النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ( 35 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِنْ كَانَ عَظُمَ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ (نبي)إِعْرَاضُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ عَنْكَ ، وَانْصِرَافُهُمْ عَنْ تَصْدِيقِكَ فِيمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي [11/337]بَعَثْتُكَ بِهِ ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْكَ ، وَلَمْ تَصْبِرْ لِمَكْرُوهِ مَا يَنَالُكَ مِنْهُمْ " فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ " يَقُولُ : فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَتَّخِذَ سَرَبًا فِي الْأَرْضِ مِثْلَ نَافِقَاءِ الْيَرْبُوعِ ، وَهِيَ إِحْدَى جِحَرَتِهِ فَتَذْهَبَ فِيهِ " أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ " يَقُولُ : أَوْ مِصْعَدًا تَصْعَدُ فِيهِ ، كَالدَّرَجِ وَمَا أَشْبَهَهَا ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
لَا تُحْرِزُ الْمَرْءَ أَحْجَاءُ الْبِلَادِ وَلَا يُبْنَى لَهُ فِي السَّمَاوَاتِ السَّلَالِيمُ
" فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ " مِنْهَا يَعْنِي بِعَلَامَةٍ وَبُرْهَانٍ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِكَ غَيْرَ الَّذِي أَتَيْتُكَ فَافْعَلْ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13201 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي [11/338]مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : " وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ " وَ " النَّفَقُ " السَّرَبُ ، فَتَذْهَبَ فِيهِ " فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ " أَوْ تَجْعَلَ لَكَ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ ، فَتَصْعَدَ عَلَيْهِ ، فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ أَفْضَلَ مِمَّا أَتَيْنَاهُمْ بِهِ ، فَافْعَلْ .
13202 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ " قَالَ : سَرَبًا " أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ " قَالَ : يَعْنِي الدَّرَجَ .
13203 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ " أَمَّا " النَّفَقُ " فَالسَّرَبُ ، وَأَمَّا " السُّلَّمُ " فَالْمِصْعَدُ .
13204 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : " نَفَقًا فِي الأَرْضِ " قَالَ : سَرَبًا .
وَتُرِكَ جَوَابُ الْجَزَاءِ فَلَمْ يُذْكَرْ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ ، وَمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ بِمَعْنَاهُ . وَقَدْ تَفْعَلُ الْعَرَبُ ذَلِكَ فِيمَا كَانَ يُفْهَمُ مَعْنَاهُ عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لِلرَّجُلِ : " إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَنْهَضَ مَعَنَا فِي حَاجَتِنَا ، إِنْ قَدَرْتَ عَلَى مَعُونَتِنَا " وَيَحْذِفُ الْجَوَابَ ، وَهُوَ يُرِيدُ : إِنْ قَدَرْتَ عَلَى مَعُونَتِنَا فَافْعَلْ . فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَعْرِفِ الْمُخَاطَبُ وَالسَّامِعُ مَعْنَى الْكَلَامِ إِلَّا بِإِظْهَارِ الْجَوَابِ لَمْ يَحْذِفُوهُ . لَا يُقَالُ : " إِنْ تَقُمْ " فَتَسْكُتُ وَتَحْذِفُ الْجَوَابَ ؛ لِأَنَّ الْمَقُولَ ذَلِكَ لَهُ لَا يَعْرِفُ جَوَابَهُ إِلَّا بِإِظْهَارِهِ ، [11/339]حَتَّى يُقَالَ : " إِنْ تَقُمْ تُصِبْ خَيْرًا " أَوْ : " إِنْ تَقُمْ فَحَسَنٌ " وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . وَنَظِيرُ مَا فِي الْآيَةِ مِمَّا حُذِفَ جَوَابُهُ وَهُوَ مُرَادٌ لِفَهْمِ الْمُخَاطَبِ لِمَعْنَى الْكَلَامِ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
فَبِحَظٍّ مِمَّا نَعِيشُ وَلَا تَذْ هَبْ بِكِ التُّرَّهَاتُ فِي الْأَهْوَالِ
وَالْمَعْنَى : فَبِحَظٍّ مِمَّا نَعِيشُ فَعِيشِي .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ ( 35 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِنَّ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَكَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ يَا مُحَمَّدُ (نبي)- فَيَحْزُنُكَ تَكْذِيبُهُمْ إِيَّاكَ - لَوْ أَشَاءُ أَنْ أَجْمَعَهُمْ عَلَى اسْتِقَامَةٍ مِنَ الدِّينِ ، وَصَوَابٍ مِنْ مَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ - حَتَّى تَكُونَ كَلِمَةُ جَمِيعِكُمْ وَاحِدَةً ، وَمِلَّتُكُمْ وَمِلَّتُهُمْ وَاحِدَةً - لَجَمَعْتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَمْ يَكُنْ بَعِيدًا عَلَيَّ ؛ لِأَنِّي الْقَادِرُ عَلَى ذَلِكَ بِلُطْفِي ، وَلَكِنِّي لَمْ أَفْعَلْ ذَلِكَ لِسَابِقِ عِلْمِي فِي خَلْقِي ، وَنَافِذِ قَضَائِي فِيهِمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ أَخْلُقَهُمْ وَأُصَوِّرَ أَجْسَامَهُمْ " فَلَا تَكُونُنَّ " يَا مُحَمَّدُ (نبي)" مِنَ الْجَاهِلِينَ " يَقُولُ : [11/340]فَلَا تَكُونُنَّ مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ لَوْ شَاءَ لَجَمَعَ عَلَى الْهُدَى جَمِيعَ خَلْقِهِ بِلُطْفِهِ ، وَأَنَّ مَنْ يَكْفُرُ بِهِ مِنْ خَلْقِهِ إِنَّمَا يَكْفُرُ بِهِ لِسَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ فِيهِ ، وَنَافِذِ قَضَائِهِ بِأَنَّهُ كَائِنٌ مِنَ الْكَافِرِينَ بِهِ اخْتِيَارًا لَا اضْطِرَارًا ، فَإِنَّكَ إِذَا عَلِمْتَ صِحَّةَ ذَلِكَ لَمْ يَكْبُرْ عَلَيْكَ إِعْرَاضُ مَنْ أَعْرَضَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَمَّا تَدْعُوهُ إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ ، وَتَكْذِيبُ مَنْ كَذَّبَكَ مِنْهُمْ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13205 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : لَوْ شِئْتُ لَجَمَعْتُهُمْ عَلَى الْهُدَى أَجْمَعِينَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَفِي هَذَا الْخَبَرِ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى خَطَأِ مَا قَالَ أَهْلُ التَّفْوِيضِ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ الْمُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ لِطَائِفُ لِمَنْ شَاءَ تَوْفِيقَهُ مِنْ خَلْقِهِ ، يَلْطُفُ بِهَا لَهُ حَتَّى يَهْتَدِيَ لِلْحَقِّ ، فَيَنْقَادَ لَهُ ، وَيُنِيبَ إِلَى الرَّشَادِ فَيُذْعِنَ بِهِ وَيُؤْثِرَهُ عَلَى الضَّلَالِ وَالْكُفْرِ بِاللَّهِ . وَذَلِكَ أَنَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَخْبَرَ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ الْهِدَايَةَ لِجَمِيعِ مَنْ كَفَرَ بِهِ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عَلَى الْهُدَى فَعَلَ . وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ كَانُوا مُهْتَدِينَ لَا ضُلَّالًا . وَهُمْ لَوْ كَانُوا مُهْتَدِينَ كَانَ - لَا شَكَّ أَنَّ كَوْنَهُمْ مُهْتَدِينَ كَانَ - خَيْرًا لَهُمْ . وَفِي تَرْكِهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَنْ يَجْمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى تَرْكٌ مِنْهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِمْ فِي دِينِهِمْ بَعْضَ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ فِيهِ ، مِمَّا هُوَ قَادِرٌ عَلَى فِعْلِهِ بِهِمْ ، وَقَدْ [11/341]تَرَكَ فِعْلَهُ بِهِمْ . وَفِي تَرْكِهِ فِعْلُ ذَلِكَ بِهِمْ أَوْضَحُ الدَّلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يُعْطِهِمْ كُلَّ الْأَسْبَابِ الَّتِي بِهَا يَصِلُونَ إِلَى الْهِدَايَةِ ، وَيَتَسَبَّبُونَ بِهَا إِلَى الْإِيمَانِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِنْ كَانَ عَظُمَ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ (نبي)إِعْرَاضُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ عَنْكَ ، وَانْصِرَافُهُمْ عَنْ تَصْدِيقِكَ فِيمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي [11/337]بَعَثْتُكَ بِهِ ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْكَ ، وَلَمْ تَصْبِرْ لِمَكْرُوهِ مَا يَنَالُكَ مِنْهُمْ " فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ " يَقُولُ : فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَتَّخِذَ سَرَبًا فِي الْأَرْضِ مِثْلَ نَافِقَاءِ الْيَرْبُوعِ ، وَهِيَ إِحْدَى جِحَرَتِهِ فَتَذْهَبَ فِيهِ " أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ " يَقُولُ : أَوْ مِصْعَدًا تَصْعَدُ فِيهِ ، كَالدَّرَجِ وَمَا أَشْبَهَهَا ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
لَا تُحْرِزُ الْمَرْءَ أَحْجَاءُ الْبِلَادِ وَلَا يُبْنَى لَهُ فِي السَّمَاوَاتِ السَّلَالِيمُ
" فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ " مِنْهَا يَعْنِي بِعَلَامَةٍ وَبُرْهَانٍ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِكَ غَيْرَ الَّذِي أَتَيْتُكَ فَافْعَلْ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13201 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي [11/338]مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : " وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ " وَ " النَّفَقُ " السَّرَبُ ، فَتَذْهَبَ فِيهِ " فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ " أَوْ تَجْعَلَ لَكَ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ ، فَتَصْعَدَ عَلَيْهِ ، فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ أَفْضَلَ مِمَّا أَتَيْنَاهُمْ بِهِ ، فَافْعَلْ .
13202 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ " قَالَ : سَرَبًا " أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ " قَالَ : يَعْنِي الدَّرَجَ .
13203 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ " أَمَّا " النَّفَقُ " فَالسَّرَبُ ، وَأَمَّا " السُّلَّمُ " فَالْمِصْعَدُ .
13204 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : " نَفَقًا فِي الأَرْضِ " قَالَ : سَرَبًا .
وَتُرِكَ جَوَابُ الْجَزَاءِ فَلَمْ يُذْكَرْ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ ، وَمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ بِمَعْنَاهُ . وَقَدْ تَفْعَلُ الْعَرَبُ ذَلِكَ فِيمَا كَانَ يُفْهَمُ مَعْنَاهُ عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لِلرَّجُلِ : " إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَنْهَضَ مَعَنَا فِي حَاجَتِنَا ، إِنْ قَدَرْتَ عَلَى مَعُونَتِنَا " وَيَحْذِفُ الْجَوَابَ ، وَهُوَ يُرِيدُ : إِنْ قَدَرْتَ عَلَى مَعُونَتِنَا فَافْعَلْ . فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَعْرِفِ الْمُخَاطَبُ وَالسَّامِعُ مَعْنَى الْكَلَامِ إِلَّا بِإِظْهَارِ الْجَوَابِ لَمْ يَحْذِفُوهُ . لَا يُقَالُ : " إِنْ تَقُمْ " فَتَسْكُتُ وَتَحْذِفُ الْجَوَابَ ؛ لِأَنَّ الْمَقُولَ ذَلِكَ لَهُ لَا يَعْرِفُ جَوَابَهُ إِلَّا بِإِظْهَارِهِ ، [11/339]حَتَّى يُقَالَ : " إِنْ تَقُمْ تُصِبْ خَيْرًا " أَوْ : " إِنْ تَقُمْ فَحَسَنٌ " وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . وَنَظِيرُ مَا فِي الْآيَةِ مِمَّا حُذِفَ جَوَابُهُ وَهُوَ مُرَادٌ لِفَهْمِ الْمُخَاطَبِ لِمَعْنَى الْكَلَامِ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
فَبِحَظٍّ مِمَّا نَعِيشُ وَلَا تَذْ هَبْ بِكِ التُّرَّهَاتُ فِي الْأَهْوَالِ
وَالْمَعْنَى : فَبِحَظٍّ مِمَّا نَعِيشُ فَعِيشِي .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ ( 35 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِنَّ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَكَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ يَا مُحَمَّدُ (نبي)- فَيَحْزُنُكَ تَكْذِيبُهُمْ إِيَّاكَ - لَوْ أَشَاءُ أَنْ أَجْمَعَهُمْ عَلَى اسْتِقَامَةٍ مِنَ الدِّينِ ، وَصَوَابٍ مِنْ مَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ - حَتَّى تَكُونَ كَلِمَةُ جَمِيعِكُمْ وَاحِدَةً ، وَمِلَّتُكُمْ وَمِلَّتُهُمْ وَاحِدَةً - لَجَمَعْتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَمْ يَكُنْ بَعِيدًا عَلَيَّ ؛ لِأَنِّي الْقَادِرُ عَلَى ذَلِكَ بِلُطْفِي ، وَلَكِنِّي لَمْ أَفْعَلْ ذَلِكَ لِسَابِقِ عِلْمِي فِي خَلْقِي ، وَنَافِذِ قَضَائِي فِيهِمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ أَخْلُقَهُمْ وَأُصَوِّرَ أَجْسَامَهُمْ " فَلَا تَكُونُنَّ " يَا مُحَمَّدُ (نبي)" مِنَ الْجَاهِلِينَ " يَقُولُ : [11/340]فَلَا تَكُونُنَّ مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ لَوْ شَاءَ لَجَمَعَ عَلَى الْهُدَى جَمِيعَ خَلْقِهِ بِلُطْفِهِ ، وَأَنَّ مَنْ يَكْفُرُ بِهِ مِنْ خَلْقِهِ إِنَّمَا يَكْفُرُ بِهِ لِسَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ فِيهِ ، وَنَافِذِ قَضَائِهِ بِأَنَّهُ كَائِنٌ مِنَ الْكَافِرِينَ بِهِ اخْتِيَارًا لَا اضْطِرَارًا ، فَإِنَّكَ إِذَا عَلِمْتَ صِحَّةَ ذَلِكَ لَمْ يَكْبُرْ عَلَيْكَ إِعْرَاضُ مَنْ أَعْرَضَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَمَّا تَدْعُوهُ إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ ، وَتَكْذِيبُ مَنْ كَذَّبَكَ مِنْهُمْ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13205 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : لَوْ شِئْتُ لَجَمَعْتُهُمْ عَلَى الْهُدَى أَجْمَعِينَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَفِي هَذَا الْخَبَرِ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى خَطَأِ مَا قَالَ أَهْلُ التَّفْوِيضِ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ الْمُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ لِطَائِفُ لِمَنْ شَاءَ تَوْفِيقَهُ مِنْ خَلْقِهِ ، يَلْطُفُ بِهَا لَهُ حَتَّى يَهْتَدِيَ لِلْحَقِّ ، فَيَنْقَادَ لَهُ ، وَيُنِيبَ إِلَى الرَّشَادِ فَيُذْعِنَ بِهِ وَيُؤْثِرَهُ عَلَى الضَّلَالِ وَالْكُفْرِ بِاللَّهِ . وَذَلِكَ أَنَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَخْبَرَ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ الْهِدَايَةَ لِجَمِيعِ مَنْ كَفَرَ بِهِ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عَلَى الْهُدَى فَعَلَ . وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ كَانُوا مُهْتَدِينَ لَا ضُلَّالًا . وَهُمْ لَوْ كَانُوا مُهْتَدِينَ كَانَ - لَا شَكَّ أَنَّ كَوْنَهُمْ مُهْتَدِينَ كَانَ - خَيْرًا لَهُمْ . وَفِي تَرْكِهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَنْ يَجْمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى تَرْكٌ مِنْهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِمْ فِي دِينِهِمْ بَعْضَ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ فِيهِ ، مِمَّا هُوَ قَادِرٌ عَلَى فِعْلِهِ بِهِمْ ، وَقَدْ [11/341]تَرَكَ فِعْلَهُ بِهِمْ . وَفِي تَرْكِهِ فِعْلُ ذَلِكَ بِهِمْ أَوْضَحُ الدَّلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يُعْطِهِمْ كُلَّ الْأَسْبَابِ الَّتِي بِهَا يَصِلُونَ إِلَى الْهِدَايَةِ ، وَيَتَسَبَّبُونَ بِهَا إِلَى الْإِيمَانِ .