تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْأَنْعَامِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ . . . . "

ج 11
ص 294

الآية المفسَّرة

الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 11 · ص 294

النص

[11/294]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 20 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : الَّذِينَ " آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ " التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ يَعْرِفُونَ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ ، لَا جَمَاعَةُ الْآلِهَةِ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ " كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ " .
وَقَوْلُهُ : " الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ " مِنْ نَعْتِ " الَّذِينَ " الْأُولَى .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ " أَهْلَكُوهَا وَأَلْقَوْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ ، بِإِنْكَارِهِمْ مُحَمَّدًا (نبي)أَنَّهُ لِلَّهِ رَسُولٌ مُرْسَلٌ ، وَهُمْ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ عَارِفُونَ " فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ " يَقُولُ : فَهُمْ بِخَسَارَتِهِمْ بِذَلِكَ أَنْفُسَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى " خَسَارَتِهِمْ أَنْفُسَهُمْ " أَنَّ كُلَّ عَبْدٍ لَهُ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ . فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، جَعَلَ اللَّهُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ مَنَازِلَ أَهْلِ النَّارِ فِي الْجَنَّةِ ، وَجَعَلَ لِأَهْلِ النَّارِ مَنَازِلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي النَّارِ ، فَذَلِكَ خُسْرَانُ الْخَاسِرِينَ مِنْهُمْ ، لِبَيْعِهِمْ مَنَازِلَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ بِمَنَازِلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ النَّارِ بِمَا فَرَطَ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ مَعْصِيَتِهِمُ اللَّهَ ، وَظُلْمِهِمْ أَنْفُسَهُمْ ، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [ سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ : 11 ] . [11/295]
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : " الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ " قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13130 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : " الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ " يَعْرِفُونَ أَنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ اللَّهِ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ .
13131 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ " النَّصَارَى وَالْيَهُودُ يَعْرِفُونَ رَسُولَ اللَّهِ فِي كِتَابِهِمْ ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ .
13132 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ " [ يَعْنِي : النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ " ؛ لِأَنَّ نَعْتَهُ مَعَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ] .
13133 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَوْلَهُ : " الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ " يَعْنِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَ : زَعَمَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ (مكان)عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِمَّنْ أَسْلَمَ أَنَّهُمْ قَالُوا : وَاللَّهِ لَنَحْنُ أَعْرَفُ بِهِ مِنْ أَبْنَائِنَا ، مِنْ أَجَلِ الصِّفَةِ وَالنَّعْتِ الَّذِي نَجِدُهُ [11/296]فِي الْكِتَابِ ، وَأَمَّا أَبْنَاؤُنَا فَلَا نَدْرِي مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ !