النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا ( 31 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : " قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ " قَدْ هَلَكَ وَوُكِسَ ، فِي بَيْعِهِمُ الْإِيمَانَ بِالْكُفْرِ " الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ " يَعْنِي : الَّذِينَ أَنْكَرُوا الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَمَاتِ ، وَالثَّوَابَ وَالْعِقَابَ ، وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ ، مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ فِي ذَلِكَ " حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ " يَقُولُ : حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ الَّتِي يَبْعَثُ اللَّهُ فِيهَا الْمَوْتَى مِنْ قُبُورِهِمْ .
وَإِنَّمَا أُدْخِلَتِ " الْأَلِفُ وَاللَّامُ " فِي " السَّاعَةِ " لِأَنَّهَا مَعْرُوفَةُ الْمَعْنَى عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ بِهَا ، وَأَنَّهَا مَقْصُودٌ بِهَا قَصْدُ السَّاعَةِ الَّتِي وُصِفَتْ . [11/325]
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " بَغْتَةً " فَجْأَةً ، مِنْ غَيْرِ عِلْمِ مَنْ تَفْجَؤُهُ بِوَقْتِ مُفَاجَأَتِهَا إِيَّاهُ .
يُقَالُ مِنْهُ : " بَغَتُّهُ أَبْغَتُهُ بَغْتَةً " إِذَا أَخَذْتُهُ كَذَلِكَ :
" قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا " يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وُكِسَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ بِبَيْعِهِمْ مَنَازِلَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ بِمَنَازِلَ مَنِ اشْتَرَوْا مَنَازِلَهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ النَّارِ ، فَإِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا إِذَا عَايَنُوا مَا بَاعُوا وَمَا اشْتَرَوْا ، وَتَبَيَّنُوا خَسَارَةَ صَفْقَةِ بَيْعِهِمُ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا ، تَنَدُّمًا وَتَلَهُّفًا عَلَى عَظِيمِ الْغَبْنِ الَّذِي غَبَنُوهُ أَنْفُسَهُمْ ، وَجَلِيلِ الْخُسْرَانِ الَّذِي لَا خُسْرَانَ أَجَلَّ مِنْهُ " يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا " يَقُولُ : يَا نَدَامَتَنَا عَلَى مَا ضَيَّعْنَا فِيهَا ، يَعْنِي : صَفْقَتُهُمْ تِلْكَ .
وَ " الْهَاءُ وَالْأَلِفُ " فِي قَوْلِهِ : " فِيهَا " مِنْ ذِكْرِ " الصَّفْقَةِ " وَلَكِنِ اكْتَفَى بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ : " قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ " عَلَيْهَا مِنْ ذِكْرِهَا ، إِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ " الْخُسْرَانَ " لَا يَكُونُ إِلَّا فِي صَفْقَةِ بَيْعٍ قَدْ جَرَتْ .
وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ : قَدْ وُكِسَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ، بِبَيْعِهِمُ الْإِيمَانَ الَّذِي يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ مِنَ اللَّهِ رِضْوَانَهُ وَجَنَّتَهُ ، بِالْكُفْرِ الَّذِي يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ مِنْهُ سَخَطَهُ وَعُقُوبَتَهُ ، وَلَا يَشْعُرُونَ مَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْخُسْرَانِ فِي ذَلِكَ ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ، فَإِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً فَرَأَوْا مَا لَحِقَهُمْ مِنَ الْخُسْرَانِ فِي بَيْعِهِمْ ، قَالُوا حِينَئِذٍ ، تَنَدُّمًا : " يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا " .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : [11/326]
13185 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ : " يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا " أَمَّا " يَا حَسْرَتَنَا " فَنَدَامَتُنَا " عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا " فَضَيَّعْنَا مِنْ عَمَلِ الْجَنَّةِ .
13186 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ الْأَسَدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ مِهْرَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ : " يَا حَسْرَتَنَا " قَالَ : " يَرَى أَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ فَيَقُولُونَ : يَا حَسْرَتنَا " .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ( 31 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ، " يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ " . وَقَوْلُهُ : " وَهُمْ " مَنْ ذَكَرَهُمْ " يَحْمِلُونَ أَوْزَارهمْ " يَقُولُ : آثَامَهُمْ وَذُنُوبَهُمْ .
وَاحِدُهَا " وِزْرٌ " يُقَالُ مِنْهُ : " وَزَرَ الرَّجُلُ يَزِرُ " إِذَا أَثِمَ ، قَالَ اللَّهُ : " أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ " . فَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُمْ أُثِّمُوا ، قِيلَ : " قَدْ وُزِرَ الْقَوْمُ فَهُمْ يُوزَرُونَ ، وَهُمْ مَوْزُورُونَ " . [11/327]
قَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ " الْوِزْرَ " الثِّقْلُ وَالْحَمْلُ . وَلَسْتُ أَعْرِفُ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي شَاهِدٍ ، وَلَا مِنْ رِوَايَةِ ثِقَةٍ عَنِ الْعَرَبِ .
وَقَالَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " عَلَى ظُهُورِهِمْ " لِأَنَّ الْحَمْلَ قَدْ يَكُونُ عَلَى الرَّأْسِ وَالْمَنْكِبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَبَيَّنَ مَوْضِعَ حَمْلِهِمْ مَا يَحْمِلُونَ مِنْ ذَلِكَ .
وَذَكَرَ أَنَّ حَمْلَهُمْ أَوْزَارَهُمْ يَوْمَئِذٍ عَلَى ظُهُورِهِمْ ، نَحْوَ الَّذِي : -
13187 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ بَشِيرِ بْنِ سَلْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الْمُلَائِيُّ قَالَ : إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ اسْتَقْبَلَهُ أَحْسَنُ شَيْءٍ صُورَةً وَأَطْيَبُهُ رِيحًا ، فَيَقُولُ لَهُ : هَلْ تَعْرِفُنِي ؟ فَيَقُولُ : لَا ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ قَدْ طَيَّبَ رِيحَكَ وَحَسَّنَ صُورَتَكَ ! فَيَقُولُ : كَذَلِكَ كُنْتَ فِي الدُّنْيَا ، أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ ، طَالَمَا رَكِبْتُكَ فِي الدُّنْيَا ، فَارْكَبْنِي أَنْتَ الْيَوْمَ ! وَتَلَا يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا [ سُورَةُ مَرْيَمَ : 85 ] . وَإِنَّ الْكَافِرَ يَسْتَقْبِلُهُ أَقْبَحُ شَيْءٍ صُورَةً وَأَنْتَنُهُ رِيحًا ، فَيَقُولُ : هَلْ تَعْرِفُنِي ؟ فَيَقُولُ : لَا ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ قَدْ قَبَّحَ صُورَتَكَ وَأَنْتَنَ رِيحَكَ ! فَيَقُولُ : كَذَلِكَ كُنْتَ فِي الدُّنْيَا ، أَنَا عَمَلُكَ السَّيِّئُ ، طَالَمَا رَكِبْتَنِي فِي الدُّنْيَا ، فَأَنَا الْيَوْمَ أَرْكَبُكَ وَتَلَا " وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ " . [11/328]
13188 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ " فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ظَالِمٍ يَمُوتُ فَيَدْخُلُ قَبْرَهُ ، إِلَّا جَاءَ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ ، أَسْوَدُ اللَّوْنِ ، مُنْتِنُ الرِّيحِ ، عَلَيْهِ ثِيَابٌ دَنِسَةٌ ، حَتَّى يَدْخُلَ مَعَهُ قَبْرَهُ ، فَإِذَا رَآهُ قَالَ لَهُ : مَا أَقْبَحَ وَجْهَكَ ! قَالَ : كَذَلِكَ كَانَ عَمَلُكَ قَبِيحًا ! قَالَ : مَا أَنْتَنَ رِيحَكَ ! قَالَ : كَذَلِكَ كَانَ عَمَلُكَ مُنْتِنًا ! قَالَ : مَا أَدْنَسَ ثِيَابَكَ ! قَالَ فَيَقُولُ : إِنَّ عَمَلَكَ كَانَ دَنِسًا . قَالَ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا عَمَلُكَ ! قَالَ : فَيَكُونُ مَعَهُ فِي قَبْرِهِ ، فَإِذَا بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ لَهُ : إِنِّي كُنْتُ أَحْمِلُكَ فِي الدُّنْيَا بِاللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ ، فَأَنْتَ الْيَوْمَ تَحْمِلُنِي . قَالَ : فَيَرْكَبُ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَسُوقُهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ النَّارَ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : " يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ " .
وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ " فَإِنَّهُ يَعْنِي : أَلَا سَاءَ الْوِزْرُ الَّذِي يَزِرُونَ - أَيِ : الْإِثْمُ الَّذِي يَأْثَمُونَهُ بِرَبِّهِمْ ، كَمَا : -
13189 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ " قَالَ : سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : " قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ " قَدْ هَلَكَ وَوُكِسَ ، فِي بَيْعِهِمُ الْإِيمَانَ بِالْكُفْرِ " الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ " يَعْنِي : الَّذِينَ أَنْكَرُوا الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَمَاتِ ، وَالثَّوَابَ وَالْعِقَابَ ، وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ ، مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ فِي ذَلِكَ " حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ " يَقُولُ : حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ الَّتِي يَبْعَثُ اللَّهُ فِيهَا الْمَوْتَى مِنْ قُبُورِهِمْ .
وَإِنَّمَا أُدْخِلَتِ " الْأَلِفُ وَاللَّامُ " فِي " السَّاعَةِ " لِأَنَّهَا مَعْرُوفَةُ الْمَعْنَى عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ بِهَا ، وَأَنَّهَا مَقْصُودٌ بِهَا قَصْدُ السَّاعَةِ الَّتِي وُصِفَتْ . [11/325]
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " بَغْتَةً " فَجْأَةً ، مِنْ غَيْرِ عِلْمِ مَنْ تَفْجَؤُهُ بِوَقْتِ مُفَاجَأَتِهَا إِيَّاهُ .
يُقَالُ مِنْهُ : " بَغَتُّهُ أَبْغَتُهُ بَغْتَةً " إِذَا أَخَذْتُهُ كَذَلِكَ :
" قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا " يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وُكِسَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ بِبَيْعِهِمْ مَنَازِلَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ بِمَنَازِلَ مَنِ اشْتَرَوْا مَنَازِلَهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ النَّارِ ، فَإِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا إِذَا عَايَنُوا مَا بَاعُوا وَمَا اشْتَرَوْا ، وَتَبَيَّنُوا خَسَارَةَ صَفْقَةِ بَيْعِهِمُ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا ، تَنَدُّمًا وَتَلَهُّفًا عَلَى عَظِيمِ الْغَبْنِ الَّذِي غَبَنُوهُ أَنْفُسَهُمْ ، وَجَلِيلِ الْخُسْرَانِ الَّذِي لَا خُسْرَانَ أَجَلَّ مِنْهُ " يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا " يَقُولُ : يَا نَدَامَتَنَا عَلَى مَا ضَيَّعْنَا فِيهَا ، يَعْنِي : صَفْقَتُهُمْ تِلْكَ .
وَ " الْهَاءُ وَالْأَلِفُ " فِي قَوْلِهِ : " فِيهَا " مِنْ ذِكْرِ " الصَّفْقَةِ " وَلَكِنِ اكْتَفَى بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ : " قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ " عَلَيْهَا مِنْ ذِكْرِهَا ، إِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ " الْخُسْرَانَ " لَا يَكُونُ إِلَّا فِي صَفْقَةِ بَيْعٍ قَدْ جَرَتْ .
وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ : قَدْ وُكِسَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ، بِبَيْعِهِمُ الْإِيمَانَ الَّذِي يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ مِنَ اللَّهِ رِضْوَانَهُ وَجَنَّتَهُ ، بِالْكُفْرِ الَّذِي يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ مِنْهُ سَخَطَهُ وَعُقُوبَتَهُ ، وَلَا يَشْعُرُونَ مَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْخُسْرَانِ فِي ذَلِكَ ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ، فَإِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً فَرَأَوْا مَا لَحِقَهُمْ مِنَ الْخُسْرَانِ فِي بَيْعِهِمْ ، قَالُوا حِينَئِذٍ ، تَنَدُّمًا : " يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا " .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : [11/326]
13185 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ : " يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا " أَمَّا " يَا حَسْرَتَنَا " فَنَدَامَتُنَا " عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا " فَضَيَّعْنَا مِنْ عَمَلِ الْجَنَّةِ .
13186 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ الْأَسَدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ مِهْرَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ : " يَا حَسْرَتَنَا " قَالَ : " يَرَى أَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ فَيَقُولُونَ : يَا حَسْرَتنَا " .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ( 31 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ، " يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ " . وَقَوْلُهُ : " وَهُمْ " مَنْ ذَكَرَهُمْ " يَحْمِلُونَ أَوْزَارهمْ " يَقُولُ : آثَامَهُمْ وَذُنُوبَهُمْ .
وَاحِدُهَا " وِزْرٌ " يُقَالُ مِنْهُ : " وَزَرَ الرَّجُلُ يَزِرُ " إِذَا أَثِمَ ، قَالَ اللَّهُ : " أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ " . فَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُمْ أُثِّمُوا ، قِيلَ : " قَدْ وُزِرَ الْقَوْمُ فَهُمْ يُوزَرُونَ ، وَهُمْ مَوْزُورُونَ " . [11/327]
قَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ " الْوِزْرَ " الثِّقْلُ وَالْحَمْلُ . وَلَسْتُ أَعْرِفُ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي شَاهِدٍ ، وَلَا مِنْ رِوَايَةِ ثِقَةٍ عَنِ الْعَرَبِ .
وَقَالَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " عَلَى ظُهُورِهِمْ " لِأَنَّ الْحَمْلَ قَدْ يَكُونُ عَلَى الرَّأْسِ وَالْمَنْكِبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَبَيَّنَ مَوْضِعَ حَمْلِهِمْ مَا يَحْمِلُونَ مِنْ ذَلِكَ .
وَذَكَرَ أَنَّ حَمْلَهُمْ أَوْزَارَهُمْ يَوْمَئِذٍ عَلَى ظُهُورِهِمْ ، نَحْوَ الَّذِي : -
13187 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ بَشِيرِ بْنِ سَلْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الْمُلَائِيُّ قَالَ : إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ اسْتَقْبَلَهُ أَحْسَنُ شَيْءٍ صُورَةً وَأَطْيَبُهُ رِيحًا ، فَيَقُولُ لَهُ : هَلْ تَعْرِفُنِي ؟ فَيَقُولُ : لَا ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ قَدْ طَيَّبَ رِيحَكَ وَحَسَّنَ صُورَتَكَ ! فَيَقُولُ : كَذَلِكَ كُنْتَ فِي الدُّنْيَا ، أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ ، طَالَمَا رَكِبْتُكَ فِي الدُّنْيَا ، فَارْكَبْنِي أَنْتَ الْيَوْمَ ! وَتَلَا يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا [ سُورَةُ مَرْيَمَ : 85 ] . وَإِنَّ الْكَافِرَ يَسْتَقْبِلُهُ أَقْبَحُ شَيْءٍ صُورَةً وَأَنْتَنُهُ رِيحًا ، فَيَقُولُ : هَلْ تَعْرِفُنِي ؟ فَيَقُولُ : لَا ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ قَدْ قَبَّحَ صُورَتَكَ وَأَنْتَنَ رِيحَكَ ! فَيَقُولُ : كَذَلِكَ كُنْتَ فِي الدُّنْيَا ، أَنَا عَمَلُكَ السَّيِّئُ ، طَالَمَا رَكِبْتَنِي فِي الدُّنْيَا ، فَأَنَا الْيَوْمَ أَرْكَبُكَ وَتَلَا " وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ " . [11/328]
13188 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ " فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ظَالِمٍ يَمُوتُ فَيَدْخُلُ قَبْرَهُ ، إِلَّا جَاءَ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ ، أَسْوَدُ اللَّوْنِ ، مُنْتِنُ الرِّيحِ ، عَلَيْهِ ثِيَابٌ دَنِسَةٌ ، حَتَّى يَدْخُلَ مَعَهُ قَبْرَهُ ، فَإِذَا رَآهُ قَالَ لَهُ : مَا أَقْبَحَ وَجْهَكَ ! قَالَ : كَذَلِكَ كَانَ عَمَلُكَ قَبِيحًا ! قَالَ : مَا أَنْتَنَ رِيحَكَ ! قَالَ : كَذَلِكَ كَانَ عَمَلُكَ مُنْتِنًا ! قَالَ : مَا أَدْنَسَ ثِيَابَكَ ! قَالَ فَيَقُولُ : إِنَّ عَمَلَكَ كَانَ دَنِسًا . قَالَ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا عَمَلُكَ ! قَالَ : فَيَكُونُ مَعَهُ فِي قَبْرِهِ ، فَإِذَا بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ لَهُ : إِنِّي كُنْتُ أَحْمِلُكَ فِي الدُّنْيَا بِاللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ ، فَأَنْتَ الْيَوْمَ تَحْمِلُنِي . قَالَ : فَيَرْكَبُ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَسُوقُهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ النَّارَ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : " يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ " .
وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ " فَإِنَّهُ يَعْنِي : أَلَا سَاءَ الْوِزْرُ الَّذِي يَزِرُونَ - أَيِ : الْإِثْمُ الَّذِي يَأْثَمُونَهُ بِرَبِّهِمْ ، كَمَا : -
13189 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ " قَالَ : سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ .