تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْأَنْعَامِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ . . . . "

ج 11
ص 401

الآية المفسَّرة

وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 11 · ص 401

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ( 59 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ : وَعِنْدَ اللَّهِ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ .
وَ " الْمَفَاتِحُ " : جَمْعُ " مِفْتَحٍ " يُقَالُ فِيهِ : " مِفْتَحٌ " وَ " مِفْتَاحٌ " . فَمَنْ قَالَ : " مِفْتَحٌ " جَمَعُهُ " مَفَاتِحُ " وَمَنْ قَالَ : " مِفْتَاحٌ " جَمَعُهُ " مَفَاتِيحُ " .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ " خَزَائِنَ الْغَيْبِ ، كَالَّذِي : -
13305 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ " قَالَ يَقُولُ : خَزَائِنُ الْغَيْبِ .
13306 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : أُعْطِيَ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مَفَاتِحَ الْغَيْبِ . [11/402]
13307 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ " قَالَ : هُنَّ خَمْسٌ : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَـزِّلُ الْغَيْثَ إِلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [ سُورَةُ لُقْمَانَ : 34 ] .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إذًا : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ مَنْ خَلْقِهِ ، وَمَا هُمْ مُسْتَحِقُّوهُ وَمَا هُوَ بِهِمْ صَانِعٌ ، فَإِنَّ عِنْدَهُ عِلْمَ مَا غَابَ عِلْمُهُ عَنْ خَلْقِهِ فَلَمْ يَطَّلِعُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يُدْرِكُوهُ ، وَلَنْ يَعْلَمُوهُ وَلَنْ يُدْرِكُوهُ " وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ " يَقُولُ : وَعِنْدَهُ عِلْمُ مَا لَمْ يَغِبْ أَيْضًا عَنْكُمْ ، لِأَنَّ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ مِمَّا هُوَ ظَاهِرٌ لِلْعَيْنِ ، يَعْلَمُهُ الْعِبَادُ . فَكَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : وَعِنْدَ اللَّهِ عِلْمُ مَا غَابَ عَنْكُمْ ، أَيُّهَا النَّاسُ ، مِمَّا لَا تَعْلِمُونَهُ وَلَنْ تَعْلَمُوهُ مِمَّا اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ نَفْسَهُ ، وَيَعْلَمُ أَيْضًا مَعَ ذَلِكَ جَمِيعَ مَا يَعْلَمُهُ جَمِيعُكُمْ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ ، لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ إِلَّا مَا يَخْفَى عَنِ النَّاسِ أَوْ مَا لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ . فَأَخْبَرَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَنَّ عِنْدَهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ كَانَ وَيَكُونُ ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ مِمَّا لَمْ يَكُنْ بَعْدُ ، وَذَلِكَ هُوَ الْغَيْبُ .
[11/403]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ( 59 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَلَا تَسْقُطُ وَرَقَةٌ فِي الصَّحَارِي وَالْبَرَارِي ، وَلَا فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى ، إِلَّا اللَّهُ يَعْلَمُهَا " وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ " يَقُولُ : وَلَا شَيْءَ أَيْضًا مِمَّا هُوَ مَوْجُودٌ ، أَوْ مِمَّا سَيُوجَدُ وَلَمْ يُوجَدْ بَعْدُ ، إِلَّا وَهُوَ مُثْبَتٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ، مَكْتُوبٌ ذَلِكَ فِيهِ ، وَمَرْسُومٌ عَدَدُهُ وَمَبْلَغُهُ ، وَالْوَقْتُ الَّذِي يُوجَدُ فِيهِ ، وَالْحَالُ الَّتِي يَفْنَى فِيهَا .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " مُبِينٍ " أَنَّهُ يُبَيِّنُ عَنْ صِحَّةِ مَا هُوَ فِيهِ ، بِوُجُودِ مَا رُسِمَ فِيهِ عَلَى مَا رُسِمَ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا وَجْهُ إِثْبَاتِهِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ، مَا لَا يَخْفَى عَلَيْهِ ، وَهُوَ بِجَمِيعِهِ عَالِمٌ لَا يُخَافُ نِسْيَانُهُ ؟
قِيلَ لَهُ : لِلَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - فِعْلُ مَا شَاءَ . وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ امْتِحَانًا مِنْهُ لِحَفَظَتِهِ ، وَاخْتِبَارًا لِلْمُتَوَكِّلِينَ بِكِتَابَةِ أَعْمَالِهِمْ ، فَإِنَّهُمْ فِيمَا ذُكِرَ مَأْمُورُونَ بِكِتَابَةِ أَعْمَالِ الْعِبَادِ ، ثُمَّ بِعَرْضِهَا عَلَى مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ، حَتَّى أَثْبَتَ فِيهِ مَا أَثْبَتَ كُلَّ يَوْمٍ . وَقِيلَ إِنَّ ذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ : إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ سُورَةُ الْجَاثِيَةِ : 29 ] . وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِغَيْرِ ذَلِكَ ، مِمَّا هُوَ أَعْلَمُ بِهِ ، إِمَّا بِحُجَّةٍ يَحْتَجُّ بِهَا عَلَى بَعْضِ مَلَائِكَتِهِ ، وَإِمَّا عَلَى بَنِي آدَمَ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَقَدْ : - [11/404]
13308 - حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ يَحْيَى الْحَسَّانِيُّ أَبُو الْخَطَّابِ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ سُعَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ : مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ وَلَا كَمَغْرِزِ إِبْرَةٍ ، إِلَّا عَلَيْهَا مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِهَا يَأْتِي اللَّهُ بِعِلْمِهَا : يُبْسُهَا إِذَا يَبِسَتْ ، وَرُطُوبَتُهَا إِذَا رَطُبَتْ .