النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ( 64 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ جُرْأَةِ الْيَهُودِ عَلَى رَبِّهِمْ ، وَوَصْفِهِمْ إِيَّاهُ بِمَا لَيْسَ مِنْ صِفَتِهِ ، تَوْبِيخًا لَهُمْ بِذَلِكَ ، وَتَعْرِيفًا مِنْهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِيمَ جَهْلِهِمْ وَاغْتِرَارِهِمْ بِهِ ، وَإِنْكَارِهِمْ جَمِيعَ جَمِيلِ أَيَادِيهِ عِنْدَهُمْ ، وَكَثْرَةَ صَفْحِهِ عَنْهُمْ وَعَفْوَهُ عَنْ عَظِيمِ إِجْرَامِهِمْ وَاحْتِجَاجًا لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ لَهُ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ وَرَسُولٌ مُرْسَلٌ : أَنْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَنْبَاءُ الَّتِي أَنْبَأَهُمْ بِهَا كَانَتْ مِنْ خَفِيِ عُلُومِهِمْ وَمَكْنُونِهَا الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا أَحْبَارُهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْيَهُودِ ، فَضْلًا عَنِ الْأُمَّةِ الْأُمِّيَّةِ مِنَ الْعَرَبِ الَّذِينَ لَمَّ يَقْرَأُوا كِتَابًا ، وَوَعَوْا مِنْ عُلُومِ أَهْلِ الْكِتَابِ عِلْمًا ، فَأَطْلَعَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِيُقَرِّرَ عِنْدَهُمْ صِدْقَهُ ، وَيَقْطَعَ بِذَلِكَ حُجَّتَهُمْ .
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : " وَقَالَتِ الْيَهُودُ " ، مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ " يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ " ، يَعْنُونَ : أَنَّ خَيْرَ اللَّهِ مُمْسَكٌ وَعَطَاؤُهُ مَحْبُوسٌ عَنِ الِاتِّسَاعِ عَلَيْهِمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى [10/451]ذِكْرُهُ فِي تَأْدِيبِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ [ سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : 29 ] .
وَإِنَّمَا وَصَفَ تَعَالَى ذِكْرُهُ " الْيَدَ " بِذَلِكَ ، وَالْمَعْنَى الْعَطَاءُ ، لِأَنَّ عَطَاءَ النَّاسِ وَبَذْلَ مَعْرُوفِهِمُ الْغَالِبَ بِأَيْدِيهِمْ . فَجَرَى اسْتِعْمَالُ النَّاسِ فِي وَصْفِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ، إِذَا وَصَفُوهُ بِجُودٍ وَكَرَمٍ ، أَوْ بِبُخْلٍ وَشُحٍّ وَضِيقٍ ، بِإِضَافَةِ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى يَدَيْهِ ، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى فِي مَدْحِ رَجُلٍ :
يَدَاكَ يَدَا مَجْدٍ ، فَكَفٌّ مُفِيدَةٌ وَكَفٌّ إِذَا مَا ضُنَّ بِالزَّادِ تُنْفِقُ
فَأَضَافَ مَا كَانَ صِفَةَ صَاحِبِ الْيَدِ مِنْ إِنْفَاقٍ وَإِفَادَةٍ إِلَى " الْيَدِ " . وَمِثْلُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ فِي أَشْعَارِهَا وَأَمْثَالِهَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى . فَخَاطَبَهُمُ اللَّهُ بِمَا يَتَعَارَفُونَهُ وَيَتَحَاوَرُونَهُ بَيْنَهُمْ فِي كَلَامِهِمْ فَقَالَ : " وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ " ، يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّ اللَّهَ يَبْخَلُ عَلَيْنَا ، وَيَمْنَعُنَا فَضْلَهُ فَلَا يَفْضُلُ كَالْمَغْلُولَةِ يَدُهُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ أَنْ يَبْسُطَهَا بِعَطَاءٍ وَلَا بَذْلِ مَعْرُوفٍ ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا قَالُوا ، أَعْدَاءُ اللَّهِ!
[10/452]فَقَالَ اللَّهُ مُكَذِّبَهُمْ وَمُخْبِرَهُمْ بِسَخَطِهِ عَلَيْهِمْ : " غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ " ، يَقُولُ : أُمْسِكَتْ أَيْدِيهِمْ عَنِ الْخَيْرَاتِ ، وَقُبِضَتْ عَنِ الِانْبِسَاطِ بِالْعَطِيَّاتِ " وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا " ، وَأُبْعِدُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ بِالَّذِي قَالُوا مِنَ الْكُفْرِ ، وَافْتَرَوْا عَلَى اللَّهِ وَوَصَفُوهُ بِهِ مِنَ الْكَذِبِ وَالْإِفْكِ
" بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ " ، يَقُولُ : بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ بِالْبَذْلِ وَالْإِعْطَاءِ وَأَرْزَاقِ عِبَادِهِ وَأَقْوَاتِ خَلْقِهِ ، غَيْرُ مَغْلُولَتَيْنِ وَلَا مَقْبُوضَتَيْنِ " يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ " ، يَقُولُ : يُعْطِي هَذَا ، وَيَمْنَعُ هَذَا فَيَقْتُرُ عَلَيْهِ .
وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
12242 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : " وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا " ، قَالَ : لَيْسَ يَعْنُونَ بِذَلِكَ أَنَّ يَدَ اللَّهِ مُوثَقَةٌ ، وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ : إِنَّهُ بَخِيلٌ أَمْسَكَ مَا عِنْدَهُ ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا .
12243 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ " ، قَالُوا : لَقَدْ تَجَهَّدَنَا اللَّهُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ، حَتَّى [10/453]جَعَلَ اللَّهُ يَدَهُ إِلَى نَحْرِهِ! وَكَذَبُوا !
12244 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ " ، قَالَ : الْيَهُودُ تَقُولُهُ : لَقَدْ تَجَهَّدَنَا اللَّهُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَيَا أَهْلَ الْكِتَابِ ، حَتَّى إِنَّ يَدَهُ إِلَى نَحْرِهِ " بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ " .
12245 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : " وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا " إِلَى " وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ " ، أَمَّا قَوْلُهُ : " يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ " ، قَالُوا : اللَّهُ بَخِيلٌ غَيْرُ جَوَّادٍ! قَالَ اللَّهُ : " بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ " .
12246 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ " ، قَالُوا : إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ ، فَلَا يَبْسُطُهَا حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْنَا مُلْكَنَا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ " ، يَقُولُ : يَرْزُقُ كَيْفَ يَشَاءُ .
12247 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ ، قَالَ عِكْرِمَةُ : " وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ " الْآيَةَ ، نَزَلَتْ فِي فِنْحَاصَ الْيَهُودِيِّ .
12248 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ قَوْلُهُ : " يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ " ، يَقُولُونَ : إِنَّهُ [10/454]بِخَيْلٍ لَيْسَ بِجَوَّادٍ ! قَالَ اللَّهُ : " غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ " ، أُمْسِكَتْ أَيْدِيهِمْ عَنِ النَّفَقَةِ وَالْخَيْرِ . ثُمَّ قَالَ يَعْنِي نَفْسَهُ : " بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ " . وَقَالَ : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ [ سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : 29 ] ، يَقُولُ : لَا تُمْسِكُ يَدَكَ عَنِ النَّفَقَةِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْجَدَلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ " . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى بِذَلِكَ : نِعْمَتَاهُ . وَقَالَ : ذَلِكَ بِمَعْنَى : " يَدُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ " ، وَذَلِكَ نِعَمُهُ عَلَيْهِمْ . وَقَالَ : إِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ : " لَكَ عِنْدِي يَدٌ " ، يَعْنُونَ بِذَلِكَ : نِعْمَةٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : عَنَى بِذَلِكَ الْقُوَّةَ . وَقَالُوا : ذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي [ سُورَةُ ص : 45 ] .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ " يَدُهُ " ، مُلْكُهُ . وَقَالَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : " وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ " ، مُلْكُهُ وَخَزَائِنُهُ .
قَالُوا : وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْعَرَبِ لِلْمَمْلُوكِ : " هُوَ مِلْكُ يَمِينِهِ " ، وَ " فَلَانٌ بِيَدِهِ عُقْدَةُ نِكَاحِ فُلَانَةَ " ، أَيْ يَمْلِكُ ذَلِكَ ، وَكَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ، [ سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ : 12 ] .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ " يَدُ اللَّهِ " صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ ، هِيَ يَدٌ ، غَيْرَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِجَارِحَةٍ كَجَوَارِحِ بَنِي آدَمَ (نبي).
قَالُوا : وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْ خُصُوصِهِ آدَمَ (نبي)بِمَا خَصَّهُ بِهِ مِنْ خَلْقِهِ إِيَّاهُ بِيَدِهِ .
[10/455]قَالُوا : وَلَوْ كَانَ [ مَعْنَى " الْيَدِ " ، النِّعْمَةَ ، أَوِ الْقُوَّةَ ، أَوِ الْمُلْكَ ، مَا كَانَ لِخُصُوصِهِ ] آدَمَ (نبي)بِذَلِكَ وَجْهٌ مَفْهُومٌ ، إِذْ كَانَ جَمِيعُ خَلْقِهِ مَخْلُوقِينَ بِقُدْرَتِهِ ، وَمَشِيئَتُهُ فِي خَلْقِهِ نِعْمَةٌ ، وَهُوَ لِجَمِيعِهِمْ مَالِكٌ .
قَالُوا : وَإِذْ كَانَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ خَصَّ آدَمَ (نبي)بِذِكْرِهِ خَلْقَهُ إِيَّاهُ بِيَدِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ عِبَادِهِ ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ إِنَّمَا خَصَّهُ بِذَلِكَ لِمَعْنًى بِهِ فَارَقَ غَيْرَهُ مِنْ سَائِرِ الْخَلْقِ .
قَالُوا : وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، بَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى " الْيَدِ " مِنَ اللَّهِ ، الْقُوَّةُ وَالنِّعْمَةُ أَوِ الْمُلْكُ ، فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
قَالُوا : وَأَحْرَى أَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَمَا قَالَ الزَّاعِمُونَ أَنَّ : " يَدَ اللَّهِ " فِي قَوْلِهِ : " وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ " ، هِيَ نِعْمَتُهُ ، لَقِيلَ : " بَلْ يَدُهُ مَبْسُوطَةٌ " ، وَلَمْ يَقُلْ : " بَلْ يَدَاهُ " ، لِأَنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصَى كَثْرَةً . وَبِذَلِكَ جَاءَ التَّنْزِيلُ ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [ سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ : 34/ وَسُورَةُ النَّحْلِ : 18 ]
قَالُوا : وَلَوْ كَانَتْ نِعْمَتَيْنِ ، كَانَتَا مُحْصَاتَيْنِ .
قَالُوا : فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ النِّعْمَتَيْنِ بِمَعْنَى النِّعَمِ الْكَثِيرَةِ ، فَذَلِكَ مِنْهُ خَطَأٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تُخْرِجُ الْجَمِيعَ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ لِأَدَاءِ الْوَاحِدِ عَنْ جَمِيعِ جِنْسِهِ ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [ سُورَةُ الْعَصْرِ : 1 ، 2 ] وَكَقَوْلِهِ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ ، [ سُورَةُ الْحِجْرِ : 26 ] وَقَوْلُهُ : وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا [ سُورَةُ الْفُرْقَانِ : 55 ] ، قَالَ : فَلَمْ يُرَدْ بِ " الْإِنْسَانِ " وَ " الْكَافِرِ " فِي هَذِهِ الْأَمَاكِنِ إِنْسَانٌ بِعَيْنِهِ ، وَلَا كَافِرٌ مُشَارٌ إِلَيْهِ حَاضِرٌ ، بَلْ عُنِيَ بِهِ جَمِيعُ الْإِنْسِ وَجَمِيعُ الْكُفَّارِ ، وَلَكِنَّ الْوَاحِدَ أَدَّى عَنْ جِنْسِهِ ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ : [10/456]" مَا أَكْثَرَ الدِّرْهَمَ فِي أَيْدِي النَّاسِ " ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( وَكَانَ الْكَافِرُ ) مَعْنَاهُ : وَكَانَ الَّذِينَ كَفَرُوا .
قَالُوا : فَأَمَّا إِذَا ثُنِّيَ الِاسْمُ ، فَلَا يُؤَدِّي عَنِ الْجِنْسِ ، وَلَا يُؤَدِّي إِلَّا عَنِ اثْنَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا دُونَ الْجَمِيعِ وَدُونَ غَيْرِهِمَا .
قَالُوا : وَخَطَأٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يُقَالَ : " مَا أَكْثَرَ الدِّرْهَمَيْنِ فِي أَيْدِي النَّاسِ " ، بِمَعْنَى : مَا أَكْثَرَ الدَّرَاهِمَ فِي أَيْدِيهِمْ .
قَالُوا : وَذَلِكَ أَنَّ الدِّرْهَمَ إِذَا ثُنِّيَ لَا يُؤَدِّي فِي كَلَامِهَا إِلَّا عَنِ اثْنَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا .
قَالُوا : وَغَيْرُ مُحَالٍ : " مَا أَكْثَرَ الدِّرْهَمَ فِي أَيْدِي النَّاسِ " ، وَ " مَا أَكْثَرَ الدَّرَاهِمَ فِي أَيْدِيهِمْ " ، لِأَنَّ الْوَاحِدَ يُؤَدِّي عَنِ الْجَمِيعِ .
قَالُوا : فَفِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : " بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ " ، مَعَ إِعْلَامِهِ عِبَادَهُ أَنَّ نِعَمَهُ لَا تُحْصَى ، مَعَ مَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنَّ اثْنَيْنِ يُؤَدِّيَانِ عَنِ الْجَمِيعِ مَا يُنْبِئُ عَنْ خَطَأِ قَوْلِ مَنْ قَالَ : مَعْنَى " الْيَدِ " ، فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، النِّعْمَةُ ، وَصِحَّةِ قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ " يَدَ اللَّهِ " ، هِيَ لَهُ صِفَةٌ .
قَالُوا : وَبِذَلِكَ تَظَاهَرَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ بِهِ الْعُلَمَاءُ وَأَهْلُ التَّأْوِيلِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ هَذَا الَّذِي أَطْلَعْنَاكَ عَلَيْهِ مِنْ خَفِيِّ أُمُورِ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ ، مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا عُلَمَاؤُهُمْ وَأَحْبَارُهُمُ ، [10/457]احْتِجَاجًا عَلَيْهِمْ لِصِحَّةِ نَبُّوَّتِكَ ، وَقَطْعًا لِعُذْرِ قَائِلٍ مِنْهُمْ أَنْ يَقُولَ : " مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ " : " لَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا " . يَعْنِي بِ " الطُّغْيَانِ " : الْغُلُوَّ فِي إِنْكَارِ مَا قَدْ عَلِمُوا صِحَّتَهُ مِنْ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّمَادِي فِي ذَلِكَ " وَكُفْرًا " ، يَقُولُ : وَيَزِيدُهُمْ مَعَ غُلُوِّهِمْ فِي إِنْكَارِ ذَلِكَ ، جُحُودُهُمْ عَظَمَةَ اللَّهِ وَوَصْفُهُمْ إِيَّاهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ ، بِأَنْ يَنْسُبُوهُ إِلَى الْبُخْلِ ، وَيَقُولُوا : " يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ " . وَإِنَّمَا أَعْلَمَ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ أَهْلُ عُتُوٍّ وَتَمَرُّدٍ عَلَى رَبِّهِمْ ، وَأَنَّهُمْ لَا يُذْعِنُونَ لِحَقٍّ وَإِنْ عَلِمُوا صِحَّتَهُ ، وَلَكِنَّهُمْ يُعَانِدُونَهُ ، يُسَلِّي بِذَلِكَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمُوجِدَةِ بِهِمْ فِي ذَهَابِهِمْ عَنِ اللَّهِ ، وَتَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُ .
وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى " الطُّغْيَانِ " فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
12249 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا " ، حَمَلَهُمْ حَسَدُ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْعَرَبِ عَلَى أَنْ كَفَرُوا بِهِ ، وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ .
[10/458]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " ، بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، كَمَا : -
12250 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " ، الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ قِيلَ : " وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ " ، جَعَلْتَ " الْهَاءَ وَالْمِيمَ " فِي قَوْلِهِ : " بَيْنَهُمْ " ، كِنَايَةً عَنِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، وَلَمْ يَجْرِ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ذِكْرٌ؟
قِيلَ : قَدْ جَرَى لَهُمْ ذِكْرٌ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ، [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 51 ] ، جَرَى الْخَبَرُ فِي بَعْضِ الْآيِ عَنِ الْفَرِيقَيْنِ ، وَفِي بَعْضٍ عَنْ أَحَدِهِمَا ، إِلَى أَنِ انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ : " وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ " ، ثُمَّ قَصَدَ بِقَوْلِهِ : " أَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ " ، الْخَبَرَ عَنِ الْفَرِيقَيْنِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : كُلَّمَا جُمِعَ أَمْرُهُمْ عَلَى شَيْءٍ فَاسْتَقَامَ وَاسْتَوَى ، فَأَرَادُوا مُنَاهَضَةَ مَنْ نَاوَأَهُمْ ، شَتَّتَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَأَفْسَدَهُ لِسُوءِ فِعَالِهِمْ وَخُبْثِ نِيَّاتِهِمْ ، كَالَّذِي : -
[10/459]12251 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ [ سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : 4 - 6 ] ، قَالَ : كَانَ الْفَسَادُ الْأَوَّلُ ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا فَاسْتَبَاحُوا الدِّيَارَ ، وَاسْتَنْكَحُوا النِّسَاءَ ، وَاسْتَعْبَدُوا الْوِلْدَانَ ، وَخَرَّبُوا الْمَسْجِدَ . فَغُبِرُوا زَمَانًا ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ نَبِيًّا وَعَادَ أَمْرُهُمْ إِلَى أَحْسَنِ مَا كَانَ . ثُمَّ كَانَ الْفَسَادُ الثَّانِي بِقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ ، حَتَّى قَتَلُوا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا ، (نبي)فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ ، فَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ ، وَسَبَى مَنْ سَبَى ، وَخَرَّبَ الْمَسْجِدَ . فَكَانَ بُخْتُنَصَّرُ الْفَسَادَ الثَّانِيَ قَالَ : وَ " الْفَسَادُ " ، الْمَعْصِيَةُ ثُمَّ قَالَ ، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ إِلَى قَوْلِهِ : وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا [ سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : 7 ، 8 ] فَبَعَثَ اللَّهُ لَهُمْ عُزَيْرًا ، (نبي)وَقَدْ كَانَ عَلِمَ التَّوْرَاةَ وَحَفِظَهَا فِي صَدْرِهِ وَكَتَبَهَا لَهُمْ . فَقَامَ بِهَا ذَلِكَ الْقَرْنَ ، وَلَبِثُوا فَنَسُوا . وَمَاتَ عُزَيْرٌ ، (نبي)وَكَانَتْ أَحْدَاثٌ ، وَنَسُوا الْعَهْدَ وَبَخَّلُوا رَبَّهُمْ ، وَقَالُوا : " يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ " ، وَقَالُوا فِي عُزَيْرٍ (نبي): " إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَهُ وَلَدًا " ، وَكَانُوا يَعِيبُونَ ذَلِكَ عَلَى النَّصَارَى فِي قَوْلِهِمْ فِي الْمَسِيحِ ، فَخَالَفُوا مَا نَهَوْا عَنْهُ ، وَعَمِلُوا بِمَا كَانُوا يُكَفِّرُونَ عَلَيْهِ ، فَسَبَقَ مِنَ اللَّهِ كَلِمَةٌ عِنْدَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَنْ يَظْهَرُوا عَلَى عَدُوٍّ آخَرَ الدَّهْرَ ، فَقَالَ : " كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ " ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَجُوسَ الثَّالِثَةَ أَرْبَابًا ، فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ وَالْمَجُوسُ [10/460]عَلَى رِقَابِهِمْ ، وَهُمْ يَقُولُونَ : " يَا لَيْتَنَا أَدْرَكْنَا هَذَا النَّبِيَّ الَّذِي نَجِدُهُ مَكْتُوبًا عِنْدَنَا ، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَفُكَّنَا بِهِ مِنَ الْمَجُوسِ وَالْعَذَابِ الْهُونِ " ! فَبَعَثَ مُحَمَّدًا (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْمُهُ " مُحَمَّدٌ (نبي)" ، وَاسْمُهُ فِي الْإِنْجِيلِ " أَحْمَدُ " فَلَمَّا جَاءَهُمْ وَعَرَفُوا ، كَفَرُوا بِهِ ، قَالَ : فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 89 ] ، وَقَالَ : فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ، [ سُورَةِ الْبَقَرَةِ : 90 ] .
12252 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ " ، هُمُ الْيَهُودُ .
12253 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا " ، أُولَئِكَ أَعْدَاءُ اللَّهِ الْيَهُودُ ، كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ، فَلَنْ تُلْقَى الْيَهُودُ بِبَلَدٍ إِلَّا وَجَدْتَهُمْ مِنْ أَذَلِّ أَهْلِهِ . لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ حِينَ جَاءَ ، وَهُمْ تَحْتَ أَيْدِي الْمَجُوسِ أَبْغَضَ خَلْقِهِ إِلَيْهِ .
12254 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلُهُ : " كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ " ، قَالَ : كُلَّمَا أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عَلَى شَيْءٍ فَرَّقَهُ اللَّهُ ، وَأَطْفَأَ حَدَّهُمْ وَنَارَهُمْ ، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ .
[10/461]وَقَالَ مُجَاهِدٌ بِمَا : -
12255 - حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ : " كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ " ، قَالَ : حَرْبُ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ( 64 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَيَعْمَلُ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ ، فَيَكْفُرُونَ بِآيَاتِهِ وَيُكَذِّبُونَ رُسُلَهُ ، وَيُخَالِفُونَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ ، وَذَلِكَ سَعْيُهُمْ فِيهَا بِالْفَسَادِ
" وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ " ، يَقُولُ : وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ عَامِلًا بِمَعَاصِيهِ فِي أَرْضِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ جُرْأَةِ الْيَهُودِ عَلَى رَبِّهِمْ ، وَوَصْفِهِمْ إِيَّاهُ بِمَا لَيْسَ مِنْ صِفَتِهِ ، تَوْبِيخًا لَهُمْ بِذَلِكَ ، وَتَعْرِيفًا مِنْهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِيمَ جَهْلِهِمْ وَاغْتِرَارِهِمْ بِهِ ، وَإِنْكَارِهِمْ جَمِيعَ جَمِيلِ أَيَادِيهِ عِنْدَهُمْ ، وَكَثْرَةَ صَفْحِهِ عَنْهُمْ وَعَفْوَهُ عَنْ عَظِيمِ إِجْرَامِهِمْ وَاحْتِجَاجًا لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ لَهُ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ وَرَسُولٌ مُرْسَلٌ : أَنْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَنْبَاءُ الَّتِي أَنْبَأَهُمْ بِهَا كَانَتْ مِنْ خَفِيِ عُلُومِهِمْ وَمَكْنُونِهَا الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا أَحْبَارُهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْيَهُودِ ، فَضْلًا عَنِ الْأُمَّةِ الْأُمِّيَّةِ مِنَ الْعَرَبِ الَّذِينَ لَمَّ يَقْرَأُوا كِتَابًا ، وَوَعَوْا مِنْ عُلُومِ أَهْلِ الْكِتَابِ عِلْمًا ، فَأَطْلَعَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِيُقَرِّرَ عِنْدَهُمْ صِدْقَهُ ، وَيَقْطَعَ بِذَلِكَ حُجَّتَهُمْ .
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : " وَقَالَتِ الْيَهُودُ " ، مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ " يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ " ، يَعْنُونَ : أَنَّ خَيْرَ اللَّهِ مُمْسَكٌ وَعَطَاؤُهُ مَحْبُوسٌ عَنِ الِاتِّسَاعِ عَلَيْهِمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى [10/451]ذِكْرُهُ فِي تَأْدِيبِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ [ سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : 29 ] .
وَإِنَّمَا وَصَفَ تَعَالَى ذِكْرُهُ " الْيَدَ " بِذَلِكَ ، وَالْمَعْنَى الْعَطَاءُ ، لِأَنَّ عَطَاءَ النَّاسِ وَبَذْلَ مَعْرُوفِهِمُ الْغَالِبَ بِأَيْدِيهِمْ . فَجَرَى اسْتِعْمَالُ النَّاسِ فِي وَصْفِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ، إِذَا وَصَفُوهُ بِجُودٍ وَكَرَمٍ ، أَوْ بِبُخْلٍ وَشُحٍّ وَضِيقٍ ، بِإِضَافَةِ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى يَدَيْهِ ، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى فِي مَدْحِ رَجُلٍ :
يَدَاكَ يَدَا مَجْدٍ ، فَكَفٌّ مُفِيدَةٌ وَكَفٌّ إِذَا مَا ضُنَّ بِالزَّادِ تُنْفِقُ
فَأَضَافَ مَا كَانَ صِفَةَ صَاحِبِ الْيَدِ مِنْ إِنْفَاقٍ وَإِفَادَةٍ إِلَى " الْيَدِ " . وَمِثْلُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ فِي أَشْعَارِهَا وَأَمْثَالِهَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى . فَخَاطَبَهُمُ اللَّهُ بِمَا يَتَعَارَفُونَهُ وَيَتَحَاوَرُونَهُ بَيْنَهُمْ فِي كَلَامِهِمْ فَقَالَ : " وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ " ، يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّ اللَّهَ يَبْخَلُ عَلَيْنَا ، وَيَمْنَعُنَا فَضْلَهُ فَلَا يَفْضُلُ كَالْمَغْلُولَةِ يَدُهُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ أَنْ يَبْسُطَهَا بِعَطَاءٍ وَلَا بَذْلِ مَعْرُوفٍ ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا قَالُوا ، أَعْدَاءُ اللَّهِ!
[10/452]فَقَالَ اللَّهُ مُكَذِّبَهُمْ وَمُخْبِرَهُمْ بِسَخَطِهِ عَلَيْهِمْ : " غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ " ، يَقُولُ : أُمْسِكَتْ أَيْدِيهِمْ عَنِ الْخَيْرَاتِ ، وَقُبِضَتْ عَنِ الِانْبِسَاطِ بِالْعَطِيَّاتِ " وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا " ، وَأُبْعِدُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ بِالَّذِي قَالُوا مِنَ الْكُفْرِ ، وَافْتَرَوْا عَلَى اللَّهِ وَوَصَفُوهُ بِهِ مِنَ الْكَذِبِ وَالْإِفْكِ
" بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ " ، يَقُولُ : بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ بِالْبَذْلِ وَالْإِعْطَاءِ وَأَرْزَاقِ عِبَادِهِ وَأَقْوَاتِ خَلْقِهِ ، غَيْرُ مَغْلُولَتَيْنِ وَلَا مَقْبُوضَتَيْنِ " يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ " ، يَقُولُ : يُعْطِي هَذَا ، وَيَمْنَعُ هَذَا فَيَقْتُرُ عَلَيْهِ .
وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
12242 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : " وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا " ، قَالَ : لَيْسَ يَعْنُونَ بِذَلِكَ أَنَّ يَدَ اللَّهِ مُوثَقَةٌ ، وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ : إِنَّهُ بَخِيلٌ أَمْسَكَ مَا عِنْدَهُ ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا .
12243 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ " ، قَالُوا : لَقَدْ تَجَهَّدَنَا اللَّهُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ، حَتَّى [10/453]جَعَلَ اللَّهُ يَدَهُ إِلَى نَحْرِهِ! وَكَذَبُوا !
12244 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ " ، قَالَ : الْيَهُودُ تَقُولُهُ : لَقَدْ تَجَهَّدَنَا اللَّهُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَيَا أَهْلَ الْكِتَابِ ، حَتَّى إِنَّ يَدَهُ إِلَى نَحْرِهِ " بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ " .
12245 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : " وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا " إِلَى " وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ " ، أَمَّا قَوْلُهُ : " يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ " ، قَالُوا : اللَّهُ بَخِيلٌ غَيْرُ جَوَّادٍ! قَالَ اللَّهُ : " بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ " .
12246 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ " ، قَالُوا : إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ ، فَلَا يَبْسُطُهَا حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْنَا مُلْكَنَا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ " ، يَقُولُ : يَرْزُقُ كَيْفَ يَشَاءُ .
12247 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ ، قَالَ عِكْرِمَةُ : " وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ " الْآيَةَ ، نَزَلَتْ فِي فِنْحَاصَ الْيَهُودِيِّ .
12248 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ قَوْلُهُ : " يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ " ، يَقُولُونَ : إِنَّهُ [10/454]بِخَيْلٍ لَيْسَ بِجَوَّادٍ ! قَالَ اللَّهُ : " غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ " ، أُمْسِكَتْ أَيْدِيهِمْ عَنِ النَّفَقَةِ وَالْخَيْرِ . ثُمَّ قَالَ يَعْنِي نَفْسَهُ : " بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ " . وَقَالَ : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ [ سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : 29 ] ، يَقُولُ : لَا تُمْسِكُ يَدَكَ عَنِ النَّفَقَةِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْجَدَلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ " . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى بِذَلِكَ : نِعْمَتَاهُ . وَقَالَ : ذَلِكَ بِمَعْنَى : " يَدُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ " ، وَذَلِكَ نِعَمُهُ عَلَيْهِمْ . وَقَالَ : إِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ : " لَكَ عِنْدِي يَدٌ " ، يَعْنُونَ بِذَلِكَ : نِعْمَةٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : عَنَى بِذَلِكَ الْقُوَّةَ . وَقَالُوا : ذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي [ سُورَةُ ص : 45 ] .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ " يَدُهُ " ، مُلْكُهُ . وَقَالَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : " وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ " ، مُلْكُهُ وَخَزَائِنُهُ .
قَالُوا : وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْعَرَبِ لِلْمَمْلُوكِ : " هُوَ مِلْكُ يَمِينِهِ " ، وَ " فَلَانٌ بِيَدِهِ عُقْدَةُ نِكَاحِ فُلَانَةَ " ، أَيْ يَمْلِكُ ذَلِكَ ، وَكَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ، [ سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ : 12 ] .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ " يَدُ اللَّهِ " صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ ، هِيَ يَدٌ ، غَيْرَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِجَارِحَةٍ كَجَوَارِحِ بَنِي آدَمَ (نبي).
قَالُوا : وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْ خُصُوصِهِ آدَمَ (نبي)بِمَا خَصَّهُ بِهِ مِنْ خَلْقِهِ إِيَّاهُ بِيَدِهِ .
[10/455]قَالُوا : وَلَوْ كَانَ [ مَعْنَى " الْيَدِ " ، النِّعْمَةَ ، أَوِ الْقُوَّةَ ، أَوِ الْمُلْكَ ، مَا كَانَ لِخُصُوصِهِ ] آدَمَ (نبي)بِذَلِكَ وَجْهٌ مَفْهُومٌ ، إِذْ كَانَ جَمِيعُ خَلْقِهِ مَخْلُوقِينَ بِقُدْرَتِهِ ، وَمَشِيئَتُهُ فِي خَلْقِهِ نِعْمَةٌ ، وَهُوَ لِجَمِيعِهِمْ مَالِكٌ .
قَالُوا : وَإِذْ كَانَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ خَصَّ آدَمَ (نبي)بِذِكْرِهِ خَلْقَهُ إِيَّاهُ بِيَدِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ عِبَادِهِ ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ إِنَّمَا خَصَّهُ بِذَلِكَ لِمَعْنًى بِهِ فَارَقَ غَيْرَهُ مِنْ سَائِرِ الْخَلْقِ .
قَالُوا : وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، بَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى " الْيَدِ " مِنَ اللَّهِ ، الْقُوَّةُ وَالنِّعْمَةُ أَوِ الْمُلْكُ ، فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
قَالُوا : وَأَحْرَى أَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَمَا قَالَ الزَّاعِمُونَ أَنَّ : " يَدَ اللَّهِ " فِي قَوْلِهِ : " وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ " ، هِيَ نِعْمَتُهُ ، لَقِيلَ : " بَلْ يَدُهُ مَبْسُوطَةٌ " ، وَلَمْ يَقُلْ : " بَلْ يَدَاهُ " ، لِأَنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصَى كَثْرَةً . وَبِذَلِكَ جَاءَ التَّنْزِيلُ ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [ سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ : 34/ وَسُورَةُ النَّحْلِ : 18 ]
قَالُوا : وَلَوْ كَانَتْ نِعْمَتَيْنِ ، كَانَتَا مُحْصَاتَيْنِ .
قَالُوا : فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ النِّعْمَتَيْنِ بِمَعْنَى النِّعَمِ الْكَثِيرَةِ ، فَذَلِكَ مِنْهُ خَطَأٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تُخْرِجُ الْجَمِيعَ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ لِأَدَاءِ الْوَاحِدِ عَنْ جَمِيعِ جِنْسِهِ ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [ سُورَةُ الْعَصْرِ : 1 ، 2 ] وَكَقَوْلِهِ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ ، [ سُورَةُ الْحِجْرِ : 26 ] وَقَوْلُهُ : وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا [ سُورَةُ الْفُرْقَانِ : 55 ] ، قَالَ : فَلَمْ يُرَدْ بِ " الْإِنْسَانِ " وَ " الْكَافِرِ " فِي هَذِهِ الْأَمَاكِنِ إِنْسَانٌ بِعَيْنِهِ ، وَلَا كَافِرٌ مُشَارٌ إِلَيْهِ حَاضِرٌ ، بَلْ عُنِيَ بِهِ جَمِيعُ الْإِنْسِ وَجَمِيعُ الْكُفَّارِ ، وَلَكِنَّ الْوَاحِدَ أَدَّى عَنْ جِنْسِهِ ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ : [10/456]" مَا أَكْثَرَ الدِّرْهَمَ فِي أَيْدِي النَّاسِ " ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( وَكَانَ الْكَافِرُ ) مَعْنَاهُ : وَكَانَ الَّذِينَ كَفَرُوا .
قَالُوا : فَأَمَّا إِذَا ثُنِّيَ الِاسْمُ ، فَلَا يُؤَدِّي عَنِ الْجِنْسِ ، وَلَا يُؤَدِّي إِلَّا عَنِ اثْنَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا دُونَ الْجَمِيعِ وَدُونَ غَيْرِهِمَا .
قَالُوا : وَخَطَأٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يُقَالَ : " مَا أَكْثَرَ الدِّرْهَمَيْنِ فِي أَيْدِي النَّاسِ " ، بِمَعْنَى : مَا أَكْثَرَ الدَّرَاهِمَ فِي أَيْدِيهِمْ .
قَالُوا : وَذَلِكَ أَنَّ الدِّرْهَمَ إِذَا ثُنِّيَ لَا يُؤَدِّي فِي كَلَامِهَا إِلَّا عَنِ اثْنَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا .
قَالُوا : وَغَيْرُ مُحَالٍ : " مَا أَكْثَرَ الدِّرْهَمَ فِي أَيْدِي النَّاسِ " ، وَ " مَا أَكْثَرَ الدَّرَاهِمَ فِي أَيْدِيهِمْ " ، لِأَنَّ الْوَاحِدَ يُؤَدِّي عَنِ الْجَمِيعِ .
قَالُوا : فَفِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : " بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ " ، مَعَ إِعْلَامِهِ عِبَادَهُ أَنَّ نِعَمَهُ لَا تُحْصَى ، مَعَ مَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنَّ اثْنَيْنِ يُؤَدِّيَانِ عَنِ الْجَمِيعِ مَا يُنْبِئُ عَنْ خَطَأِ قَوْلِ مَنْ قَالَ : مَعْنَى " الْيَدِ " ، فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، النِّعْمَةُ ، وَصِحَّةِ قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ " يَدَ اللَّهِ " ، هِيَ لَهُ صِفَةٌ .
قَالُوا : وَبِذَلِكَ تَظَاهَرَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ بِهِ الْعُلَمَاءُ وَأَهْلُ التَّأْوِيلِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ هَذَا الَّذِي أَطْلَعْنَاكَ عَلَيْهِ مِنْ خَفِيِّ أُمُورِ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ ، مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا عُلَمَاؤُهُمْ وَأَحْبَارُهُمُ ، [10/457]احْتِجَاجًا عَلَيْهِمْ لِصِحَّةِ نَبُّوَّتِكَ ، وَقَطْعًا لِعُذْرِ قَائِلٍ مِنْهُمْ أَنْ يَقُولَ : " مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ " : " لَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا " . يَعْنِي بِ " الطُّغْيَانِ " : الْغُلُوَّ فِي إِنْكَارِ مَا قَدْ عَلِمُوا صِحَّتَهُ مِنْ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّمَادِي فِي ذَلِكَ " وَكُفْرًا " ، يَقُولُ : وَيَزِيدُهُمْ مَعَ غُلُوِّهِمْ فِي إِنْكَارِ ذَلِكَ ، جُحُودُهُمْ عَظَمَةَ اللَّهِ وَوَصْفُهُمْ إِيَّاهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ ، بِأَنْ يَنْسُبُوهُ إِلَى الْبُخْلِ ، وَيَقُولُوا : " يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ " . وَإِنَّمَا أَعْلَمَ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ أَهْلُ عُتُوٍّ وَتَمَرُّدٍ عَلَى رَبِّهِمْ ، وَأَنَّهُمْ لَا يُذْعِنُونَ لِحَقٍّ وَإِنْ عَلِمُوا صِحَّتَهُ ، وَلَكِنَّهُمْ يُعَانِدُونَهُ ، يُسَلِّي بِذَلِكَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمُوجِدَةِ بِهِمْ فِي ذَهَابِهِمْ عَنِ اللَّهِ ، وَتَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُ .
وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى " الطُّغْيَانِ " فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
12249 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا " ، حَمَلَهُمْ حَسَدُ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْعَرَبِ عَلَى أَنْ كَفَرُوا بِهِ ، وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ .
[10/458]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " ، بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، كَمَا : -
12250 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " ، الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ قِيلَ : " وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ " ، جَعَلْتَ " الْهَاءَ وَالْمِيمَ " فِي قَوْلِهِ : " بَيْنَهُمْ " ، كِنَايَةً عَنِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، وَلَمْ يَجْرِ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ذِكْرٌ؟
قِيلَ : قَدْ جَرَى لَهُمْ ذِكْرٌ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ، [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 51 ] ، جَرَى الْخَبَرُ فِي بَعْضِ الْآيِ عَنِ الْفَرِيقَيْنِ ، وَفِي بَعْضٍ عَنْ أَحَدِهِمَا ، إِلَى أَنِ انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ : " وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ " ، ثُمَّ قَصَدَ بِقَوْلِهِ : " أَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ " ، الْخَبَرَ عَنِ الْفَرِيقَيْنِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : كُلَّمَا جُمِعَ أَمْرُهُمْ عَلَى شَيْءٍ فَاسْتَقَامَ وَاسْتَوَى ، فَأَرَادُوا مُنَاهَضَةَ مَنْ نَاوَأَهُمْ ، شَتَّتَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَأَفْسَدَهُ لِسُوءِ فِعَالِهِمْ وَخُبْثِ نِيَّاتِهِمْ ، كَالَّذِي : -
[10/459]12251 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ [ سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : 4 - 6 ] ، قَالَ : كَانَ الْفَسَادُ الْأَوَّلُ ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا فَاسْتَبَاحُوا الدِّيَارَ ، وَاسْتَنْكَحُوا النِّسَاءَ ، وَاسْتَعْبَدُوا الْوِلْدَانَ ، وَخَرَّبُوا الْمَسْجِدَ . فَغُبِرُوا زَمَانًا ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ نَبِيًّا وَعَادَ أَمْرُهُمْ إِلَى أَحْسَنِ مَا كَانَ . ثُمَّ كَانَ الْفَسَادُ الثَّانِي بِقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ ، حَتَّى قَتَلُوا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا ، (نبي)فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ ، فَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ ، وَسَبَى مَنْ سَبَى ، وَخَرَّبَ الْمَسْجِدَ . فَكَانَ بُخْتُنَصَّرُ الْفَسَادَ الثَّانِيَ قَالَ : وَ " الْفَسَادُ " ، الْمَعْصِيَةُ ثُمَّ قَالَ ، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ إِلَى قَوْلِهِ : وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا [ سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : 7 ، 8 ] فَبَعَثَ اللَّهُ لَهُمْ عُزَيْرًا ، (نبي)وَقَدْ كَانَ عَلِمَ التَّوْرَاةَ وَحَفِظَهَا فِي صَدْرِهِ وَكَتَبَهَا لَهُمْ . فَقَامَ بِهَا ذَلِكَ الْقَرْنَ ، وَلَبِثُوا فَنَسُوا . وَمَاتَ عُزَيْرٌ ، (نبي)وَكَانَتْ أَحْدَاثٌ ، وَنَسُوا الْعَهْدَ وَبَخَّلُوا رَبَّهُمْ ، وَقَالُوا : " يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ " ، وَقَالُوا فِي عُزَيْرٍ (نبي): " إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَهُ وَلَدًا " ، وَكَانُوا يَعِيبُونَ ذَلِكَ عَلَى النَّصَارَى فِي قَوْلِهِمْ فِي الْمَسِيحِ ، فَخَالَفُوا مَا نَهَوْا عَنْهُ ، وَعَمِلُوا بِمَا كَانُوا يُكَفِّرُونَ عَلَيْهِ ، فَسَبَقَ مِنَ اللَّهِ كَلِمَةٌ عِنْدَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَنْ يَظْهَرُوا عَلَى عَدُوٍّ آخَرَ الدَّهْرَ ، فَقَالَ : " كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ " ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَجُوسَ الثَّالِثَةَ أَرْبَابًا ، فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ وَالْمَجُوسُ [10/460]عَلَى رِقَابِهِمْ ، وَهُمْ يَقُولُونَ : " يَا لَيْتَنَا أَدْرَكْنَا هَذَا النَّبِيَّ الَّذِي نَجِدُهُ مَكْتُوبًا عِنْدَنَا ، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَفُكَّنَا بِهِ مِنَ الْمَجُوسِ وَالْعَذَابِ الْهُونِ " ! فَبَعَثَ مُحَمَّدًا (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْمُهُ " مُحَمَّدٌ (نبي)" ، وَاسْمُهُ فِي الْإِنْجِيلِ " أَحْمَدُ " فَلَمَّا جَاءَهُمْ وَعَرَفُوا ، كَفَرُوا بِهِ ، قَالَ : فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 89 ] ، وَقَالَ : فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ، [ سُورَةِ الْبَقَرَةِ : 90 ] .
12252 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ " ، هُمُ الْيَهُودُ .
12253 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا " ، أُولَئِكَ أَعْدَاءُ اللَّهِ الْيَهُودُ ، كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ، فَلَنْ تُلْقَى الْيَهُودُ بِبَلَدٍ إِلَّا وَجَدْتَهُمْ مِنْ أَذَلِّ أَهْلِهِ . لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ حِينَ جَاءَ ، وَهُمْ تَحْتَ أَيْدِي الْمَجُوسِ أَبْغَضَ خَلْقِهِ إِلَيْهِ .
12254 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلُهُ : " كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ " ، قَالَ : كُلَّمَا أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عَلَى شَيْءٍ فَرَّقَهُ اللَّهُ ، وَأَطْفَأَ حَدَّهُمْ وَنَارَهُمْ ، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ .
[10/461]وَقَالَ مُجَاهِدٌ بِمَا : -
12255 - حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ : " كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ " ، قَالَ : حَرْبُ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ( 64 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَيَعْمَلُ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ ، فَيَكْفُرُونَ بِآيَاتِهِ وَيُكَذِّبُونَ رُسُلَهُ ، وَيُخَالِفُونَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ ، وَذَلِكَ سَعْيُهُمْ فِيهَا بِالْفَسَادِ
" وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ " ، يَقُولُ : وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ عَامِلًا بِمَعَاصِيهِ فِي أَرْضِهِ .