النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 73 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا أَيْضًا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ فَرِيقٍ آخَرَ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فِي الْآيَاتِ قَبْلُ : أَنَّهُ لَمَّا ابْتَلَاهُمْ بَعْدَ حُسْبَانِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُبْتَلُونَ وَلَا يُفْتَنُونَ ، قَالُوا كُفْرًا بِرَبِّهِمْ وَشِرْكًا : " اللَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ " .
[10/482]وَهَذَا قَوْلٌ كَانَ عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ النَّصَارَى قَبْلَ افْتِرَاقِ الْيَعْقُوبِيَّةِ وَالْمَلَكِيَّةِ وَالنَّسْطُورِيَّةِ . كَانُوا فِيمَا بَلَغَنَا يَقُولُونَ : " الْإِلَهُ الْقَدِيمُ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ يَعُمُّ ثَلَاثَةَ أَقَانِيمَ : أَبًا وَالِدًا غَيْرَ مَوْلُودٍ ، وَابْنًا مَوْلُودًا غَيْرَ وَالِدٍ ، وَزَوْجًا مُتَتَبَّعَةً بَيْنَهُمَا " .
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ ، مُكَذِّبًا لَهُمْ فِيمَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ : " وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ " ، يَقُولُ : مَا لَكُمْ مَعْبُودٌ ، أَيُّهَا النَّاسُ ، إِلَّا مَعْبُودٌ وَاحِدٌ ، وَهُوَ الَّذِي لَيْسَ بِوَالِدٍ لِشَيْءٍ وَلَا مَوْلُودٍ ، بَلْ هُوَ خَالِقُ كُلِّ وَالِدٍ وَمَوْلُودٍ " وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ " ، يَقُولُ : إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ عَمَّا يَقُولُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ : " اللَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ " " لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " ، يَقُولُ : لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ ، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ الْمَقَالَةَ الْأُخْرَى : " هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ " ، لِأَنَّ الْفَرِيقَيْنِ كِلَاهُمَا كَفَرَةٌ مُشْرِكُونَ ، فَلِذَلِكَ رَجَعَ فِي الْوَعِيدِ بِالْعَذَابِ إِلَى الْعُمُومِ ، وَلَمْ يَقُلْ : " لَيَمَسَّنَّهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ قِيلَ كَذَلِكَ ، صَارَ الْوَعِيدُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ خَاصًّا لِقَائِلِ الْقَوْلِ الثَّانِي ، وَهُمُ الْقَائِلُونَ : " اللَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ " ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِمُ الْقَائِلُونَ : " الْمَسِيحُ هُوَ اللَّهُ " . فَعَمَّ بِالْوَعِيدِ تَعَالَى ذِكْرُهُ كُلَّ كَافِرٍ ، لِيَعْلَمَ الْمُخَاطَبُونَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ أَنَّ وَعِيدَ اللَّهِ قَدْ شَمِلَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَمَنْ كَانَ مِنَ الْكُفَّارِ عَلَى مَثَلِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتَ ، فَعَلَى مَنْ عَادَتْ " الْهَاءُ وَالْمِيمُ " اللَّتَانِ فِي قَوْلِهِ : " مِنْهُمْ " ؟
قِيلَ : عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ .
[10/483]فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ ، إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا : وَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ هَؤُلَاءِ الْإِسْرَائِيلِيُّونَ عَمَّا يَقُولُونَ فِي اللَّهِ مِنْ عَظِيمِ الْقَوْلِ ، لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ مِنْهُمْ : " إِنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ " ، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ : " إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ " ، وَكُلُّ كَافِرٍ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، بِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ .
وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِنَحْوِ قَوْلِنَا ، فِي أَنَّهُ عَنَى بِهَذِهِ الْآيَاتِ النَّصَارَى .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
12294 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ " ، قَالَ : قَالَتِ النَّصَارَى : " هُوَ وَالْمَسِيحُ وَأُمُّهُ " ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 116 ] .
12295 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ ، قَالَ مُجَاهِدٌ : " لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ " ، نَحْوَهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا أَيْضًا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ فَرِيقٍ آخَرَ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فِي الْآيَاتِ قَبْلُ : أَنَّهُ لَمَّا ابْتَلَاهُمْ بَعْدَ حُسْبَانِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُبْتَلُونَ وَلَا يُفْتَنُونَ ، قَالُوا كُفْرًا بِرَبِّهِمْ وَشِرْكًا : " اللَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ " .
[10/482]وَهَذَا قَوْلٌ كَانَ عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ النَّصَارَى قَبْلَ افْتِرَاقِ الْيَعْقُوبِيَّةِ وَالْمَلَكِيَّةِ وَالنَّسْطُورِيَّةِ . كَانُوا فِيمَا بَلَغَنَا يَقُولُونَ : " الْإِلَهُ الْقَدِيمُ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ يَعُمُّ ثَلَاثَةَ أَقَانِيمَ : أَبًا وَالِدًا غَيْرَ مَوْلُودٍ ، وَابْنًا مَوْلُودًا غَيْرَ وَالِدٍ ، وَزَوْجًا مُتَتَبَّعَةً بَيْنَهُمَا " .
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ ، مُكَذِّبًا لَهُمْ فِيمَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ : " وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ " ، يَقُولُ : مَا لَكُمْ مَعْبُودٌ ، أَيُّهَا النَّاسُ ، إِلَّا مَعْبُودٌ وَاحِدٌ ، وَهُوَ الَّذِي لَيْسَ بِوَالِدٍ لِشَيْءٍ وَلَا مَوْلُودٍ ، بَلْ هُوَ خَالِقُ كُلِّ وَالِدٍ وَمَوْلُودٍ " وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ " ، يَقُولُ : إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ عَمَّا يَقُولُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ : " اللَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ " " لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " ، يَقُولُ : لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ ، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ الْمَقَالَةَ الْأُخْرَى : " هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ " ، لِأَنَّ الْفَرِيقَيْنِ كِلَاهُمَا كَفَرَةٌ مُشْرِكُونَ ، فَلِذَلِكَ رَجَعَ فِي الْوَعِيدِ بِالْعَذَابِ إِلَى الْعُمُومِ ، وَلَمْ يَقُلْ : " لَيَمَسَّنَّهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ قِيلَ كَذَلِكَ ، صَارَ الْوَعِيدُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ خَاصًّا لِقَائِلِ الْقَوْلِ الثَّانِي ، وَهُمُ الْقَائِلُونَ : " اللَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ " ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِمُ الْقَائِلُونَ : " الْمَسِيحُ هُوَ اللَّهُ " . فَعَمَّ بِالْوَعِيدِ تَعَالَى ذِكْرُهُ كُلَّ كَافِرٍ ، لِيَعْلَمَ الْمُخَاطَبُونَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ أَنَّ وَعِيدَ اللَّهِ قَدْ شَمِلَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَمَنْ كَانَ مِنَ الْكُفَّارِ عَلَى مَثَلِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتَ ، فَعَلَى مَنْ عَادَتْ " الْهَاءُ وَالْمِيمُ " اللَّتَانِ فِي قَوْلِهِ : " مِنْهُمْ " ؟
قِيلَ : عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ .
[10/483]فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ ، إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا : وَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ هَؤُلَاءِ الْإِسْرَائِيلِيُّونَ عَمَّا يَقُولُونَ فِي اللَّهِ مِنْ عَظِيمِ الْقَوْلِ ، لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ مِنْهُمْ : " إِنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ " ، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ : " إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ " ، وَكُلُّ كَافِرٍ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، بِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ .
وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِنَحْوِ قَوْلِنَا ، فِي أَنَّهُ عَنَى بِهَذِهِ الْآيَاتِ النَّصَارَى .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
12294 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ " ، قَالَ : قَالَتِ النَّصَارَى : " هُوَ وَالْمَسِيحُ وَأُمُّهُ " ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 116 ] .
12295 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ ، قَالَ مُجَاهِدٌ : " لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ " ، نَحْوَهُ .