاعَتَهُمْ إِيَّاهُ لَعِبًا وَلَهْوًا ، فَجَعَلُوا حُظُوظَهُمْ مِنْ طَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ اللَّعِبَ بِآيَاتِهِ ، وَاللَّهْوَ وَالِاسْتِهْزَاءَ بِهَا إِذَا سَمِعُوهَا وَتُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ، فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ، فَإِنِّي لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ ، وَإِنِّي لَهُمْ مِنْ وَرَاءِ الِانْتِقَامِ مِنْهُمْ وَالْعُقُوبَةِ لَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ ، وَعَلَى اغْتِرَارِهِمْ بِزِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَنِسْيَانِهِمُ الْمَعَادَ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - وَالْمَصِيرَ إِلَيْهِ بَعْدَ الْمَمَاتِ ، كَالَّذِي : -
13401 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا ، قَالَ : كَقَوْلِهِ : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ، [ سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ : 11 ] .
13402 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ . [11/442]
وَقَدْ نَسَخَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - هَذِهِ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ، [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 5 ] . وَكَذَلِكَ قَالَ عَدَدٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13403 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ : حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ قَتَادَةَ : " وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا " ثُمَّ أَنْزَلَ فِي " سُورَةِ بَرَاءَةٌ " فَأَمَرَ بِقِتَالِهِمْ .
13404 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ فَقَالَ : هَكَذَا سَمِعْتُهُ مِنْ قَتَادَةَ : " وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا " ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - " بَرَاءَةٌ " وَأَمْرَ بِقِتَالِهِمْ فَقَالَ : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 5 ] .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ " فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : وَذَكِّرْ ، يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)بِهَذَا الْقُرْآنِ هَؤُلَاءِ الْمُوَلِّينَ عَنْكَ وَعَنْهُ " أَنَّ تُبْسَلَ نَفْسٌ " بِمَعْنَى : أَنْ لَا تُبْسَلَ ، كَمَا قَالَ : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 176 ] ، بِمَعْنَى : أَنْ لَا تَضِلُّوا وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ : وَذَكِّرْهُمْ بِهِ لِيُؤْمِنُوا وَيَتَّبِعُوا مَا جَاءَهُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الْحَقِّ ، فَلَا تُبْسَلُ أَنْفُسُهُمْ بِمَا كَسَبَتْ مِنَ الْأَوْزَارِ وَلَكِنْ حُذِفَتْ " لَا " لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهَا .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " أَنَّ تُبْسَلَ نَفْسٌ " .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَنْ تُسْلَمَ . [11/443]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13405 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقَدٍ ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَوْلَهُ : " أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ " قَالَ : تُسْلَمَ .
13406 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ : " أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ " قَالَ : أَنْ تُسْلَمَ .
13407 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ .
13408 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " أَنَّ تُبْسَلَ " قَالَ : تُسْلَمَ .
13409 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ " قَالَ : تُسْلَمَ .
13410 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا أُسْلِمُوا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : تُحْبَسَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13411 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : " أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ " قَالَ : تُؤْخَذَ فَتُحْبَسَ .
13412 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ .
13413 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي [11/444]قَوْلِهِ : " أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ " أَنْ تُؤْخَذَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : تُفْضَحَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13414 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ " يَقُولُ : تُفْضَحَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : أَنْ تُجْزَى .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13415 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقَدٍ قَالَ قَالَ الْكَلْبِيُّ : " أَنَّ تُبْسَلَ " أَنْ تُجْزَى .
وَأَصْلُ " الْإِبْسَالِ " التَّحْرِيمُ ، يُقَالُ مِنْهُ : " أَبْسَلْتُ الْمَكَانَ " إِذَا حَرَّمَتَهُ فَلَمْ يَقْرَبْ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرُ :
بَكَرَتْ تَلُومُكَ بَعْدَ وَهْنٍ فِي النَّدَى ، بَسْلٌ عَلَيْكِ مَلَامَتِي وَعِتَابِي [11/445]
أَيْ : حَرَامٌ [ عَلَيْكِ مَلَامَتِي وَعِتَابِي ] . وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : " أَسَدٌ بَاسِلٌ " وَيُرَادُ بِهِ : لَا يَقْرَبُهُ شَيْءٌ ، فَكَأَنَّهُ قَدْ حَرَّمَ نَفْسَهُ ، ثُمَّ يُجْعَلُ ذَلِكَ صِفَةً لِكُلِّ شَدِيدٍ يَتَحَامَى لِشِدَّتِهِ . وَيُقَالُ : " أَعْطِ الرَّاقِيَ بُسْلَتَهُ " يُرَادُ بِذَلِكَ : أُجْرَتَهُ ، " وَشَرَابٌ بَسِيلٌ " بِمَعْنَى مَتْرُوكٌ . وَكَذَلِكَ " الْمُبْسَلُ بِالْجَرِيرَةِ " وَهُوَ الْمُرْتَهَنُ بِهَا ، قِيلَ لَهُ : " مُبْسَلٌ " لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِمَّا رُهِنَ فِيهِ وَأُسَلِمَ بِهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَوْفِ بْنِ الْأَحْوَصِ الْكِلَابِيِّ :
وَإبْسَالِي بَنِيَّ بِغَيْرِ جُرْمٍ بَعَوْنَاهُ وَلَا بِدَمٍ مُرَاقِ [11/446]
وَقَالَ الشَّنْفَرَى :
هُنَالِكَ لَا أَرْجُو حَيَاةً تَسُرُّنِي سَمِيرَ اللَّيَالِي مُبْسَلَا بِالْجَرَائِرِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إذًا : وَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، كَيْلَا تُبْسَلَ نَفْسٌ بِذُنُوبِهَا وَكُفْرِهَا بِرَبِّهَا ، وَتُرْتَهَنُ فَتُغْلَقُ بِمَا كَسَبَتْ مِنْ إِجْرَامِهَا فِي عَذَابِ اللَّهِ " لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ " يَقُولُ : لَيْسَ لَهَا ، حِينَ تُسْلَمُ بِذُنُوبِهَا فَتُرْتَهَنُ بِمَا كَسَبَتْ مِنْ آثَامِهَا ، أَحَدٌ يَنْصُرُهَا فَيُنْقِذُهَا مِنَ اللَّهِ الَّذِي جَازَاهَا بِذُنُوبِهَا جَزَاءَهَا " وَلَا شَفِيعٌ " يَشْفَعُ لَهَا ، لِوَسِيلَةٍ لَهُ عِنْدَهُ .
[11/447]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَإِنْ تَعْدِلِ النَّفْسُ الَّتِي أُبْسِلَتْ بِمَا كَسَبَتْ ، يَعْنِي : " وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ " يَعْنِي : كُلَّ فِدَاءٍ .
يُقَالُ مِنْهُ : " عَدَلَ يَعْدِلُ " إِذَا فَدَى ، " عَدْلًا " وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 95 ] ، وَهُوَ مَا عَادَلَهُ مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13416 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : " وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا " قَالَ : لَوْ جَاءَتْ بِمِلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهَا .
13417 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ : " وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا " فَمَا يَعْدِلُهَا لَوْ جَاءَتْ بِمِلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبًا لِتَفْتَدِيَ بِهِ مَا قُبِلَ مِنْهَا .
13418 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا " قَالَ : " وَإِنْ تَعْدِلْ " وَإِنْ تَفْتَدِ ، يَكُونُ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا يَفْتَدِي بِهَا " لَا يُؤْخَذْ مِنْهُ " عَدْلًا عَنْ نَفْسِهِ ، لَا يُقْبَلْ مِنْهُ .
وَقَدْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ بِمَعْنَى : وَإِنْ تُقْسِطْ كُلَّ قِسْطٍ لَا يُقْبَلْ مِنْهَا . وَقَالَ : إِنَّهَا التَّوْبَةُ فِي الْحَيَاةِ . [11/448]
وَلَيْسَ لِمَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ مَعْنَى ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ تَائِبٍ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ( 70 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ إِنْ فَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كُلَّ فِدَاءٍ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ ، هُمْ " الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا " يَقُولُ : أَسْلَمُوا لِعَذَابِ اللَّهِ ، فَرَهَنُوا بِهِ جَزَاءً بِمَا كَسَبُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الْآثَامِ وَالْأَوْزَارِ ، " لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ " .
وَ " الْحَمِيمُ " هُوَ الْحَارُّ ، فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَإِنَّمَا هُوَ " مَحْمُومٌ " صُرِفَ إِلَى " فَعِيلٍ " وَمِنْهُ قِيلَ لِلْحَمَّامِ ، " حَمَّامٌ " لِإِسْخَانِهِ الْجِسْمَ ، وَمِنْهُ قَوْلُ مُرَقَّشٍ :
فِي كُلِّ مُمْسًى لَهَا مِقْطَرَةٌ فِيهَا كِبَاءٌ مُعَدٌّ وَحَمِيمْ
يَعْنِي بِذَلِكَ مَاءً حَارًّا ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيِّ فِي صِفَةِ فَرَسٍ :
[11/449]تَأْبَى بِدِرَّتِهَا إِذَا مَا اسْتُضْغِبَتْ إِلَّا الْحَمِيمَ فَإنَّهُ يَتَبَضَّعُ
يَعْنِي بِالْحَمِيمِ : عَرَقُ الْفَرَسِ .
وَإِنَّمَا جَعَلَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ شَرَابًا مِنْ حَمِيمٍ ، لِأَنَّ الْحَارَّ مِنَ الْمَاءِ لَا يَرْوِي مَنْ عَطِشَ . فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ إِذَا عَطِشُوا فِي جَهَنَّمَ لَمْ يُغَاثُوا بِمَاءٍ يَرْوِيهِمْ ، وَلَكِنْ بِمَا يَزِيدُونَ بِهِ عَطَشًا عَلَى مَا بِهِمْ مِنَ الْعَطَشِ " وَعَذَابٌ أَلِيمٌ " يَقُولُ : وَلَهُمْ أَيْضًا مَعَ الشَّرَابِ الْحَمِيمِ مِنَ اللَّهِ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ وَالْهَوَانُ الْمُقِيمُ " بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ " يَقُولُ : بِمَا كَانَ مِنْ كُفْرِهِمْ فِي الدُّنْيَا بِاللَّهِ ، وَإِنْكَارِهِمْ تَوْحِيدَهُ ، وَعِبَادَتِهِمْ مَعَهُ آلِهَةً دُونَهُ .
13419 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا " قَالَ يُقَالُ : أُسْلِمُوا .
13420 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا " قَالَ : فُضِحُوا .
13421 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا " قَالَ : أُخِذُوا بِمَا كَسَبُوا .